المتسول…!

حيدر حيدر
المتسول…!
قصة قصيرة من الواقع الاجتماعي..
وقف أبو ياسر أمام بسطة الفواكه..ينظر إلى البضاعة المعروضة ،وتلمست يده جيبه اﻷيمن …فخشخشت بضع ليرات معدنية ومعها قطع صغيرة من الفراطة.
لاتكفي لشراء شيء من التفاح ..أو الموز..ابنه الصغير (هادي) وقبل أن يغادر البيت أوصاه قائﻻ:
–بابا ﻻتجي ألا وماجبلي معك موزة.
وفكر قليلا موزة واحدة،
هل تكفي..؟! وهل من المعقول أن يأكل هادي ،
وسمية ،وإيمان ،ونورة ،
ومرتضى، وخالد، وابنه الكبير ياسر،
من المعقول أن يأكل هادي والكل ينظرون إليه،
هذا ليس عدﻻ،مع إنه يميل إلى ولده الصغير المدلل أكثر، لكن قلبه يفيض حبا للجميع ، فملهم أولاده.
وتلمس ابو ياسر مافي جيبه من نقود، إنها ﻻتكفي لشراء مايطعم الجميع.
فكر الأب في أن يأتي بابنه الصغير إلى السوق.
في غيياب إخوته،
ويشتري له موزة واحدة.
لكنه أحجم، ﻷنه اعتبر ذلك نوعا من التمييز الذي فيه غبن وظلم ﻷخوته، وهو يكره الظلم بكافة ألوانه،
حتى ظلم اﻷب ﻷوﻻده وتمييز أحدهم على اﻵخرين، فكر أبو ياسر ماذا يفعل..؟ لقد وعد ابنه ولن يعود دون حمل الموز إليه، وتناثرت اﻷفكار الشيطانية التي كانت تراوده أيام الطفولة، عندما كان يفكر أن يسرق بيض الدجاج من زريبة حيوانات الجيران في القرية؟ ليشتري بثمنها قطعة حلو ،يراها على عربة بائع الحلو المتجول آنذاك.
يومها، تربيته وأخﻻقه لم تسمح له بارتكاب مثل هذا العمل الدنيء ، فهل يتجرأ أن يفعله اليوم وبعد أن كبر وأصبح رب أسرة
ولطالما سمع والديه يوصيانه إياك والحرام ،
وهو اليوم يوصي أوﻻده بذلك،لكن هو بحاجة إلى المال،وراتبه كعامل بسيط في مؤسسة حكومية ﻻيكفيه ﻹطعام وإكساء أفراد أسرته السبعة..!
ماذا تفعل يا ابراهيم ؟؟ المهم اﻵن أن يعود بالموز..!ودارت الوساوس في رأسه ،ماذا يفعل؟
هل يتسول من المارة كي بجمع مبلغا من المال يتيح له شراء مايريد من فاكهة؟
(فكر..وتدبر وكأن الفكرة قد راقت له،وفي هذه اللحظة، أسقط من ذهنه كل القيم،.ونسي كل ماتعلمه من والديه، وبﻻ تردد مدّ يديه إلى جيبه وأخرج قطعة قماش بيضاء هي بقايا منديل مطرز كانت زوجته أهدته له أيام خطوبته لها،ومن يومها وهو يحتفظ به،بسطه على رصيف الشارع،وجلس متربعا خلفه، مغيرا من شكله بعض الشيء، فرفع يديه باسطا كفيه، داعيا للمارة بطول العمر والصحة، مناديا بصوت متهدج : من مال الله، تصدقوا لمحتاج يريد أن بجري جراحة لمعدته، واضعا إحدى يديه على بطنه ،وهو يمثل كأنه يتألم منها،مذعورا من أن يراه أحد من المارة قد يعرفه أو يتعرف عليه أحدهم ، بقي على هذا الحال مدة تجاوزت الساعة.
كان المارة خﻻلها يمرون به ويضعون قطعا نقدية،
وبعضهم يضع قطعا ورقية. نظر أبو ياسر إلى المنديل أمامه، فوجد عليه مبلغا من النقود يكفي حاجته وبدون أن يعد ماتسوله،
لف المنديل، وجمعه وبداخله النقود التي تسولها، وتوجه إلى بائع الفاكهة ليشتري كمية من الموز والتفاح، نقد البائع ثمنها وغادر المكان مسرعا،وعند باب منزله استقبله ابنه هادي صارخا:
بابا جبتلي موزة،.حضن أبو ياسر ابنه ، وضمه إلى صدره بقوة ، والدموع تنهمر من عينيه، وقلبه يكاد ينفطر من اﻷسى والحزن .
مادا يده إلى كيس الفواكه ومقدما ﻻبنه موزة، ابتسم لها ابنه عندما رآها ،وقال ﻻبنه:نعم ياباباجبتلك موزة، تكرم عيناك يابني..! ومن أجل رسم البسمة فوق ثغرك، يهون كلّ شيء…!
أ.حيدر حيدر

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد