الروائي داود سلمان عجاج يضيء( العتمة) بسرد متقن ولغة راقية…

فهد عنتر الدوخي
الروائي داود سلمان عجاج يضيء( العتمة) بسرد متقن ولغة راقية…
كتابة: فهد عنتر الدوخي
مازلت اتجول بروح المستكشف في أرض خصها الله بالنماء وزين عقول أهلها بالعلم والمعرفة ورجاحة منطق الحق والثبات على قيم المدنية والتحضر وبساطة العيش, المدينة التي يجملها نهر دجلة ويخترق جسدها النحيل , الأمر الذي يجعل ريفها مولعا بالشعر العامي(الزهيري, العتابا, المولية, الگصيد) غير أن المدينة لبست وشاح الابداع بوقت مبكر منذ سبعينيات القرن المرتحل باعمال خالدة تمثلت بكتابات الراحلين, محمود جنداري, وحمد صالح ,في القصة والرواية هذه المسميات توسعت وانتشرت في العقود الاخيرة حالها حال مثيلاتها من الاجناس الادبية الاخرى, , الشرقاط إنها العاصمة الثالثة الجنوبية للدولة الأشورية(اشور كات), بعد النمرود( كالح) العاصمة الوسطى, ونينوى( خرسباد) الأم.
احد فرسان حقبة الابداع والسرد والقص الجميل في هذه المدينة, الأديب والروائي زميل الدراسة الثانوية الاستاذ(داود سلمان عجاج) في لقاء لنا في بغداد, بعد اربعة عقود من الزمن تقريبا , جرت مراجعة سريعة لأهم انجازاته وماخزنت ذاكرته من كتابات, حتى توج لقاءنا بهدية ثمينة, ثلاثة اصدرات كان قد انجزها في آماد متفاوتة, رواية (ماذا لوعاد معتذرا؟) ومجموعة قصصية(فتاة التيه) ورواية( العتمة) موضوع بحثنا.
يوثق الاستاذ داود في متصفحه فكرة تلخص فلسفة الحضور الادبي بايجاز,إذ يقول:
(في مجاهل التأريخ لا شيء يمكنه ان يتبدل ، والفكر غير قابل للاستبدال ، والمواقف قابلة للتكرار والاعادة ، القتل والغيلة ونزوة الاستبداد ، والنصر المؤزر على الجثامين الحالمة ، وكائن بأمكانه ان يحلم وان كان في اتون الحرب والموت الاكيد ، فالكائن البشري جبل على ذلك ، يحاول ان يزيل من مخيلته كابوس اوهام الخرافة ، التقاليد ، وان ادرك بأن الحياة ماهي الا مجموعة من اللحظات المتكررة ، وانه يخضع بلا ارادة لمسارات خاطئة ، في وطن استبدل القلم بالسيف والحضارة بالخيم والمحراث بالرمح واللحن الجميل وان كان حزين الى نواح ثكالى يخلع نياط القلوب…).
رواية(العتمة) الصادرة عن دار الابداع للطباعة والنشر والتوزيع/ العراق, تكريت, للعام2022 وتقع ب(105)صفحة من القطع المتوسط.
الاهداء,كان لافتا لرمزية واضحة تنقل القارئ ال عوالم تنذر بمعاناة وألم وشقاء, وظروف معاشية صعبة, (الى النفوس الحائرة القلقة, سعد الذي لم يهنأ في السعادة منذ الولادة, موفق الذي لم يكن إسما على مسمى, منير الذي لم ير النور).
ابتداء من تسجيل اسم الرواية في ذاكرة المكتبة العراقية فإن (العتمة)نذير شؤم لسنوات عجاف, كان قد وثق فيها الروائي الاستاذ(داود سلمان عجاج) آفة الحرب التي مزقت نسيج الوطن والارض وتركت اثارها السلبية المقيتة على البنى التحتية, وعلى النظم الإجتماعية, وألقت بظلالها الثقيلة على حركة تطور المجتمع, من تربية وتعليم, إذ انها عطلت المؤسسات البحثية والنظم الادارية والقانونية, الأمر الذي يجعل توجه الدولة نحو تسخير كل هذه النظم لخدمة آلة الحرب, حتى تتوقف عجلة النمو الإقتصادي وبالتالي فإنها تستنزف قدرات البلد المادية والبشرية, في هذه الرواية, فان السارد اختار مكانين, اوبيئتين لحركة ابطاله هما القرية,وجبهة القتال, كما هو متداول في الأعراف العسكرية, ولكنه شدد على اشكالية الصراع مع العدو وماتفرزه الحرب من مآسي وويلات ,وشبح الفناء واضمحلال فرص الحياة المدنية,لقد ابدع الكاتب في تناول مفردات المواجهة مع العدو والذي اتقن الوصف والسيناريو ووظفهما بلغة ادبية شاعرية عالية’ لقد اخذت آلية السرد في تشكيل معالم العمل الروائي عناية فائقة, والحدث الأكبر الذي يحتوي الأحداث الصغيرة لم يشكل أهمية بقدر رفعة وصف البيئة التي تحتضن الاحداث, واللغة المحبوكة الممتعة الغزيرة بالمفردات والمصطلحات والافكار, وهذا مادأبت عليه الدراسات الحديثة,عند تناول اشكالية السرد الروائي وتطور ذائقة المتلقي وحرفة وتقويم الناقد, على ان تسمو الرواية بآفاق الحداثة وتترفع عن التقريرية والصحافية والخبر المباشر,لذلك نكتشف أن الكاتب سخر موروث مدينة الشرقاط الروائي القصصي’ تسعفه موهبة خاصة وأرشيف مزين بثقافة سردية كنا قد اطلعنا وتأثرنا بها منذ عقود خلت,قصة الرواية برمتها ليست صعبة الفهم,حتى أن الراوي صنع بابداع لافت متفرد بيئة تشتمل على مجموعة صغيرة من الاشخاص لايتعدا اصابع اليد,ووزع الادوار عليهم, الأمر الذي يحسب للروائي الذي استطاع ان يوكل الادوار لمجموعة صغيرة اخذت على عاتقها قضية التعبير عن الحال الاجتماعي والعسكري والسياسي,وهومحاولة اقناع الاخ العسكري أن يتزوج إمرأة اخيه الشهيد في الحرب بطلب من والده الذي حرص على ادامة بيت الزوجية لابنه الشهيد ورعاية المرأة واطفالها والحفاظ عليها من الضياع, الأمر الذي حطم كل احلامه وتطلعاته التي رسمها وهو يترنح في دروب قريته, قبل ان تستعر نار الحرب, لذلك ظل هذا الهاجس ينقر في رأسه وهو في ثكنته وعند عودته من جبهة القتال وعند انتهاء اجازته الدورية, ما نلحظة هنا هو أن الكاتب قد اخذ زمنا طويلا في تسجيل وقائع حرب طويلة قد عاشها فعلا في الميدان لذلك فإن انعكاس توثيق هذه المواقف ,جاء وفق رؤى سردية غاية في التكنيك والدقة في تفصيل وتوصيف البيئة بشكل يبعث على المعرفة والدراية الكاملة بحيثيات الحياة العسكرية وبأدق التفاصيل.
(إعترت موفق صدمة قوية وهو يسمع صوت مذياع منير, أسئلة كثيرة تخامره, ومقارنات ونتائج عديدة تخيفه, فالحرب لاتعطي فرصة للتفكير,فهي لاتحتاج كالثعبان الذي يتمدد ببطء,بل تثور كالعاصفة الهوجاء, والجنون لايستثني احدا,أن يسمع ولايتكلم, يظهر بأنه مقتنع ويتصرف وفق تلك القناعة,أن يبتسم وهو يمتلك أحزانا لاتحملها الجبال, في رحلة الخوف الفردي أو الجماعي,إذ تطعنه عقم التجربة وليس هنالك من تعقل وفي قطار العمر الذي لايمكنه أن يتوقف, لذا لايمكنه ان يسلك الا دربا واحدا امامه, فيه رموز واشارات, اذ لايمكنه الحيود عنه, وعليه أن يحفظ عن ظهر غيب, ولابد للشك أن يزول, حتى وإن كانت جاذبية هبة الارواح مهمتها تسليمهم الى حيث الفناء…)
إضاءة…
داود سلمان عجاج
تولد1961 الشرقاط نينوى
عضو اتحاد ادباء وكتاب العراق
رئيس جيولوجين اقدم في وزارة النفط / متقاعد حاليا‏
بكلورويس علوم جيولوجيا ‏جامعة الموصل ‏
اصدر العديد من الكتب, التي تعتني بالأجناس الأدبية كالقصة والرواية والقصيدة الشعرية
مشارك في الكثير من الملتقيات الادبية والثقافية ومساهم في نشر الموضوعات الادبية في الصحف المحلية الورقية والمواقع الالكترونية.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد