قصة قصيرة أميرة

حسام الدين أحمد الأديب
قصة قصيرة
أميرة
بقلم الأديب : حسام الدين أحمد
… أبي !!! ماذا تعني كلمة ماما؟
قراءة ممتعة …
مرت سريعاً تلك السنوات الأربعة وكأنها أشهر، حدث ذلك في كلية الهندسة_قسم الوقود والطاقة، فقد كان مهند لايزال في أيامه الأولى في الجامعة بعد أن حصل على معدلات عالية أوصلته لطموحه.
وفي حفلة التعارف شاءت الأقدار أن يلقي مهند قصيدته على خشبة المسرح يرحب فيها بزملائه، ولم يعلم فيها أن كلماته الأولى هذه في الجامعة سترسم له خطوط حياته المستقبلية، فقد أثار أسلوبه وقوة شخصيته في نور … وهي طالبة التحقت في الجامعة حديثاً.
بعد نزول مهند مباشرة صفق له الجميع وعاد إلى كرسيه ولكنه عاد، وتجره أقدامه وأقداره ليجلس في الصف الأول، فقد وجد وسط الزحام الشديد كرسياً بين الطلبة فجلس هناك، وأصبحت على يمينه نور … وهما لا يعرفان بعضهما ولكن قلوبهما أخذت تدق، وأخذت خيوط الأقدار ترسم طريقهما كما تشاء.
تمتمت نور بكلمات وهي غارقة في حيائها فلم يسمعها …
فقال مهند : عذراً لم أفهم …
نور: كان أسلوبك جميلاً ودعوتك للسلام والمحبة ونشرها بين الطلبة من صفات الرجولة.
مهند : نحن بشر وخلقنا الله تعالى للتعارف فيما بيننا بالأخلاق والحكمة للمضي قُــدُماً للأمام لإعمار الأرض، وخدمة أنفسنا والمجتمع.
شعر مهند بنفس المشاعر التي أحست بها نور، ولكنه كبتها في نفسه.
كانت كلماته الأولى لها تأثير كبير في نور، فعادت للبيت وهي تفكر في اجتماع صفات أحبتها في شخصية مهند … فنور تعلم أن الرجال أفعال وأقوال ومواقف.
تسارعت الأحداث لتثبت صحة كلام نور، كانت نور جالسة تتناول فطورها في كافتيريا الجامعة، فقامت لتدفع حسابها، فتفاجأت أن الحساب مدفوع مسبقاً، فتساءلت عن الذي قام بدفع حسابها … فأخبروها أنه السيد مهند، تبسمت وذهبت مرتبكة مسرعة.
سمع مهند صوت هاتف يرن من المكان الذي كانت تجلس فيها نور، فوجد تحت الطاولة هاتفها، وقد وقع منها دون علمها، فأخذه مسرعاً وذهب لقاعة الدرس باحثاً عن نور … وهو أول أيام الدراسة فوجد على اللوحة قائمة الأسماء وأنها تجلس قربه، فسلم عليها وأعطاها الهاتف وقال: لقد وقع منكِ في المطعم.
أخذت نور الهاتف … ولم تجبه فقد أجابت عيناها مكانها بعبارات الشكر والامتنان.
وهكذا على الحُب والصدق أكمل مهند ونور دراستهما، فقد تخرجا بتفوقٍ ممتاز بعد أن بنوا وخططوا للمستقبل.
جرى ذلك سريعاً، فقد كان مهند ونور وعائلتهما متفقين على كل شيء … وتم تحديد يوم الزفاف … الخميس القادم بعد حفلة التخرج.
أخذ مهند بعد مرور الأيام على عاتقهِ الأمور الفنية والإدارية للشركة التي أسسها، وتُـعينه في ذلك زوجته، وهكذا صنعا حباً بدأ بأيام الجامعة ومروراً بالبيت والعمل.
ولكن اليوم وضع نور مختلف، فسترزق بمولود بعد أيام، وكان لابد لها من الراحة من الأعمال، وقد أخذ مهند على عاتقه ممارسة كل الأعمال … إضافة لاهتمامه ببيته وطلباتها.
اتصلوا به من المستشفى …
السيد مهند ..
نعم .. تفضلوا … يرجى حضورك لأن زوجتك ستضع مولودها قريباً … ولابد من حضورك.
ذهب مسرعاً وهو فرح فسيكون بعد لحظات … أباً … لا يهم المولود ذكراً كان أم أنثى المهم هو أن يكون قطعة من حبيبته نور … فهذا سيزيد من المحبة والحب توهجاً.
خرجت الممرضة وهي تنادي باسمه فأسرع إليها … فأشارت له بالدخول لرؤية طفلته … وكأنها نورٌ يتلألأ … فلم يتحمل الفرحة فقبلها.. وتوجه لحبيبته … فما أن أدارَ وجهه حتى زالت الابتسامة، وهو يسأل الممرضة: أين نور … أين نور؟
لم تجب، فلم يكُنْ في الصالة إلا الطفلة وسرير آخر … وفيه شخص مغطى حتى رأسه، وقد أخذه الشك بعيداً، فغرق في دموعه وهو يكشف الغطاء ليجدها قد فارقت الحياة … وأخذ يقبلها ويقول: لا .. لا ترحلي .. فأنا أحتاجكِ .. جميع الذين أحبهم رحلوا … فلا ترحلي أنتِ … نور … لا تتركيني وحيداً … نور.
غطت الممرضة جثة نور، وأعطت لمهند الأمانة التي سلمتها نور للممرضة، فقد كانت تشعر بقرب أجلها، إنه الهاتف الذي وقع منها حين كانت طالبة، وهو السبب في بداية التعارف والإعجاب بينهما.
أخذ مهند يقبل الهاتف وينشد لنور نفس القصيدة التي قرأها يوم حفلة التعارف أيام الجامعة … وفي أول أيام السنة الدراسية لهما.
غابت نور عن عالمه ولكنها … حاضرة في قلبة دوماً، وبعد مرور أيام …اكتشفوا أن أميرة طفلته الجميلة … لا ترى عمياء … زاد ذلك من معاناته، وأخذ يذهب بها إلى الأطباء ولكن دون جدوى.
أرسل في طلب خادمة ومربية لأميرة، وأصبح متنقلاً بين العمل والبيت، وعند عودته للبيت يقوم هو بخدمة أميرة ورعايتها.
ويوم بعد يوم تتضح ملامح أميرة، فإنها تشبه أمها لحدٍ كبير … وقام بإدخالها أفضل المدارس للمكفوفين وأصبحت من المتميزات، فقد كانت ذات مواهب متعددة.
لم يجعلها أبوها تشعر بالوحدة والحاجة، وهو يلاعبها ويأخذها للتنزه واللعب، وفي يوم سمعت فتاة تنادي أُمي … أُمي وتضحك وتلعب.
سألت أميرة …
أبي .. أبي
أين .. أنت .. أَبي؟
نعم حبيبتي .. أنا معكِ .. ها أنا .. ومسك بيدها.
نعم .. يا أميرتي الجميلة.
أبي .. ماذا تعني كلمة ماما؟
أخذ أبوها الصمت .. وعيناه تذرفان الدموع، فليتها ما سألت ذاك السؤال …
أخذت أميرة بإعادة سؤالها ظناً منها أن أبوها لم يسمعها أو أنه ذهب بعيداً.
أبي: نعم أميرة .. أنا معكِ.
ماما تعني: التي كانت سبب وجودك في هذه الحياة … وتعني التي ربتكِ وكنتِ جزءاً منها، وقد أهدتكِ عمرها كي تعيشي أنتِ.
أبي: لماذا ليس لديّ ما لديهم ؟
أين … ماما ؟
إنها موجودة ، ولكنها رحلت إلى السماء.
وهنا .. أخذ مهند بالبكاء وتركها وقال سأذهب لأشتري لكِ بعض الحلوى.
أخذت الأيام من مهند الكثير … ولكنها أعطت أميرة أيضاً الكثير… فقد كَبُرَ مهند … وأصبحت أميرة شابة فائقة الجمال.
تفرغ مهند لابنته وقد ترك عمله، وأصبح شغله الشاغل هو علاجها، وخصوصاً بعدما ذكر أحد الأطباء التوصل لعلاج الحالات المشابهة لمرض أميرة، وأن العملية ستكون طفرة نوعية في عالم علاج البصر، وبعد العديد من المراجعات تم تحديد موعد إجراء العملية.
قامت أميرة ليلاً لشرب الماء ولم تدق جرس التنبيه كي يعلم أبوها بتحركاتها أو يحضر لها الماء.
سارت أميرة من غرفتها باتجاه السلالم، وهنا أحسَّ أبوها بصوتٍ فقام …
فإذا بأميرة قرب السلالم وكادت أن تقع، فجرى أبوها لمسكها كي لا تسقط ، فدفعها جانباً على الجدار، وسقط هو من علا السلالم للطابق الأرضي وفقد الوعي، وأخذت أميرة بالصراخ، فأسرع الحارس بعدما سمع صوتها، واتصل بالإسعاف وأخذوه للمستشفى.
بعد أيام عاد مهند للبيت، ولكنه على كرسي المعاقين، فقد حدث له ارتجاج في الدماغ أفقده السيطرة على أطرافه السفلى.
أبلغ مهند الخدم بإخفاء مرضه عن أميرة لحين إجراء العملية لها، حتى لا تؤثر على حالتها النفسية.
اتصل مهند بالطبيب الذي يشرف على العملية، وتم تحديد الموعد، والاستعداد ليوم العملية.
أخبر مهند ابنته أنه متعب، وسوف تذهب مع الحارس والمربية لإجراء العملية، وأخبرها أن العملية ناجحة إن شاء الله ، وقد أبلغه الطبيب بذلك.
أبلغ مهند الحارس أنه لن يذهب معها كي لا تراه مقعداً … خوفاً عليها، وأنه على يقين أنها ستُبصر.
بعد ساعات من أجراء العملية … وبعد أن أخذت الراحة الكافية في صالة المرضى .. حدد الطبيب موعد فتح عينيها، وقام بإزالة الرباط من على رأسها.
أخذت أميرة بالابتسامة، فقد أبصرت أول خيوط النور، وكان أول كلمة نطقت بها أين أبي … أبي؟
الحارس: سيدي في المنزل يا آنستي.
خذني إليه … أَسرع.
قال لها الطبيب: عليكِ المكوث بعض ساعات أخرى؛ لإجراء بعض الفحوصات اللازمة.
فقالت: أمامكم ساعة وبعدها سأذهب.
فقام الطبيب بإجراء اللازم، وكانت هي تفقد صوابها شيئاً فشيئاً حتى خرجت مسرعة للبيت لرؤية أبوها.
اتصل الحارس: سيدي …
مهند: نعم يا أبو أحمد.
سيدي: آنستي أميرة قد أجرت العملية.
مهند: أكمل .. وكيف هي الآن …؟ وهل نجحت العملية …؟ وهل أبصرت …؟ أجبني بسرعة.
أبو أحمد: أجل سيدي .. أبصرت والحمد لله.
مهند: متى ستأتون؟
أبو أحمد: بعد قليل سيدي …
مهند: لا تخبرها أنني مقعد.
أبو أحمد: أمرك سيدي.
دخلت أميرة البيت … وهي تجري وتقول: أبي .. أبي .. قد أبصرت .. أبي، ولكن لم يجبها أحد.
كان أبوها جالس وقربه جاره أبو أمجد ومعه الخدم.
لم تعلم أميرة مَنْ أبوها؛ لأنها لم تراه من قبل، ولكنها ستعرف من خلال صوته.
عادت أميرة تنادي: أبي .. أبي.
هنا أخذ أبوها بالبكاء، فظنت أن شيئاً ما حصل لأبوها، فتقربت منهم، وقالت: أين أبي؟
هنا لم يتحمل مهند، فناداها أميرتي الجميلة .. بُنيتي .. أميرتي.
علمت أميرة أن أبوها هو المقعد، وتذكرت حادثة سقوطه قبل أيام حين كان يحاول منعها من السقوط .
أخذت أميرة تبكي كالأطفال، وتقبّــل قدما أباها، وهو يقول لها: كفاكِ حبيبتي … لازلتُ حياً حبيبتي … متُّ أنا يوم فارقت الدنيا أُمكِ، ولكني عدتُ لأحيا معكِ صغيرتي … ففيكِ رائحة نور … وهو يضمها ويتمتم .. أين نور…؟ فهذا اليوم الذي احتجتُ إليكِ فيه.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد