غيمة داخل الكوب

latifa_aldlimy

ابتهال بليبل

أتأمله بعين نصف ساهمة.. غيمة داخل الكوب.. مذاقه سواغ لحبوب
مسكنّة تسهر ذائبة بفمي.. تتدافعُ وتخزُّ رأسي بنوبة أرق ودوار
كي لا تخرج الأسماء العالقة بنتوءات الهمهمات بعد فقدان أصحابها.
أفكّرُ في المعنى من الغياب.. في المعنى من الاياب
في الأمتار الأخيرة حين تذهب لنفق النسيان الدبق
أفكر في العلاقة بين الحبوب المسكنّة ومذاقه
في فطور صباحي.

الحليب: حيلة بشرية لتمرير طفولتك الغائمة بعيداً عن وجوه
لن تبصرها العيون التي تسخر الآن من أحلام أفلت
سقطت في مكان مازال يسكنك
وانبجست تفور.. تخمش زغب لسانك بعلقمها
الكثيف لتغير مذاقه..
هو يشبه أيامك التي تبصق ذاكرتك
المليئة – بإنتظارات- تترجف
وحيدة في قلب ليل بهيم.

الحليب: ظلك الهارب من كذبة
بيضاء متداولة عن الموت بهشاشة وجودك
حياتك المتكررة، وخوفك الممّل من صانعي الأدراج السوداء.

لقد صارت الأشياء غريبة.. غريبة جدا بعد شهر من حظر التجوّل:
صوتي يفيض بشكل غامض كل صباح مع تحريك
الملعقة، في كوب الحليب الخالي تماما
من السكّر، ثم يغيب.. يجفُّ
وكأنّه ابتسامة حزينة قبل وداع ما.

وكلما ذاب مسحوقه الناعم في الماء
هذا الحليب:
تخترقني المسافات التي أتذكرها أكثر من المعتاد
وحيث لا طريق يفضي إلى غيبوبة
تمسك بعنق حياتك.

كما لو أنّ:
أصابعي القديمة بردت من خطأ مجهول
ولا أحد يُمسك ثلجها!

كما لو أنّني:
فقدت قدرتي على رؤية الأشياء الدافئة.. على تحسّس سخونتها
أشياء: تزدهر الآن بمناديل تُقبّل وجوهاً مكسورة بعد تفشي الوباء.
أشياء: توقفت عن إصدار المعنى ولا يمكنك رؤيتها إلاّ زاحفة.
كطفلة تركض بساقين مبتورتين أميالاً كثيرة
كي تختبر أكثر الأشياء ثقلاً
في روحها.

لكن هذا لا يهم.. لا يهم أبدا
فربّما كنتُ ميتة -كعادة قديمة- تدور أحداثها في رأسي فقط.
هكذا.. أتناول الشاي بمرارته متفرجة على ما بعد الموت
فقط.. لأصحّح الأخطاء التي أتأكد دوماً من ارتكابها مثل تحريك
الملعقة في كوب حليب أتأمله بعين نصف ساهمة.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *