أحلامٌ مجتزأة

ميثم عبد الجبار

ميثم العتابي

 

_ مازلتَ صاحياً؟
_ أعملُ على تنظيفِ سلاحينا وملء مخازن العتاد بالذخيرة، إنها مناوبتي الليلية. عد لنومِك، ينتظرنا يوم شاق وطويل.
_ لا أدري…. لكن راودني حلم….! مازالت تمطر؟
_ توقفَ قبل قليل.. حاول أن تتجنب الأحلام ولا تنسَ تغطَّ جيداً.
_ هل لي اسألك…. كيف يبدو نهد المرأة؟
*****************************
في أحلكِ الظروف التي يواجهها الإنسان، وأشدّها ضراوة، سيبقى مُتعلقاً بميزتين رئيستين، حسّ الفكاهة والنُكتة؛ حتى لو أننا لانعترف بوجود هذا الحسّ إلا أنه كامن في التفاصيل، أما الميزة الثانية والتي أعدّها الأشد تعلقاً بنا هي الجنس. هذا الحالُ ينطبقُ تماماً على زميلي في الموضع المُتهالك الذي يتعرضُ للقصف المدفعي والمطر والريح والبرد طوال سبعة أيام مضت،. هذا الجندي اختار أن يسألني عن شكل النهد في تلك الليلة. كان خائفاً من الموتِ قبل أن يقبض بيديه على نهد، أيّ نهد كان، أن يقربه إلى وجهه ويشمه.
في جولاتنا الاستطلاعية والترميمية التي تبدأ صباحاً بعد كل هجوم، نسعف بها أسلاك أجهزة الإتصال المتعرضة للتلف بسبب القصف أو بسبب حيوان بريّ يعبر الأنحاء. في تلك الجولات كان يقرب عناقيد العنب المتدلية من عرائشها إلى أنفه وهو يضحك، أو يقبض على تفاحة بكفه ويبتسم للجنود كأنه عثر على ضالته. مخرجاً لسانه بإشارة جنسية تثير الضحك.
تلك الليلة أشتدّ المطر لم نميز بين صوت الرعد وزخات القنابل، بعد أن راوده ذاك الحلم لم يعد لنومه وبقيَ صاحياً، حاولتُ التملص من سؤاله وأنا أعمل على تنظيف السلاح، لكنه ودون أن ينتظر الإذن مني أخذ يقصّ حلمه مرّة بحزن، وأحيانا بنشوة.
_ كانت امرأة ممتلئة…. (يضحكُ) أنت تعرف الفارق بين الممتلئة والبدينة صحيح.. على أيةِ حال كنت أعرفها، أو بدا لي أني أعرفها، قريبة أو ماشابه، وقع منها شيء على الأرض يشبه صندوقاً صغيراً، ساعدتها على رفعه ووضعه في مكان ما، لا أذكر ما هو الصندوق أو ما كان به أو المكان الذي أخذته إليه، قد يكون هذا ليس مهماً، هل توافقني أن الأحلام تقتصر على شيءٍ محدد حتى وإن تلاشى ذاك الشيء وبدأ بالضمور سيعود لينمو مرّة ثانية، أعتقد هذا، لست متأكداً تماماً. ماذا تقول أنت؟ (أخذ نفساً من نصف سيجارة كان قد أطفأها قبل أن ينام، لم ينتظر إِجابتي كأنه لايريد أن ينسى ذاك الحلم ليواصل سرد تفاصيله)… أين وصلنا؟؟ نعم لحمل الصندوق معها.. ما إن اِنحنينا معاً حتى لامستُ صدرها، كان لون ثوبها بنيّا، ومنطقة الصدر شبه خشنة ربما صُنعت من قماش ما أو دانتيل أو نمنمات تتقنها النساء في صناعة أثوابهن، للوهلة الأولى لم أشعر به، لكن…. ضغطت هي بقوة على يدي، كفي، وأنا أحملُ الصندوق، صدرها صار يضغط أكثر على قبضتي، شعرت بطراوته.
(توقفتُ عن تنظيفِ السلاح، الجو كان ساكناً في الخارج، لاشيء غير صفير رياح بعيدة، أتابعُ عينيه كيف تاه بعيداً وترقرق فيهما دمع عميق، استدار نحوي وأكمل) شعرتُ بدفئه، لامسته كأني أعرفه، ابتسمتْ تلك السيدة لي، وذهبنا لنتمشى معاً، (يضحكُ) نسينا أين تركنا الصندوق.. هل تعرف يا صديقي، حين تحضر أشياء معينة، أشياء بذاتها وعينها، ربما تفقدكَ صوابك، ستجعلك تنسى العالم وليس صندوقاً تافهاً في حلم.
أين ذهبتما (سألته)؟ أكملنا المشي، كانت تلتصق جواري، تلامس كتفي، تتشبث بأصابعي، وتُمسد كلّ أصبع كأنه قطّها الأليف، صار لديها عشرة هررة أليفة ومطيعة.. قبلتني أذكر هذا جيداً، عضت شفتي بعينيها ألف مرّة، ثم وصلنا ذاك المتجر الكبير الذي بدا لي أني أعرف صاحبه، دخلناه وأخذنا مكاناً بعيداً عن عيون الزبائن، تحدثنا بأشياءٍ لا أذكرها طبعاً (يطلق ضحكة يخالطها الحزن) تصوّر معي أن كل تلك الأشياء التي نعدّها تافهة في حياتنا ستبدو يوماً أعظم إنجازاتنا. (يكمل) لمحتُ، في نهاية ذاك المتجر، ممراً يفضي إلى حمامٍ صغير ربما يستخدمه عمّال المتجر، ليس من النوع الأنيق أو النظيف، لكنه لايشبه حمامنا هنا (يطلق ضحكة كبيرة) تصوّر أن متجراً في مدينة ما من حلم ما، لديهم حمام مثل حمامنا.. أذن دخلنا معا… لا لا… بل سبقتني هي إلى الداخل، نعم نعم هي من قالت تعال خلفي إلى الداخل، تلفّتُ خوفاً من أن يراقبني أحد.. (يأخذ آخر نفس من السيجارة ويتحدث بجدية) حتى في الأحلام عليكَ الحذر، الحذر من كل شيء، من الأبواب، الأماكن المغلقة الصغيرة، المارة، السيارات، ومن عمال متجر كبير في حلم. الحذر الذي قد ينجيك مرّة، لكنه سيقتل بكَ كل ما تُحب ألف مرّة، الحذر هو المقصّ الرسمي لأجنحتك، والمدجّن الشرعي لجسارتك وبسالتك.. (يكمل) سمعتُ صوتها من الداخل، لم يكن صوتاً، بل كان همساً، أووووه….. لمْ يكن همساً لالا…. بل كان حلماً.. نعم هذا هو.. الحلم في داخل ذاك الحلم.. دخلتُ خلفها، ابتسمت تلكَ الإبتسامة التي جعلت من قلبي شمعة ذائبة، وفتيل رأسي مشتعلا.. ابتسمتْ معها حتى الأزهار الصغيرة التي تملأ ثوبها البني الصيفي القصير. تصوّر فتحت آنها كل نوافذ ذلك المتجر وكأنه يبتسم… اقتربتُ منها قليلاً وأنا ألهث، كنت أحاول أن أقول لها دعينا نؤجل الأمر، الحذر…!! تلك الكلمة الحقيرة.. حسناً لم أتفوّه بشيءٍ بل اقتربتُ من عنقها، قبلْتهُ، سحبتني بقوةٍ سبعة خيول بريةٍ إلى شفتيها، عضّت شفتي، آذتني، لعقتْ دمي، (سألني بإستغراب) هل القُبل تستوجب العضّ؟ هل ثمة دم في القبل؟؟ (يستطرد) ثم إنها أخذت برأسي وقربته من صدرها، من نهديها، من ذلك الشيء الدافئ الطريّ المُكتنز، لم يكن أبيض، ولا أسمر أو قمحي، كان بلون الزبدة، وحلمتاها بارزتان كأصبعين صغيرين تعلقا بشفتيّ، أتعرفُ شيئاً، كنتُ أشمّ عطر نهديها، ولا أدري كيف خُيل إلي بأن لون العطر كان أحمر، للعطر رائحة فكيف صار له لون يا صديقي؟؟.. هذا الأمر استغرقني كثيراً في الحلم، توقفتُ عنده لدرجة أنني وفي المنام صرتُ أرى كلّ شيء بلونٍ أحمر، صدرها الفاتن، ضحكتها التي تلاشت خلف ذاك اللون، جدار الحمام المتواضع، حتى المتجر الكبير بزبائنه صار بلون أحمر.. ثم…. وعلى هذا النحو البائس كما ترى صحوت على صوت تلك القذائف… لمْ أنل تلك المرأة ياصديقي.. ولم أحظ بحلمي..

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد