سماح قصة قصيرة

حسام الدين أحمد الأديب
سماح
قصة قصيرة
بقلم :حسام الدين أحمد
سماح إِمرأة تستحق أن تقرأ قصتها
قراءة ممتعة…
سماح إِسم رنان .. في عالم النسيان.
هذه العبارة التي كانت ترددها سماح كثيراً حين كانت طالبة في الصف العاشر.
فذات يوم سألها المعلم عن معنى إِسمها، فلم تستطع الإجابة، فقام المعلم يشرح لها:-
سماح هو إِسم علم مؤنث، معناه: الجود والكرم والصفح واللين.
زرعت عبارات المعلم فيها حب المطالعة، فمنذُ ذلك اليوم رسمت لها طريقاً فيه عطر الكلمات ممزوجاً بجمال اللغة في عالم المعرفة والمطالعة.
سماح هي البنت الوحيدة لأبيها من أمها التي انتحرت لأسباب مجهولة، كما أشار إليه مكتب التحقيقات، ولها ثلاث أخواتٍ وأخٍ من زوجة أبيها … فكونوا بذلك عائلة إجتمعوا في بيتٍ واحد، ولكن أفكارهم وآراؤهم مختلفة.
كانت سماح تقوم مبكراً لإكمال أعمال البيت والتنظيف وإعداد الطعام، وبعدها تقوم بارتداء ثيابها المدرسية البالية التي لم تكن تملك سواها، وتذهب سيراً على الأقدام إلى مدرستها التي تبعد حوالي أربعة كيلومتر عن منزلهم، وهناك تقضي أسعد أوقاتها في مكتبة المدرسة، حيث تنسى همها، وسوء معاملة زوجة أبيها وإهمالهم لها.
عند عودتها تقوم باستعارة كتاب من كتب المكتبة، وتخبأه تحت ثيابها؛ لأن زوجة أبيها كانت تكره الكتب، بل كانت تشمئز من رؤية الأوراق.
عادت سماح لإكمال أعمال المنزل والتنظيف وغسل الصحون، فقد أعدوا لها ما لا تطيق بنت في سنها هذا.
في حلول المساء يكون الجميع قد تعب من الأكل والسهر، بينما سماح قد أتعبها العمل، لكنها تعود لسريرها وهو بعيد عن أخواتها، فسريرها تحت سلم الطابق الثاني … فهذا المكان الذي قررت أن تضعها فيها أختها، فقد كانت تحمل صفات الحقد والبغض والتكبر.
كل ذلك كان لا يعني شيء عند سماح، فقد حانت لحظة التقاءها بمن تحب … تخرج سماح الكتاب من تحت السرير، وتديره باتجاه النافذة، فهناك ضوء يشق طريقه إليها من أحد الأعمدة المجاورة لمنزلهم على الشارع، فزوجة أَبيها لا تقبل بإضاءة المصابيح ليلاً، ولكن سماح تفهم الموضوع بشكل مختلف، فهذا الشعاع هو الذي يوصلها من كوخها المظلم إلى النور الذي تسعى إليه.
هكذا كانت تسير حياتها لحين عودتها في يوم إلى المنزل، ورأت سيارة إسعاف وهي تغادر من أمام المنزل، ولكن سماح أحست أن قلبها سار خلف تلك السيارة وهي تتساءل: تُرى هل يتحمل قلبي أوجاعاً أخرى؟
قد شاءت الأقدار أن يرحل أبوها … ويتركها في رعاية زوجة أبيها وأولادها.
مرت الأشهر الأولى وكانت صعبة على قلب سماح الصغير، ولكنها قوية فهي أخذت قوتها وصبرها من أُمِها، وما تعلمته من بطون الكتب.
قررت زوجة أبيها أن تترك سماح الدراسة لتجلس لخدمة البيت، وكانت محاولات سماح لإقناعها والتوسل إليها غير نافعة.
أَصبحت حياة سماح مملة ومتعبة، فنهارُها في ترتيب البيت، وليلها في بطون الكتب والاشتياق لحياة الرفاهية والحب والاحترام التي كانت تحياها في ظل والديها عندما كانوا سوياً.
يوم بعد يوم تتلاشى الغيوم لتكشف لسماح حقائق لم تكن تعلم بها، فقد كانت تعد الشاي وبعض الحلوى التي أمرتها بها زوجة أبيها لضيفتها التي تبطن لسماح البغض والحقد، وهكذا تبادلها سماح نفس المشاعر … فبعد أن أكملت تحضير الطعام توجهت لغرفة الضيوف لتقدمه لهم.
فما أن وصلت الباب حتى توقفت … وليس من عادة سماح التجسس على أحد! لكنها سمعت زوجة أبيها وهي تقول لجارتها أَنها أَعطت زوجها أَدوية منتهية الصلاحية لتتخلص منه كما تخلصت من زوجته السابقة بدسّ السُّم لها، فقد كانت تبطن لها الكره رغم صلة القرابة التي بينهما.
وبعد سماع سماح لما حدث لأبويها بسبب زوجة أبيها، سقطت أكواب الشاي من يديها واختلطت بدموعها، وحين سمعت زوجة أَبيها صرخت بوجهها، فأخذت سماح بالاعتذار لها، ولم تُبين أنها سمعت الحديث الذي جرى بينها وبين جارتها؛ لأنها تعلم أن صفحتها مليئة بالإجرام.
بعد أيام قررت زوجة أَبيها الموافقة على طلب جارتها بزواج سماح من أَخوها رغم أَنه أكبر منها بخمسة وعشرون عاماً، وقد قبضت مهرها وهديتها، ولم تحصل سماح إلا فستان للزواج، ولم تُجدِ محاولات سماح بالامتناع والبكاء والتهديد بترك المنزل والهرب، فقد قامت زوجة أبيها بتقييدها ليوم الزفاف.
إِنتقلت سماح إلى عالم آخر، فقد اختلطت عندها مشاعر الخوف والحزن من الحاضر والمستقبل.
لا فرق عند سماح بين بيتها الذي كانت تسكنه وبيت زوجها الكبير في السن، فالوحدة والغربة لازماها منذ الطفولة، وخصوصاً بعد وفاة والدها.
مرت الأيام ولم يتغير عند سماح شيء، فزوجها لم يكن لديه المزيد ليقدمه لها، ففارق العمر، وكذلك الفقر، واختلاف الثقافات أضاف لسماح أكثر مما تتحمل، وخصوصاً أن أخت زوجها كانت تتدخل كثيراً في حياتها، وكثيراً ما كانت السبب وراء المشاكل التي واجهتها سماح، وكذلك كانت السبب في طلاقها بعد سنوات، رغم أنها رزقت بمولودين ذكر وأنثى، وقد رمى بهم خارجاً بعد طلاقها دون مأوى، ولا حتى مصدر للرزق ليستعينوا به على مصائب الحياة.
أصبحت سماح تعمل كخادمة في إحدى المنازل لتستطيع تلبية متطلبات أولادها، خصوصاً أنهم أصبحوا في سن المراهقة، ولا يهمُهُم إلا توفير طلباتهم.
لكن سماح كانت فرحة جداً بعملها كخادمة، فهي توفر لأولادها المال، وكذلك تعمل في منزل مليء بالكتب، فقد كانت سيدتها تعمل معلمة، وتسمح لها بالمطالعة، وأحياناً بأخذ بعض الكتب معها.
أثر عمل سماح على وضعها الصحي بشكل كبير، رغم أن سيدتها كانت تتكفل بمصاريف علاجها، إلا أن هذا العمل أصبح شاقاً عليها، ومن جانب آخر هو سوء تصرف أولادها معها، إذ لم يعودوا يهتموا بها رغم علمهم بمرضها، وأَبلغوها أَنهم سيرحلون إن تظاهرت ثانياً بالمرض، وعليها أن تعمل وتوفر لهم المال.
أثر هذا على حالتها النفسية، ولزمت المنزل لأيام، ولم يكن أحد يزورها إلا سيدتها بين الحين والآخر، وتقدم لها بعض المال والكتب؛ لأنها تعلم حب سماح للمطالعة، فقد أحضرت لها كتاب ” كتبتُ لكِ” الذي طلبته منها قبل مدة من الزمن.
مرت أيام ولم يُطرق باب سماح، وكذلك لم تَخرُج هي للجلوس في الحديقة، وهنا تذكرت سيدتها أن تزورها، وتأخذ معها بعض المال، والعلاج، وكتاب كانت قد أوصتها سماح بشرائه لها.
طرقت سيدتها الباب، إلا أن سماح لم تقُم بفتح الباب لها، وقررت سيدتها العودة يوم غداً ظناً منها أن أولادها أخذوها للمستشفى.
بعد أيام قام أحد الفلاحين المجاورين لمنزل سماح بطرق الباب بقوة؛ لأنه شاهد أنابيب المياه الخاصة بمنزلها قد تعطلت، وأصبح الماء يخرج من تحت الباب، ولكن لم يفتح الباب أحد.
قرر أن يكسر الباب لإيقاف تدفق المياه، ولكنه فوجئ بسماح ملقاة على الأرض، وبِجانبِها كتاب، وقد إِقتطعت ورقة منها مكتوب فيها:
أَجابَ جِدارُ الدارِ
بَعدَ صَمتٍ واهْتَزَّت أَركانَهُ
حُزناً على حُزنِ ..
أَيا طارقَ الباب
رفقاً فقد أيقظتَ بابيَ
بعد النومِ والسكنِ ..
لا تسأل عن الأهلِ
إذ ذَهبوا فَسُنَّةُ اللهِ قَضَت
وكذا السُّنَنِ ..
كانوا كُثُراً يعلو صوتَهم
حتى يَعبُرَ صَدى صَوتَهم
أركانَ جدرانِ ..
واليوم تَحتَ سَقفي دُفِنَت
ذكرياتُهُم وغَدَتْ مَسخَاً الجنُّ
يسكُنُه بلا عنوانِ ..
وتَناثَرت صخوري على الطريقِ
وأصبَحَتْ نسياً بعدما كانت
تُزينُ الجدرانِ ..
كفاكَ واذهب للمقابر
واطرُق بابَهُم لعلك تُعيدُ
الأحبابَ والخلانِ ..
أو اِمسح الأرضَ باحثاً
عن غائبٍ اِختفت أَخباره
في الأفلاكِ والأزمانِ ..
يا طارقَ البابِ أرحل
فقد حطمت قلبي فليتـك أخطأتَ
بأرقــــــامِ عنوانِ ..
سريعاً مرت الأيام وكأنها ساعات … بالأمس كانت سماح طفلة صغيرة، وأصبحت تَحلُم، فما أن كَبُرت لترى حِلمَها على أرض الواقع … حتى جاء القطار ودقَّ صفارته … فلابد حينها من الرحيل … إِنطوت الصفحات ووضِع الكتاب على طاولة النسيان … لتُكتب صفحات أُخرى، في سجل الأيام بما فيها من الأفراح والأحزان .. وغدر الإِنسان .. وتقلبات الزمان.
الأَديب حسام الدين أحمد
العراق بغداد

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد