باب الكوخ

عبد الرحمان صديقي
باب الكوخ
……….. ………. ……… ………
-لماذا أطفأت المدفاة يا اولغا؟
-لم أفعل! انها مشتعلة!
وقامت لتتأكد ، لتقطع الشك الذي تسرب إليها من كلام ميروسلاف.
جاء شتاء هذه السنة قاسيا، أقسى من كل السنين التي مضت منذ ان استقروا هنا بالقرب من مدينة فوركوتا، تقطعت الطرق،فتوقفت المواصلات تماما عن المدينة و ما جاورها من قرى صغيرة.
يعيش ميروسلاف مع زوجته بعيدا عن المدينة، ومنذ ان تخلى عنهما اولادهما و سافروا الى موسكو كما فعل ديميتري صاحب النزعة البروليتارية، أو الى ستالينغراد التي ذهب اليها فاسيلي الذي كان يحلم ان يصير مثل تشي غيفارا، ثوريا يدافع عن المستعبدين، وقد حاول الالتحاق باحد فصائل المقاومة الفلسطينية وفشل، وتم القبض عليه مرة من طرف جهاز امن دولة عربية و تسترت عن الموضوع مخافة غضب إسرائيل و اعادته سرا الى سلطات بلاده، ولم يكشف الأمر الا بعد مرور مدة طويلة، وحتى بعد مرور تلك المدة الطويلة، لم تسلم قيادة تلك الدولة العربية من توبيخ اسرائيل لها، وذلك لما يقتضيه إتفاق التنسيق الأمني.
اما نيكولاي فكان سكيرا مقامرا، مغامرا، لاهم له سوى الحصول على المال، لينفقه على ملذاته، في السكر و معاشرة النساء، فهو لا يشبع منهن، ولا يشترط جمالا و لا سنا، فكل من توفرت قضى منها شهوته؛ فلا حظ له مع الجميلات، ولا حظ له في القمار.
اما البنات فتزوجن بعيدا وذهبن مع أزواجهن، ولا يعرف عنهن إن كن أحياء أو أموات، وإن كان يردد دوما
-فليرحم الله بناتي.
-من اخبرك بموتهن؟ تعارضه زوجته مستنكرة.
-ماذا عن المدفأة؟
لقد اطفأتها.
لماذا فعلت ذلك، عليك اللعنة.
-عليك اللعنة أنت أيها البغل العجوز. تمتمت بصوت منخفض.
-ماذا تقولين؟
لا شىء، لم اطفأها إنها مشتعلة، الا تسمع، الا تفهم؟
-من أنا أم البغل؟
يتصنع الصمم، وهي تعرف ذلك، وتتعمد خفض صوتها وهي تشتمه او تسبه، أو تنعته بالبغل العجوز، أو الكلب النباح، التيس النتن.
سمع صوت مزلاجة يجرها حصان،فتقدم من النافذة،كان كل شىء ابيضا،وبعض اشجار الصنوبر تبدوا كاشباح،برغم سنه لا يزال نظره ثاقب،لاحظ حركة مريبة،تمعن جيدا،مسح زجاج النافذة،وبدأ يعد،حتى وصل الى عدد ثمانية،لا شك في ذلك،أنهم ثمانية،يحومون حول الكوخ،يبدو عليهم الجوع،تراجع بهدوء حتى لا يشعر زوجته بما رأى،تفقد بندقيته السيمينوف،واخرج رصاصات،وحشا جوفها بأحد عشر منها،ورجع عند النافذة،يراقب، مرت ساعة لم يتحرك من مكانه،نسي البرد و المدفأة،ارتابت اولغا،فكرت ان تسأله لكنها عدلت،فهي تعرفه،لا يحب ان يتكلم إذا كان متوترا،و تدرك أنه الآن متوترا،ولا تنسى حينما كاد ان يفرغ فيها رصاصات بندقيته عندما كان يتأهب لقنص لصوص تمكنوا من سرقة حصانه،وفرسه، والمهرة، وبسبب كلامها أخطأ التصويب،وتفطن اللصوص،وتمكنوا من الفرار،والتوغل بعيدا بين الاحراش مما صعب عليه إصابة أي منهم.من يومها وإذا ما رأته قد أخرج بندقيته،تبتعد ولا تكلمه،ولا تحدث صوتا،ولا حركة وتترك كل شىء من يدها مهما كان،وتلتزم الصمت المطلق والجمود في مكانها كتمثال من حجر،او من جليد.
زحف الظلام،سواد زيتي،مهما كان البصر قويا،لا يمكنه رؤية الاشياء فكيف بتمييزها،أو مراقبتها،تعب العجوز من المراقبة بلا جدوى،لكنه يدرك خطورة الوضع،بدأ الخوف يتسلل اليه،اما اولغا فكانت مرعوبة،وبدأت تبكي في صمت حتى لا تثير ميروسلاف العجوز.
-هل تذكرين،حينما تقابلنا أول مرة.قال ميروسلاف.
لم تجبه اولغا،خشيت ان هي تكلمت ان يلاحظ بكاءها.
-لا تحاولي كبت دموعك،إني احس بها؛دائما كنت اعرف حينما تبكين،كلما غلبك الحنين لأبنائك،وبناتك،هل تذكرين يوم جلبت لك دمية متريوشكا،ليلتها سمعتك تنتحبين،وانا كنت مستيقظا،وتظاهرت بالنوم وتعمدت الشخير،وجلبت لك معها معطف الفرو،يومها اقترضت من عند المرابي،وسددت المبلغ اضعافا،كل ذلك لأني اعتبر دموعك شيئا مقدسا،كما لا أنسى عندما حل موعد الاحتفال برأس السنة،ليلتها سمعت انينك،وايقنت أنك تتوجعين من قسوة أولادك،كيف لا يتذكروننا،في يوم رأس السنة اخذتك الى المدينة،ذهبنا الى المصور،اخذنا صورة تذكارية،متنكرين في هيئة دببة،واشتريت لك علبة مكياج،وسروال داخلي من الحرير الخالص،لكنك اضعته،وقلت لك لا عليك،ورجعت بعد أسبوع،بعد ان اصطدت الكثير من الثعالب وبعتها لصانع قبعات الفرو الجميلة و بثمنها اشتريت لك سروالا آخر من الحرير الخالص،لكنك نسيته بالقرب من نار المدفأة واحترق!
لم يعد يسمع تأوهها،لكنه استمر يذكرها بالمرات التي اجتهد فيها كي يواسيها دون ان يفصح لها في حينها،واسترسل؛يتذكر كأنما حفرت حفرا في ذاكرته،لم يغب عنه تذكر تفاصيلها،واحس حلاوتها تتسرب الى قلبه،ثم توقف،وتأسف أنه لم يعد بوسعه ان يصطحبها ولو الى خارج الكوخ،مضى زمن لم يغادر الكوخ،كانت تذهب لوحدها أيام الصحو إلى التسوق في المدينة،وعند عودتها تجده في حالة هيجان و توتر،من خشيته عليها،وتطلق ضحكتها وتقول
-مما تخشى عليا؟ام انك تغار؟
ويشعل غليونه،يدخن حتى يصاب بنوبات سعال فيتوقف.
-اولغا يا مؤنستي،هل كنت تخبرين صديقاتك بأني لم أعد اعاشرك،واقترحت عليك احداهن ان ترتب لك موعدا مع رجل،هل تذكرين؟انا من دبر لك تلك المكيدة،كنت متاكدا من وفائك،لكن الشيطان،ليذهب الى الجحيم،كان بوميا يزورني،حتى غدا صاحبي،ووثقت به،واشار عليا،بتلك المكيدة،لكن لو كنتِ وافقتِ،لكنتِ الآن ترقدين مع الاموات؛لكني انا لم أكن وفيا لك،وقد خنتك مرارا،مع أعز صديقاتك،التي كانت تقول لك ان ميروسلاف قديس،فاتظاهر أنا بالورع امامكما و تبتسم هي بخبث،وتصدقين انت بغباء…مسكينة انت يا اولغا،تركك الاولاد،والزوج خانك،والصديقات كن يستغلن حماقتك وثقتك المفرطة.
سمع صوت رصاصة اطلقت تفقد بندقيته،لم تكن من بندقيته،تلاها صوت رصاصات عديدة،سمع عواء ذئاب مصابة و اخرى تبتعد،احس ان السماء ارسلت له الخلاص،بعدها،طرق قوي على الباب،طلب من اولغا ان تنهض لتفتخ الباب لكنها لم تجبه،لم يدم الطرق طويلا،فقد تم كسر الباب،دخل أربعة رجال مدججين بالسلاح،قالوا للشيخ انهم يبحثون عن ابنه نيكولاي،الذي سرق من كازينو القمار مبلغا كبيرا من المال و قتل زوجة صاحبه.
-لكنه لا يعيش معنا،وعندك أمه فاسالها.
اقترب احدهم منها،لمسها فسقطت متحجرة
-يبدو انها ماتت!
فتشوا الكوخ شبرا شبرا، وقلبوا اسفله اعلاه، ولما لن يجدوا ما يبحثون عنه، خرجوا تاركين باب الكوخ مفتوحا ،بقي ميروسلاف عند النافذة،لكنه لا يرى بوضوح،لكنه يسمع عواء الذئاب الجائعة يقترب، ناحية الكوخ.
عبد الرحمان صديقي.الجزائر

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد