شيطان كسول

ابتهال خياط
شيطان كسول
في مدينة أعرفها جيدا وقد فقدت أسمها حين تنازع فيها سكانها من بني الانسان وبني الشيطان، فالانسان اراد تسميتها “طين”والشيطان اراد تسميتها “نار”. مااستطاع الحكماء ان يوفقوا بينهم فتركوها بلا عنوان.
هكذا سأبدأ الحكاية.
المدينة لها دستور خاص ففي كل دار مكان للاثنين . كانت الارض للأنسان وكان السقف للشيطان، ولاتعدي بينهما فاعتاد الشياطين والتزموا الصمت وتركوا الامور في النهار للانسان، والليل لهم يتحركون فهم مجرد مارج من نار وحتى بلا دخان. مسالمون طيبون وعن الاديان بعيدون فهم علمانيون بعد ماجرى بينهم من حروب حطمت قلاعهم وكل الحصون فصاروا حفاة يعيشون بين الناس بلا ملوك ولا دول فهم قد فقدوا اصولهم فلا انتماء لهم لأمم فكانوا بحق مشتتون .
دخل المدينة مجموعة رجال يحملون قراطيس، رآهم احد الشياطين فاخذ يعدهم وكانوا مئة متشابهون، استغرب من جلوسهم بدوائر عند مدخل المدينة، وصوت تراتيلهم القوية، كان الوقت ليل والناس نيام، ركض مسرعا الى اهله ودعاهم للحضور فكانوا كلهم هناك مستمعون .
قال شيطان عجوز: ان هذا عارض خير ياجماعة.
اجابه اخر: ما تقصد يا كبير؟
الكبير: اظنكم لم تفهموا مايقولون .
انتهى الرجال من التراتيل ووقفوا صفا صفا وبدأوا برمي العمائم هنا وهناك،ضحك الشيطان العجوز كثيرا وقهقه ورفع عمامة من على الارض ولبسها وهكذا فعل الاخرون، ابتسم الرجال المئة وقالوا: انكم الان بأمرنا تعملون، انتم خدمنا وكلكم مأمورون. ستجعلون الامور تختلط ويضيع كلام الصدق ويحل الكذب والهرج والمرج مكان العقل والصدق والناس يعينوكم فهم بلا قلوب، وسيقتلون بسرعة كل ذي عقل ولب وحين ينتهي الله فيهم وينسوه سندخل معكم وننصفكم ونقولها بكل صدق نسمي المدينة باسم النار ونضيف لها كلمة الدم، هكذا سيرسو العدل، لابد للحكم ان يعتدل، ولا عدل الا بالقتل. وبه نحل كل مشكل..فكيف تكون المدينة بلا اسم؟ انه اول الغيث..اتفقنا ايها الشياطين الأهل؟
فرح الشياطين وقالوا بصوت جلل: نعم وأجل وبلى نحن معكم سنجعل كل صعب سهل.
وهكذا يا سادة نزلت الشياطين من السقوف وافترشت الارض وشاركت الانس الاكل والشرب والفراش والاهل ونسي الجميع العقل حتى نسى الشياطين انهم مارج من نار وصاروا يتنعمون بالخمر والنساء والأكل!!
ضاع النهار والليل، فصار الطفل يزجر اباه وأمه تحثه على القتل، والبنت تجاهر بالزنا وتأتي اهلها بالنغل.
هنا اكتملت الخطة وتحققت بالفعل ودخل الرجال المئة بكبرياء واعتلوا الرقاب وحكموا الكل واعطوا الشياطين الوزارات ومكنوهم من الامر .
اتسعت دوائر الموت والهرج والمرج في كل مكان ورائحة الجيفة تصاعدت وأعمت وأصمت وأبكت الناس ككل.
كان على الطرف الاخر من المدينة تلة عليها دار واحدة لم يسمع فيها اهلها مماحصل في اولها، كان شيطانها كسولا ومازال معلقا في السقف وناسها يفترشون الارض، خرج منها شاب ينتظر بزوغ الفجر، التفت صوب المدينة فرأى مشاعل نار تتحرك بكثرة ورائحة كريهة قد وصلت للانف، استغرب ،دخل الى اهله يتحدث فأسترق اليه الشيطان السمع، فقال: هل اخبركم شيئا يااهل الدار؟
رفع اهل الدار نظرهم اليه فهي اول مرة ينطق فيها شيطان ويرونه بالفعل.
قال: يكفي ان اقول ان المدينة اسمها “نار ودم” تمت السيطرة عليها من الرجال المئة انهم طاعون العصر واستخدموا أهلي الشياطين لتحقيق النصر.
وانا لايهمني الامر لانه في النهاية خسران وذل فسأعقد معكم صفقة تتركوني هنا حيث اعيش وانا سأتدبر الأمر وأُعيد المدينة الى سابق العهد، وحتى اجعلكم تزيدون حكمكم على اهلي وتخرجونهم وترمونهم في البحر .
صاح الشاب: موافقون.هيا نفذ الامر ولك مني اكثر من السقف سأبني لك غرفة خاصة وازينها لك بكل ماتتمنى وتأمل.
تململ الشيطان وانطلق نحو تنفيذ ماقرر .
كان يتنقل بين الوجوه وكأنه يبحث عن شخص محدد، وجده فوكزه بأظفره فالتفت الآخر وعندما رآه استبشر قائلا :هيه أين كنت تعال عش معنا في جنة الخلد لقد صرنا حكاما ووزراء نملك كل شيء ربما تقريبا نحن بشر.
قال: ياغبي كيف تكون بشرا وانت شيطان؟ لقد خلقك ربك من مارج من نار اما الانسان فمن طين .
قال: لكننا الان نحكم و نقرر.
اجابه: سينزل المطر عن قريب ،وصلني الخبر الان بنزول مطر خاص بكم يُطفئ جذوتكم ولن يبقى لكم أثر في هذه المدينة،ستفقدون وجودكم كله ويزول عن الناس مافعلتم بهم ويقتلون المئة.
قال : أحقا ماتقول؟
اجابه: عليكم قلب كل شيء والعودة الى السقوف والرضى بالمعروف.هيا اخبر العجوز الخرف شيطانكم المجنون وعودوا كما كنتم واحرقوا المئة بناركم حتى يرضى عنكم الناس وتعود
الحياة الى ماكان .
وصل الخبر بسرعة،وانتفضت النار في الشياطين وخلعوا العمائم وأحرقوا المئة وجففوا المستنقعات ودفنوا الجثث..نظفوا المكان وتلفتوا يبحثون عن بني الانسان.
كان الكل واجم، مماحل بالاعناق والاعراض وفساد الارزاق،سار الجميع بحزن نحو النهر واغترفوا جميعا بالاواني من ماء النهر وصاروا يرمون الشياطين به حتى مات منهم الكثير وهرب الاكثر،وجلس الكل يبكون مما صار وأكثر.
عاد الشيطان حيث الدار البعيد وعاش في غرفة جديدة وكأنه في عيد.
ياللشياطين تعيش بلا انتماء واينما يكون لها الراحة يكون لها وطن وأهل.
وعادت المدينة الى ماكانت ولكن لا شياطين في السقوف، فعهد العقول ان لاتُلذغ مرتين فمهما كانت الافاعي مقتدرة فلها دائما صياد قوي وعقله رصين، وفي هذه المدينةكان الشيطان هو المفتاح لحل مشاكل العامة ويجلس بعدها الكل مرتاح و ربما تمحو الأيام كل حزن عليها حلّْ.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد