بليغ النَّغم: قراءة جديدة في تجربة بليغ حمدي الفنيَّة والانسانيَّة

سيمون عيلوطي

(عَجَبٌ…عَجَبُ/ وطنٌ عَجَبُ)
مظفَّر النَّواب

استطاع الموسيقار العبقريّ، بليغ حمدي بعد سيِّد درويش أن يعيد صياغة الموسيقى العربيَّة بقوالب نابعة من تراث بلاده، بعيدًا عن الطَّابع التُّركيّ الذي طبع الموسيقى العربيَّة بطابعه، فسار على هذا المنوال التُّركيّ عبر عشرات السِّنين؛ جميع الَّذين عملوا في مجال الموسيقى والغناء، سواء في مصر، أو غيرها من الأقطار العربيَّة. أمَّا الَّذين شَذُّوا عن هذه القاعدة إذا صحَّ التَّعبير، فقد ذهبوا إلى الموسيقى الغربيَّة التي لا تشبهنا إطلاقًا على أيِّ حال.
بليغ كان يهدف إلى تأسيس حركة موسيقيَّة –غنائيَّة، عربيَّة أصيلة، تتخلَّص من رومانسيَّة أحمد رامي، وتقليديَّة السُّنباطي، تُواصل شعبيَّة سيِّد درويش، تعتمد في أصولها ومراجعها على التُّراث الغنائيّ الشعبيّ المصريّ، والعربيّ، تتشكَّل بأسلوب جديد ومتطوِّر، يتناغم مع ذوق الشُّعوب العربيَّة من ناحية، ويُحاكي العالم الواسع من ناحية أخرى. موسيقى تصبو لأن تكون كونيَّة، مع المحافظة على هويَّتها المنفتحة على الآخر المختلف، تُؤثِّر في فنونه وموسيقاه، وتتأثَّر بها.
من هذه الرُّؤية الثَّاقبة انطلق صاحب “حُبِّ إيه” نحو تحقيق مشروعه الفنِّي، قاصدًا أغاني التَّراث الشعبيّ، منقِّبًا عن بواطن الجَّمال في نغماته، باحثًا عن الإيقاعات التي تميِّزه، ثمَّ يغوص في أعماقه، يستلهم منه ابتكاراته الموسيقيَّة-الإيقاعيَّة الجديدة التي صاغها بأسلوب منسجم مع ذوقنا وثقافتنا، بدأها مع المطرب الشَّعبيّ محمد رشدي في مجموعة من الأغاني، منها: “مغرم صبابة”، 1970، “طاير يا هوى”، 1971، “عَ الرَّمله”،1971، جميعها من كلمات محمد حمزة. أمَّا من كلمات عبد الرَّحيم منصور، فقد لحَّن “لرشدي”، “ما على العاشق ملام”،1971، ” بياع القناديل”،1972، ومن كلمات عبد الرُّحمن الأبنودي، لحَّن لرشدي أيضًا “وسع للنور”،1974، “بلديَّات”، 1975، وغيرها الكثير من الأغاني المشبعة بروح التُّراث الشعبيّ، ما جذب عبد الحليم حافظ اليها جذبًا، لا سيَّما إعجابه بالتفاف الجُّمهور حولها، فطلب من بليغ أن يلحِّن له على غرار تلك الألحان الشَّعبيَّة قبل أن يسحب محمَّد رشدي البساط من تحت قدميه.
بليغ رأى أنَّه في هذه التَّجربة مع العندليب، يستطيع أن يُطعِّم الغناء الشعبيّ بالعاطفيّ، وذلك بأسلوب يساير فيه لون حليم وروحه في الغناء، ويحقق فيه ما يريده هو أيضًا من النَّكهة الشعبيَّة التي أخذت الأوساط الشعبيَّة تطلبها، وتتفاعل معها بشكل لافت.
حول ذلك يقول الكاتب عمرو فتحي في موسوعة التي صدرت في القاهرة عن دار الكرمة المصريَّة سنة 2019، “أنقلها عن “موقع جريدة المدن الإلكترونية”: “أنا كل ما أقول التوبة” و”سواح” و”على حسب وداد قلبي”، أغنيات مختلفة الطابع، شعبية، قدمها عبد الحليم حافظ في ذلك العام، (يقصد عام 1966)، بعدما هدد مركزه الفني، محمد رشدي، المغني الذي كتب له الأبنودي “تحت الشجر يا وهيبة” فزلزلت الأرض في المسارح والحفلات، وشعر عبد الحليم حافظ بالخطر، فسارع إلى العمل مع ذلك الشاعر الذي كتب “تحت الشجر يا وهيبة”، وأتى بليغ حمدي لعبد الحليم بمثابة طوق نجاة أنقذ شعبيته من الانحدار بفعل زلزل محمد رشدي. وهكذا، بدأت المرحلة الفنية الثالثة لعبد الحليم حافظ، وتعاون فيها مع الأبنودي ومحمد حمزة كشاعرين مرموقين فذين، ومع بليغ حمدي الذي كان قد سبقهما في التعاون مع عبد الحليم حافظ في أغنيته الوطنية “الجزائر” في العام 1962، و “خايف مرة أحب” في العام 1961، إلا أن غزارة تعاونهم سيكون في هذه السنوات، الممتدة قبل النكسة بعام، وبعدها. فكتب الأبنودي لعبد الحليم، “أنا كل ما أقول التوبة”، وأغاني “الفنارة و” أحضان الحبايب” و”الهوا هوايا” و”عدى النهار” و”اضرب” و”المسيح” و”ولا يهمك يا ريس” و”ابنك يقولك يا بطل”. وكتب محمد حمزة أغنية “سواح” و”جانا الهوا” و”زي الهوا” و”موعود” وغيرها”.
لم يكن بليغ حمدي لعبد الحليم حافظ بمثابة طوق نجاة أنقذ شعبيته من الانحدار بفعل زلزل محمد رشدي، كما تقدَّم؛ فحسب، بل كان أيضًا مكتشف العديد من الأصوات الغنائيَّة، عفاف راضي مثلاً. إضافة إلى تشكليه للَّون الغنائيّ الذي ميَّز هذا الصوت أو ذاك، ولا أدلّ على ذلك أكثر من نجاة الصغيرة التي بلور شخصيَّتها الفنيَّة في بداية مشوارها، وحدَّد أيضًا لونها في الغناء. ثمَّ وردة الجزائريَّة التي ابتكر لها لونًا غنائيًا يميِّزها عن غيرها من المطربين والمطربات.
ما يحزُّ بالنَّفس هو: أن هذا العطاء الإبداعيّ الوافر الذي أضافه بليغ حمدي للموسيقى والغناء العربيَّين لم يُحفِّز وزاره الثَّقافة المصريَّة على منحه جائزة الدَّولة التي يستحقُّها، وفي هذا السِّياق أقول: آن الأوان لأن تنشئ وزارة الثَّقافة المصريَّة جائزة للفنون الموسيقيَّة، تحمل اسم بليغ حمدي، تمنحها سنويًا لمن يستحقّها من الموسيقيين والمطربين العرب. ففي حين أنَّ بيوت العظماء والفنانين تتحوَّل في العالم المتحضِّر إلى مزارات يقصدها الزوّار من كل صوب وحدب، فإن بلاد العرب للأسف الشَّديد لا تكترث كما يجب لتراثها الثَّقافيّ، ولا تهتمًّ بأصحابه من العظماء والمبدعين. مكتب بليغ حمدي في الزمالك يتحوَّل إلى ورشة لتصنيع الأقمشة، وبيع السُّجاد. وفيلا أم كلثوم القريبة من مكتب بليغ حمدي، هُدِمَت ليقام مكانها محطة وقود. أمَّا عوَّامة فريد الأطرش التي كانت راسية على ضفاف النيل، فقد أهملت بعد وفاته، ثم فُكِّكت وبيعت خردوات بالمزاد العلني. وكذلك، فإن بيت السَّيد درويش في الإسكندرية، تُرِكَ وأهمل لسنوات طويلة، حتى تداعى وأزيل تمامًا.
لا يسعني في هذا المقام سوى أن أردِّد مع مظفَّر النَّواب،
عَجَبٌ…عَجَبُ/ وطنٌ عَجَبُ”.
(على الرَّابط التالي إحدى تجارب بليغ حمدي مع عبد الحليم)
https://www.youtube.com/watch?v=drXb8OftRro

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد