الويسكي أنثى …

صباح محسن جاسم

 الويسكي أنثى …

إثر الأحتلال  المهيب  لبلاد  ما  بين  النهرين،  شرعت  محلات  بيع  البالات المستوردة  للملابس والمواد المستعملة بالأنتشار وسط وجنوب البلاد!

تركزت غايتي العثور على لوحٍ زجاجي سمك 2 ملم  أتدبّرَ منه لوح  بقياس مساحة الإطار المتوفر لدي لأزين به شهادة  أدبية فقد تعذّر توفر كذا نوع  خاص بأطر الصور واللوحات.

من يحظى بزيارة دكاكين البالات سيجد موادَّ منزليةٍ  متنوعة من مناشيء معتمدة  قد تعوّد الناسُ على اقتناء جديدها خمسينيات قرن انقضى خلافا لواقع الحال اليوم رغم ان الغرب الحُر بكلّ دولهِ الـغازية فضلا عن أدواته العلنية  قد وعد بما وعد من حرية وترف على ان القوم لم يحظوا بعد عقدٍ من سنين دغدغةِ احلامهم عدا هذه الصفقات (البالوية) لمواد تقيأتها أقوامٌ سبقتنا بأحقاب زمنية لتقذفنا إلى كناستها بكل جراثيمنا وجرائمهم  هكذا.

صعدت دكة الدكان الصغيرة ، مسلّما، ضاغطا لأفساح المجال لي  علّي أُرضي  فضولي ايضاً.

كانتا تتفحصان كؤوسا زجاجية متنوعة. تهمس لزميلتها : لنشتريها فهي جميلة وصناعتها ممتازة .. تجيب الأخرى بصوت خفيض محاذرة : لكنها كؤوس ويسكي !

واذ اتدخّل بفضول الذي استفزّ، متبرعاً بتعليق عابر، قلت مازحا:

– ما ادراكما ؟!

تلفتت الكبرى مأخوذة كاشفة عباءتها عن ابتسامة خجلة ، مطمئِنة: سأشتريها للصغار فهي جميلة ، ليشربوا بواسطتها الحليب.

انسحبت معتذرا بذات المحيّا، مداريا:

– حاولي شراء ما يفيد فعلا بدلا من ركنه في واجهة المعرض دون استعمال، تلكم الكؤوس لا تصلح للحليب.

فيما ظلتا بوحي من تلك الفكرة ، تبسمان باصرار على ما عزمتا عليه ، فتفيض الكؤوس التي حظيت بملامسة انامل السيدتين بسائل ذي قوامٍ اصفر رقراق بلون غروب الشمس !

خارطةٌ صَمّاء

تنور الطين القاسم المشترك بين جيران الحي، تربع كتمثال بوذي في فسحة وسط الهواء الطلق، يُسجر لتخبز النسوة  كلّ واحدة في الدور.

تتصاعد أبخرة العجين المشوي مع سنن النيران فيما يتراقص نثار الرماد  لينتحر في كبد السماء.

مساءات الخميس يزدحم المكان بأحاديث عن ضحايا حرب ضروس ,وسط تسلل رائحة الخبز الى مناخير المارّة عابرة اليه تتقصده فيما هو عائد في أجازة. لم يخف عليه مصدر شواء الخبز، مثل ما لم تفته أثناء مروره وقبل أن يدلف الى الدار ما أخفته تلابيب ثوبها الفضفاض كلما دفعت بوسادة الخبز الى جوف التنور رافعة ساقها الربيلة عاليا  كلّ مرة تحني جسدها على جذع التنور المتأوّه.

عفويةٌ تبسّمت لها الشمس الغاربة ، فتكشف بالكاد عن أعلى الساقين اللتين تعودتا كما راقصة باليه من تبادل دوريهما ما أن تدخل عجينة الرغيف لتطلع من ثم مخبوزة محمصة بذات النكهة التي خبرها الجوع.

ضحكةُ الثوبِ العفوية الواسعة لم تبالغ في الكشف عن بياض الساقين المكتنزتين والفخذين وحتى ‘عروق الدوالي‘ التي طبَعت ذاكرتَه بضحكة رعناء!

ثلاثون عاما مضت ما عاد تنور الطين في مكانه أثر تجاوز البعض على فسحة المكان.

عكفت تنانير الطين عن التودد لسعف النخيل واغصان الشجر. ضاق الشارع وتعذّر على بائع اسطوانات الغاز من بلوغ نهاية الزقاق.

في مساء شتائي انتبه اليها تناشده العون وترجوه أن يعمل لصفّ مدرَستها نشرة جدارية  لخارطة العراق.

لم يتبق من رغيف التنور الطينى سوى عينين عسليتين غائرتين وربما تلكم الدوالي بعروقها المزرقّة ورائحة رغيف ساخن.

استغربَ وميله للتسويف في عمل الخريطة المطلوبة. ما أن يَقْدِم حتى يعاوده ذلك المشهد المثبّط  للمحاولة.

لما يزل لوحُ الورق الكارتوني منطرحاً بانتظار مهارته لتحقيق طلبها كلما تأمّل بياض الورقة  البليدة الصمّاء !.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد