البيت المسكون (قصة قصيرة)

حيدر الحدراوي

البيت المسكون (قصة قصيرة)
تسكع في الشارع مستفهماً عن البيت الذي ينوي شراءه ، مستجوباً الجيران وأصحاب المحلات القريبة ، خشية ان تكون عتبته ليست جيدة كما هو الظن السائد ، أو لعل مالك البيت لديه أسباب يخفيها كالمشاكل العائلية ومشاكل الميراث وغيرها ، أحداً لم يخبره بشيء لا يسر ، الجميع لم يكونوا يعرفون ماذا في داخل البيت ! ، فالمالك كان يخفي على الجميع حقيقة مرة ، مرعبة ! .
بعد أن جمع الاستفتاءات والاستجوابات والتحقيقات التي أجراها في المنطقة المحيطة بالمنزل الذي ينوي شراءه عرضها على أخيه ثم زوجته وناقشوها جيداً ، أول سؤال يطرح عادة لماذا يريد المالك أن يبيع بيته؟ ، كان الجواب لأنه ليس بحاجة له ، فجميع العائلة تسكن خارج العراق ، بعيداً ، هناك في السويد ، ثم السؤال الأخر لماذا لم يسكن حفيد مالك البيت فيه؟ وهو الشخص المكلف بالبيع ، كان الجواب لأن الحفيد هو أيضاً يريد السفر واللحاق بالعائلة ، بدا كل شيء مقنعاً ، حصلت موافقة الجميع ، خصوصاً وأن البيت كبيراً وفيه غرف كثيرة وحديقة واسعة وذو موقع ممتاز .
تمت اجراءات البيع بسرعة ، وحزم أغراضه وأنتقل الى البيت الجديد وسط ترحيب والدته وأخوته فقد خف الحمل والضغط على بيتهم الصغير الذي لم يعد يتسع للجميع ، الجميع كان يساعد في نقل وترتيب الأثاث وكافة الحاجات الأخرى ، أمه ، أخوته ، أخواته ، زوجته وحتى أولاده الصغار ، وسط فرحة عارمة تغمرهم ، فقد حصلوا على بيت جديد ويمكنهم الأن لعب كرة القدم في الحديقة وركوب الدراجات الهوائية .
حل الليل ، وطلب الجميع المغادرة على أن يكملوا باقي الترتيبات في اليوم التالي ، ذهب الأولاد الى غرفتهم الجديدة الواسعة ، أما الأب والأم لم يذهبوا الى غرفتهم حتى أكملوا ترتيب المطبخ ، ثم هجعوا الى النوم بعد تعب وإنهاك .
مرت عدة سويعات بهدوء ، ساعات هانئة ، حتى منتصف الليل ، دق باب غرفة الابوين بقوة ، كان الأولاد فزعين من شيء حدث لهم ، فتحت الأم الباب فزعة على الأطفال ، حالما فتحت الباب دخلوا جملة واحدة واقفلوه خلفهم ، الأب لا يزال على السرير مستفهماً (ماذا جرى لكم؟) ، فقال الأبن الأكبر ئلؤول :
– أبي .. هناك شبح ! .
أعترض عليه الأبن الأوسط عكوش :
– كلا ..كلا يا ابي إنه طنطل!.
بينما الأبن الأصغر حنوش البشّوش كان له رأي أخر:
– لا تصدقهما يا ابي .. إنه جني أنا متأكد من ذلك .
إرتعشت فرائص الأم خوفاً ورعباً لما سمعت تقارير أولادها الثلاثة ، بينما الأب حاول تمالك نفسه وأظهر شيئاً من الشجاعة :
– ما هذه الخرافات يا أولاد ؟
– أذهب الى السلم وأسمع جيداً .
هم الأب بالخروج لإستطلاع الأمر ، فتح الباب محاولاً الخروج ، سمع صوت أقدام ثقيلة تنزل من السلم ، قفز قلبه من الرعب عاد واقفل الباب بسرعة ، وسط صرخات الجميع وفزعهم إزداد فزعاً ورعباً ، تشبث به ئلؤول قائلاً:
– أبي .. أنت الأكبر والأقوى ولا ملجأ لنا ولا حامي غيرك
– نعم .. لكن …
– هل خفت أنت أيضاً ؟.
– طبعاً لا .. أنا لا أخاف من الأشباح .. لكني أخاف عليكم.
– اذهب له ولقنه درساً لن ينساه .
– وأنتم اين ستذهبون؟ .
– سنبقى هنا يا أبي .
– لكن .. لا يمكنني أن أترككم لوحدكم .
في هذه الأثناء اقترح حنوش البشّوش:
– فلنذهب له جميعنا .. فنحن خمسة ضد واحد.
استحسن الأب الفكرة وأومأ الى زوجته بالموافقة ، فتح الباب ، خرجوا جميعاً دفعة واحدة ، مشدودين الى بعضهم كأنهم بنيان مرصوص ، وجدوا جميع الأثاث قد بعثر ، وسمعوا صوت أقدام ثقيلة ترتقي السلم الى الطابق العلوي ، فقال حنوش البشّوش:
– ألم أقل لكم .. لقد خاف منا وهرب !.
فجأة ، توقفت الأقدام عن ارتقاء السلم ، كأن الشبح سمع شيئاً ، فعاد الى الطابق الأرضي فقال ئلؤول :
– أبي إنه قادم !.
صرخت الأم في وجه الأب وصرخ بدوره في وجهها ، هرب الجميع الى الغرفة عدا حنوش البشّوش وقف مقابل السلم كأنه ينتظر وصول الشبح ، الذي خاطبه:
– بشّوش !.
– يا سيد شبح …
ضحك الشبح وقاطعه :
– سيد شبح أم مستر شبح!
وأطلق قهقهة تردد صداها بين الجدران ، لكن حنوش البشّوش لم تعجبه النكتة فقال ساخراً :
– كلا .. مسيو شبح!.
بعد أن أغلقوا الباب خلفهم تفقدت الأم اولادها وإكتشفت إختفاء حنوش البشّوش ، طلبت من الأب أن يمضي ويحضره ، بدلاً من ذلك أنصتوا الى حوار حنوش البشّوش مع الشبح فقال الأب :
– يبدو إنه شبح استثنائي .. فهو يحشش!.
– كف عن ذلك وأذهب وأحضره قبل أن يفزعه الشبح .
أدرك الشبح إن حنوش البشّوش يسخر منه ، لكن الولد الصغير استمر بالنقاش الحاد:
– هناك الكثير من البيوت الجميلة والقصور المهجورة .. لماذا بيتنا بالتحديد؟.
دهش الشبح من حدة كلام الصبي وجديته ، قرر أن يفزعه كي يوقف النقاش والجدال ، فكشف عن وجهه القبيح وشعره الطويل فزع الصبي وصرخ كان الأب قد وصل تواً فرأى ما رآه حنوش البشّوش فصرخ أيضاً من كل أعماقه ، الصراخ أزعج الشبح فأختفى ، فأخذ حنوش البشّوش بيد والده المرتجف وعاد به الى الغرفة .
قال عكوش مقترحاً:
– طالما ونحن في الغرفة لن يجرؤ أن يقترب منا .
لكن الأم كانت تره أن يتصل الأب بالشرطة ، فكرة لم تنل استحسان الجميع ، حدق الجميع في وجه الأب كأنهم يأملون أن يجد لهم حلاً ، قرر أن يتصل بالبائع ، وفعلاً أتصل به:
– أيها المخادع لم لم تخبرنا بأن البيت مسكون ؟.
– لو أخبرتك لما اشتريته.
– خدعتني وغششتني وهذا حرام وعيب عليك .
– لا بأس .. يمكنك قراءة القرآن فينصرف الشبح .
– كلا .. أريد أن استرجع مالي.
– للأسف لا يمكن ذلك .. فأنا الأن في طريقي الى السويد .
– يا لك من مخادع .. بل مجرم .. تعلم إن لديّ أطفال وسيفزعون من الشبح .
– لا بأس .. أنت والدهم وأنت رجل كبير سوف تتدبر الأمر .. باي.
أغلق الهاتف ، وإزداد الأب انزعاجاً ، لكن الأم سمعت المحاورة وعمدت الى تسجيلات في ذاكرة الهاتف لشيء من القرآن ، أدارتها ورفعت صوت الجهاز ، كان الأمر ناجعاً ، توقفت الأصوات وعاد الهدوء الى البيت ، فغطوا في نوم عميق.
في اليوم التالي ، قرر الأب أن يبيع البيت ، لكن .. لا يمكنه أن يغش أحداً ، أما إن أظهر العيب فلا أحد يجرأ أن يشتري بيتاً مسكوناً ، لذا عمد الى فكرة أخرى ، قصد أحد العرافين ، الذي طلب مبلغاً كبيراً إن تمكن من إخراج الشبح وطرده ، وافق الأب منكسراً ، لكن .. بعد مرور عدة ايام فشل العراف من تحقيق اي نتيجة ، فلجأ الأب الى عراف أخر ، بنفس الشروط ، لكن الفشل كان حليفه هو الأخر ، وهكذا حتى سبعة عرافين ، جميعهم فشلوا وعجزوا تماماً من طرد الشبح .
ذات يوم ، بينما كان جالساً في المقهى شارد الذهن ، راودته فكرة :
– لو هدمت البيت وسويته بالأرض فأين سيذهب هذا الشبح .. بالتأكيد سوف ينطلق بالبحث عن مسكن جديد .
لا يوجد أفكاراً أخرى ، ولا حل في الأفق سوى ذلك ، جلب عمال الهدم واستأجر جرافة وشاحنة لنقل الأنقاض ، حتى تمت تسوية البيت بالأرض ، حرص على أن لا يبقى شيء ، ولا حتى حجر واحد ، لم يستثني حتى الأشجار والمغروسات الأخرى ، وقال:
– غداً سوف أقوم بتقليب التربة وأتركها معرضة للشمس عدة اشهر.
**************
وصل الحفيد بائع البيت الى السويد ، وسط فرحة العائلة بوصوله ، سالته جدته :
– ماذا فعلت ؟
– لقد بعت البيت .. يا جدتي.
فزعت الجدة وأصفر وجهها ثم أحمّر غضباً وصرخت في وجهه :
– ماذا فعلت يا أحمق ؟.
– لقد بعت البيت .. وتخلصت منه الى الأبد .
صرخت في وجهه مرة أخرى:
– أنت أحمق مثل ابوك .
أغمي عليها ، نقلوها الى المشفى ، كان الجميع مندهشاً ، متسائلا عما جرى لها ، انتظروها حتى تفيق لتخبرهم ، كان الجميع يخشى أن تفارق الحياة قبل أن تخبرهم بالسر الذي ازعجها لهذه الدرجة ، لابد وأن يكون شيئاً أخر فالجميع يعلم بقصة الشبح ، وهذا لن يزعجها أبداً ، لكن ما أزعجها هو بيع البيت .
بعد ساعات طويلة افاقت ، وحدقت في حفيدها ، وقالت بغضب وحزم :
– الأن يجب أن تعود الى العراق و تستعيد البيت .. افهمت يا غبي!.
– لماذا يا جدتي؟.
– أخرص وافعل ما قلت لك .. وإن اضطررت أن تدفع مالاً أضافياً فلا تتوانى ولا تتأخر .
بناتها وأبنائها وسائر الأحفاد جميعهم يريد أن يعرف السر في الموضوع ، بعد إلحاح شديد قررت أن تخبرهم الحقيقة :
– عندما قررنا الهروب من العراق .. لم يكن بوسعنا أن نحمل جميع ثروتنا معنا .. فأخفيت أنا وزوجي ثروة كبيرة في البيت ووضعنا طلسماً واستعنا بالروحاني ابو شعيوط الذي وضع عفريتاً من الجن حارساً لها .. على أمل أن نعود يوماً ونستردها.. لكن ظروف البلد لم تكن مؤاتيه كما وإن سر ومفتاح الطلسم بقي مع زوجي (جدكم) الذي توفي كما تعلمون من عدة سنوات ولا أعرف أين وضعه.
– افتح يا سمسم مثلاً !.
– اخرص ولا تسخر مني .. أخبرتكم بالحقيقة.
– اذاً .. فلنفتش أوراق ودفاتر جدنا لعله دوّن مفتاح الطلسم في مكان ما.
دخلوا مكتب الجد ، فتشوا في جميع الأوراق بدقة متناهية ، كلمة كلمة ، حرف حرف ، لم يعثروا على شيء ذو بال ، سوى جملة غريبة كررت عشرات المرات في دفاتره ، (أحبك يا وطني!) ، كشيء من الحنين الى الوطن ، لم يذكر شيئاً عن الطلسم والعفريت الحارس وكلمة السر او المفتاح حتى في مذكراته ولا حتى في مفكرته ودفتر ملاحظاته ، شعروا بالإحباط وأخذ منهم التعب مأخذه ، فقرروا أن يأخذوا قسطاً من الراحة ويناقشوا الموضوع بهدوء وتروٍ ، ثم أجمعوا أن يعود الحفيد بائع البيت الى العراق ويسترجع البيت بأي ثمن .
*****************
هناك ، بعيداً ، في العراق ، كان الأب قد حول الى ملعب كرة قدم لأولاده و أطفال المنطقة ، يردد فكرة كان قد سمعها قديماً من جارتهم العجوز امحتونه :
– الطنطل لا يسكن مكاناً داسته اقدام البشر !.
كان الأطفال يلعبون بمرحٍ وسرور ، وهو يتأملهم واحداً واحداً ويردد :
– أنتم تقومون بخدمة مجانية لي ! .
قاطع تأملاته ابنه حنوش البشوش طالباً منه أن يصنع لهم مرمى في كلا الجانبين ، لم يعترض بدوره وبدء بالحفر في اربعة أماكن لينصب عموداً (قائم) في كل حفرة ، وسط فرحة الأطفال من حوله وفرحه لفرحهم وبينما كان مشغولاً بحفر الحفرة الثالثة ، حدق في السماء وأخذ شهيقاً عميقاً وقال (أحبك يا وطني!) ، أكملها وأنصرف ليحفر الحفرة الرابعة والأخيرة لكنه تعثر وسقط على الأرض ، بسبب حرارة الشمس وكثرة تعرقه أصيب بوعكة صحية ، حاول الأطفال مساعدته على النهوض ، فقال ئلؤول يشد عزمه :
– فألٌ حسن ! .
أصر أن يستمر بالحفر وبعدها يذهب ليستريح في بيتهم القديم ، حفر وحفر ، لاحظ الجميع خروج دخانٌ أبيض ، تراجع الأب الى الوراء حتى سقط على ظهره ، أما الأطفال فابتعدوا حتى تلاشى الدخان في الهواء ، دهش الجميع لذلك ، لكن عكوش تقدم نحو الحفرة وصرخ :
– أبي .. هناك شيء في الحفرة .. يجب ان تخرجه !.
عاد ليلقى نظرة ، غمره الفضول وحب الاستطلاع ، حفر بهمة ونشاط أكبر ، على امتداد اللوح الخشبي ، حتى ظهر صندوقاً متوسط الحجم ، كسر القفل ، رفع الباب ، برق شعاع أصفر تحت اشعة الشمس ، كاد الجميع أن يفقدوا أبصارهم .
***************
وصل الحفيد بائع البيت متأخراً جداً ، وجد عمال بناء ، سأل عن المالك ، أخبره المقاول إن المالك قد سافر الى استراليا ، أسرع الى جواله وأتصل:
– أنا أخطأت معك وأريد أن أصلح غلطتي .
– لا وقت لذلك .. أنا الأن في طريقي الى استراليا.
– لكني أريد أن أعيد مالك وتعيد لي البيت .
– أنت خدعتني في أول مرة .. هل تريد أن تخدعني مرة أخرى؟.
– كلا .. عائلتي يريدون البيت .. ففيه ذكرياتهم وتراثهم .
– أنت شاب ذكي .. تدبر الأمر مع عائلتك واخدعهم كما خدعتني .
قطع الاتصال وحلقت الطائرة .

 

حيدر الحدراوي

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد