ابتسم

عبد الرحمان صديقي
ابتسم
……………… ………… ………
كعادته، يوزع ابتسامته الحلوة، البريئة من كل تصنع. اهي عادته، ام طبيعته. لا يهم، الابتسامة اهم.
حتى لو صادفك ليلا في شارع مظلم، سيبتسم لك! نعم لا تستغرب، سيبتسم لك ولو جئت تسلبه الفرح!
ستخجل من ابتسامته.وتعتذر منه و ربما تتوسل العفو،لكنه سيبتسم لك و يعتذر هو منك،ولن يفارقك الخجل من نفسك،كلما تذكرت ابتسامته،او لاقيته وابتسم لك،حتى في منامك سيبتسم لك.
-كيف حالك؟تساءل جاره صاحب البقالة.
-بخير و الحمد لله. وابتسم!
لم يسمع منه يوما غيرها.او تذمر،او اشتكى من ضنك العيش،كما لم يطلب حاجته منه او من غيره او من اي كان!وربما بات ليله جائعا!
يعيش مع زوجته،بدون اولاد،لا احد يعرف ان كان العقم منه او منها.
خيٌرها ببن العيش معه،او تسريحها باحسان و معروف وابتسامة،لكنها رفضت.فابتسم لها!
يعمل حمالا، عمل يكسب منه القليل وكلما اتم عمله ودفعت له اجرته يمسكها ويبتسم.
لم يعترض يوما على مبلغها كثر او قل!
كل صباح يتوجه الى سوق المدينة،يفرغ بضائع التجار،او يشحنها.لا يلقي بالا لزملائه وهم يتلكؤون.البعض منهم يستغل صدقه و تفانيه في العمل فيتماطلون تاركين العبء الاكبر عليه،ويتعمدون التثاقل لربح دقاىق راحة،اما هو فلا يرتاح قبل ان يتم عمله،لكنه يجد راحته،و يبتسم لهم،ولا يشعرهم بانه مستاء من غشهم.
اذا رآه الصغار ركضوا نحوه،فيخرج من جيوبه الحلوى ويوزعها عليهم ويبتسم لهم.سنة لم يغيرها يوما،فللصغار حقهم المعلوم من اجرته يشتري لهم به الحلويات.ولا ينقص من حقهم ولا دينار حتى لو نقصت اجرته،حقهم ثابت لا ينقص منه فلس.
-اسرع الى بيتك،اسرع زوجتك تطلبك،يبدو انها مريضة
-لكني تركتها صباحا في صحة وعافية!
وانطلق ركضا.لا يلتفت لاحد،لا يبصر غير الطريق ولا شىء غيرها،اظلمت الدنيا في عينه.ماذا لو اصابها مكروه،ماذا سيفعل بدونها،كيف سيعيش،لم يخطر بباله يوما ان تغيب عنه،كانت مثله بلا اهل،كانت كل اهله،وكان هو اهلها.
الدقائق دهرا،والطريق سفرا! لاول مرة يحس ان المدينة كبيرة و مزدحمة شوارعها، و الاصوات والضجيج،والمطبات،والحفر،وهو وحيد،بلا سند،بلا اهل،بلا ولد!
دفع الباب بكل قوته،دخل الغرفة حيث كانت مستلقية و بصرها شاخص في السقف.لم تكلمه لكنها حاولت ان تبتسم له وسبقتها دمعة سالت على خدها،فكانت سهما اخترقه،ضمها قبلها،عانقها بحرارة وقوة
-مابك؟وغلبته دموعه.
خرج،يلتفت في كل تجاه،توجه لجاره صاحب البقالة،ترجاه ان يطلب الاسعاف،لم يكن عنده رصيد،توجه لغيره،طلب له الاسعاف،تاخروا في القدوم،ولما وصلوا كانت قد فارقت الحياة!
لاحظ برودهم ولا مبالاتهم ،كانوا يقلبونها كانها شاة،،لاول مرة يخرج عن طوعه،انفجر،صاح فيهم،شتمهم،تعارك،مزق قميصه،بكى بحرقة كالاطفال،صارت دنياه خواء.احس اليتم،… صار يتيما.
يوم دفنها،دفن روحه معها، من يومها لم يبتسم يوما، بعدها،كره الناس و فقره،وعوزه،وهوانه،لم يمشي في جنازتها غيره والامام وبعض الصبية،عند رجوعه من المقبرة،لم يقدم له العزاء سوى خمسة او ستة افراد!
لم يفهم تجاهلهم جرحه،حزنه،لماذا استصغروا مصيبته،بخلوا عليه حتى بالمواساة!
انه لم يفقد نعله،او كمشة دنانير،او خرافا،اوبقرة، اوكلبا،….لقد فقد كل شىء.
لم يعرف كيف توقف عند بائع الدخان،امتدت يده للسيجارة،اشعلها،اخذ نفسا عميقا،حتى اصابته نوبة سعال حادة،لقد مر زمن طويل لم يدخن،كانت رحمها الله قد اعانته في الاقلاع عن التدخين.
اليوم دخن كثيرا،وشرب حتى سكر
عندما رجع الى بيته-حتى وهو ثمل- وجده مظلما،كئيبا، كما وجدها في كل ركن،وزاوية،…لم يفارقه طيفها ولا لحظة.ندم لانه لم يكن يقول لها انه يحبها.وانها كل دنياه،واغلى عليه من نفسه.
لكنه يواسي نفسه ويقول بانها كانت تعرف حقيقة حبه لها.
عندما استيقظ صباح اليوم الموالي،وجد انها كانت قد حضرت له شخشوخة، طبقه المفضل،لم يتمالك نفسه،وراح يضرب رأسه بكفيه،تذكر لما كانت تقول له انها تخشى ان تموت وتتركه وحيدا،وتحاول ان تخفي دموعها عليه.كانها كانت تحس بقرب اجلها.
خرج الى فناء المنزل،قابلته العنزة،عنزتها اشترتها له،لاجل حليبها،فهو يحب القهوة بحليب الماعز،كانت وهي تحلبها تغني لها وله.تهيأ له انه سمعها تغني،اخذ سيجارة،قبل ان يشعلها،تذكر لما طلبت منه تركها ما دامت على قيد الحياة.
خرج من البيت،اليوم صار شخص اخر،غير الذي كان،لم يبتسم،لم يسلم على احد.توجه الى المقهى،طلب قهوة،شربها على عجل مع سيجارة،لم يدفع ثمنها،تعمد ان لا يدفع،توقع ان يطالبه صاحب المقهى ثمنها ليكون ذلك سبب يقيم لاجله معركة يشفي غليله من اي احد يحاول ان يتدخل،لكن صاحب المقهى لم يطالبه بشىء،ولزم الصمت!
لم تغب شمس ذلك اليوم قبل ان يفرغ غضبه في كل من اعترض طريقه،او سأله شيئا،او حاول ان يكلمه.
كل المدينة غدت في نظره عدوة،واهلها اعداء،من يومها صار عابس الوجه،قاطع طريق يسلب كل من يصادفه ليلا ، سكير، اصبح لص،مجرم لم يسلم من بطشه الا الاطفال!
عبد الرحمان صديقي.الجزائر

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد