حكاية البطة النافقة …

نبيل عودة

حكاية البطة النافقة …

 

قصة/نقد: نبيل عودة

 

 

أشرقت الشمس دافئة لطيفة من بين الغيوم، فارتاحت نفسية هلال الشاغر، وقل توتره، ووقف يتلقى أشعة الشمس بشاربيه المنحدرين بدرجة انحدار لا تتجاوز ال 20% لتعطيه مظهرا يقربه من شخصيات اشتهرت بشواربها، وعلى رأسها الرفيق ستالين العظيم.

كان الفارغ يطمح ان يتوج شاعرا عظيما. لذا قرر ان يبدأ مشواره نحو التتويج. حقا كانت تقلقه النقطة الزائدة فوق حرف العين من اسمه: “الشاغر”، فهل يجوز القول “الشاعر هلال الشاغر” ولكنه متفائل من اسمه هلال، تيمنا بالقمر، لعل وعسى يصير أول شاعر في العالم تطأ قدماه أرض الأحلام والشعر، أرض القمر الذي اشتُق اسمه هلال من إحدى أجمل تكويناته. ربما تحدث معجزة علمية من العقل الحضاري الذي يحافظ على حضارة العرب الشعرية بشخصه العظيم، فيطير الى حلمه رائدا، شاعرا دون نقطة فوق العين كما ورثها من اهله وتسبب له الضيق كلما كتب اسمه وصفته الأدبية.

ذكاء هلال الذي نسيه كتاب جينيس، وفخامة شعره كانا محط إكبار لدى الأصحاب والمعارف، وهو الأمر الأهم لشاعر يطمح بالجلوس على أعلى قمة أدبية كشاعر لم يسبق ان ظهر شاعر بفحولته، فينشغل العرب من المحيط الى الخليج بهلال وشعره.

بناء على ذلك، وبعد تفكير وتخطيط استراتيجي، قرر هلال الشاغر ان يبدأ مسيرة حياته نحو القمة الشعرية.

قرر ان يغير اسلوب حياته وشكله من الأقصى الى الأقصى… حتى يلفت أنظار الجالس الأول في رأس النظام. فيشترى موهبته الإعلامية بلغة الشعر ليعلي من شانه بقصائد غنائية ووطنية.

أولا، بدا بتغيير برامج حياته اليومي، متبعا خطة تخفيض الوزن، الجسدي وربما العقلي أيضا كما يقول الناقد الحاقد نبيل عودة.

ثانيا، قص شعر رأسه قصة مودرن، وعبأ الفراغات بشعر فروة كلب سوداء اللون، وصبغ شعرات الشيب باللون الأسود ليبدو شابا وليس كهلا.

ثالثا، استأجر حراثا خبيرا لنكش حقل شاربيه، وتعشيب النباتات الضارة من وسطهما، وهي أعشاب تنمو على بدون اذن من وزارة الزراعة، وتروى بريالته التي لا تتوقف.

رابعا، ذهب سرا الى مونيكور نظفت له ما تحت الأظافر من قذارة مترسبة طال عهدها.

خامسا، وصل لطبيب أسنان وطلب ان يجلخ له القذارة الصفراء التي تراكمت فوق اسنانه.

سادسا، فكر بتفصيل بدلة جديدة يتمختر بها مثل الطاووس، حين يلقي قصائده العصماء. سأل عن خياط جيد، فقالوا له ما لك الا خياطي دمشق، ألأفضل بين العرب … سافر فورا الى بلاد الشام. ووصل الى عاصمة الأمويين دمشق. في دمشق أرسلوه لشارع الخياطين، كان هناك اربعة خياطين. نظر للمخيطة الأولى، ووجد نصا يقول: “أحسن خياط في دمشق”، حين قرر الدخول انتبه الى ان الخياط الثاني كتب على زجاج مخيطته نصا يقول: “أحسن خياط في سوريا”. حمد ربه لأنه لم يدخل لأحسن خياط في دمشق، لكنه فوجئ ان الخياط الثالث كتب على باب مخيطته: “أحسن خياط في العالم”. أمسكته الحيرة، واستغفر الله وتمنى لو كان من يرشده للخياط الأنسب. وهو في حيرة من أمره، اي خياط أفضل، فوجئ ان الخياط الرابع تلمع فوق واجهة محله جملة مثيرة تقول: “أحسن خياط في هذا الشارع”.

 

الله أكبر، الله أكبر، الشطارة والذكاء بارزان من الواجهة، فاندفع الى مخيطة “أحسن خياط في هذا الشارع”، مسرورا بانه اختار الأفضل من بين خياطي شارع الخياطين.

هكذا تطمئن القلوب ان الطريق الى امارة شعر العربية أضحت قاب قوسين أو أدنى … انفرجت اساريره سعادة، ولولا ما يتميز به الخياط من ذكاء موروث لما استطاع ان يفهم مطلب هلال من شدة ما أمسك الفرح بتلابيبه الضاحكة السعيدة والمتهيجة لأن ساعة ان يصبح شخصا جديدا شكلا ومضمونا باتت قريبة للغاية.

 

أخذ الخياط المقاييس المطلوبة، وقال له ان يرجع بعد يومين ليخرج من المخيطة هلالا جديدا وشاعرا شاغرا جديدا.

 

وجاء اليوم الموعود، كان هلال الشاغر متوتر الأعصاب ينتظر بدلته الجديدة على أحر من الجمر. كان واثقا ان قصيدته المدحية لأحسن خياط في الشارع، والتي تضمنت هجاء قذيعا للخياطين الثلاثة الآخرين، ستجلب له النور والبخور.

.

لبس البدلة، وتأمل نفسه أمام المرآة، وجد ان أكمام البدلة أطول من اللازم بخمسة سنتيمترات على الأقل.

–         ايها الخياط الغالي، الا ترى ان الأكمام أطول من اللازم؟

–         إطلاقا لا …

 قال الخياط بثقة، وأضاف:

–         عندما تثني مرفق يدك يا هلال، سترى ان الكم يصبح بالمقاس الصحيح. لأن ثني المرفق يسحب الكم الى الخلف.

ثني الشاغر مرفقه وقصر الكم فعلا.. ولكن عندها تحركت القبة نحو الخلف بشكل يسيء لشكل البدلة.

–         انظر ايها الخياط العظيم، القبة بهذه الحالة تنسحب نحو الخلف بشكل سيئ؟

–         وما الغرابة عزيزي هلال؟ ارفع رأسك جيدا وشده الى الخلف .. يجب ان تفخر أنك تلبس بدلة جديدة.. بالضبط .. الآن أنت رائع. الأن تستحق الدعوة لتكريمك. حضر قصيدة للمناسبة العظيمة.

تأمل هلال نفسه بالمرآة .. وامتعض:

–         يا أمير الخياطين، بهذا الوضع كتفي الأيسر منخفض عن كتفي الأيمن بعشرة سنتيمترات؟

–         عزيزي هلال، انت بين يدي أحسن خياطي العالم.. لا تقلق..  هذه مشكلة سهلة.. انحني من وسطك بشدة نحو الجهة اليمنى وسيبدو كل شيء رائعا. هكذا بالضبط … الكتفان الآن بنفس الارتفاع. رأيت يا هلال؟

 بمرفق منحن، وراس مرفوعة بشدة الى الخلف، وخصر منحن بقوة نحو اليمين، خرج هلال الشاغر مرتديا بدلته الجديدة مستصعبا السير، شاعرا أنه يقلد البطة العرجاء في مشيتها، وكل ذلك حتى تبدو البدلة تماما حسب مقاسه.

مر على شخصين يشربان فنجاني قهوة في أحد المقاهي، وقد لفت صاحبنا هلال ببدلته الجديدة ومشيته الغريبة، وجسمه المعوج بشدة وغرابة أنظارهما.

قال الأول: أنظر الى هذا المشوه المسكين، يؤلمني قلبي لحالته الصعبة.

قال الثاني: هذا صحيح مؤلم، ولكن خياطه الذي فصل له بدلته، عبقري، أنظر كيف فصل البدلة ملائمة تماما لجسمه المشوه!!

 بحالته المعوجة والعجيبة، بدأ كل من يراه يضع في يده بضعة قروش، ولم يساعده رفضه على وقف الحسنات، اذ أيقن الناس انهم امام مشوه خلقيا بوضع صعب جدا. وكثيرا ما سمع المحسنين يترحمون على حاله المعوجة في بدلة الخياط العظيم. ولكن في الحقيقة ان هذه الحال أعجبته مع الوقت، وبات يجدها مفيدة لجيبه، اذ لا يضطر للنهب والسلب، فها هي الحسنات تتدفق بلا حساب لجيبه. فشكر ومدح الخياط العظيم، وشتم بأقذع الشعر من قال انه أحمر خياط في الشارع، اذ أن “أحمر” تعني أيضا انه بولشفيكي، مما قد يعرضه للمساءلة في دوائر المخابرات!!

ولكن السؤال الذي أحرجه جاء من حيث لا يدري حين سأله زميل له: “ماذا سيقول عنك نبيل عودة لو رأى كيف صرت أشبه بالبطة العرجاء؟”. فرد غاضبا: “وهل القيام بدور حمار أفضل من بطة عرجاء؟”

وقف امام المرآة يتأمل نفسه، استحسن مظهره الجديد رغم كل شيء، شعره اسود ويعطيه شعورا انه أكثر شبابا، اسنانه بيضاء بفضل الجلخ، شاربة منظم بفضل حرثه وتعشيبه. محيط خصره أصغر بفضل ضبط شراهة وودافة نفسه.

خرج من بيته يتمختر بمشية البطة العرجاء سعيدا بالحسنات المتدفقة على جيبه، حين صدمته فجأة سيارة مسرعة.

وقبل ان يلفظ أنفاسه الأخير سأل ربه: يا الهي، كيف فعلت هذا بي وانا في أفضل ساعاتي، بعد ان غيرت شكلي وتهندمت؟”

ورد عليه صوت مجلجل من السماء: “في الحقيقة يا هلال الشاغر لم أتعرف عليك بشكلك الجديد!!”

 

******

ملاحظة: هذه القصة كتبتها بدل مقال نقدي لشخص لو قلت له ان شعره يسبق عصرنا ب 100 عام لزعل وطعنني بالخنجر. هو يعتقد، وهذا مسموح له، ان شاعر مثله لم يولد ولن يولد حتى بعد قرن كامل، فكانت هذه القصة-النقد، بإغفال صياغاته التي يسميها شعرا!!

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد