رغم أنف الخائن والجلاد

نورالدين التيجاني الادريسي

نورالدين التيجاني الادريسي
   

      وجوه مكتنزة ومتخمة باللحم والشحم تظهرعليها علامات النعمة ورغد العيش تطل علينا صباح مساء تتفنن لغة التمويه والخطابة تشبعنا وعظاوإرشادا عن الأخلاق والقيم تلقنناوبإسهاب دروساعن الوطنية وروح المواطنة عن البشروتنميته عن سياسات البعد والقرب عن المخططات القزحية…عن البرامج الأفقية والعمودية، عن الوضع المتقدم والمتأخرعن الحداثة والحكامة عن الشفافية والانفتاح عن الديمقراطية وحقوق الإنسان…

وكمواطن عاشق لوطنه إلى حد الموت  أقف حائرا وسائلا نفسي:

لماذا لا أصدق هذه المرة ولو من باب الموضوعية التي تتطلب إنصاف الآخر مهما كانت درجة الاختلاف أو الخلاف معه؟
لماذا أظل حبيس أفكاري العدمية و الماضوية كما يصفها الآخر؟
لماذا أظل وفيا وبعشق أزلي لدماء الشهداء ممن استرخصوا حياتهم ودمائهم وحرياتهم من اجل كرامة وحرية الجبناء من أمثالي؟
لماذا لا أتنكر للماضي وأعيش الحاضربحداثته وحركيته الملغومة أوحتى بعهارته وندالته الممتدة في شعورنا وصمتنا الجماعي؟
لماذا لا أصيرقلما أو بوقا مأجورا مدفوع الثمن وأشارك بدوري في مهرجانات التردي والهزيمة… لماذا لا اقبل أيادي الجلادين الملوثة بدماء المستضعفين والكادحين؟
لماذا لا انتحرطبقيا وأتسلق بوصوليتي طبقات المال والجاه وأصيرغنيا إلى حد الترف ومقاولا في البر والبحر والجو وحتى في بني جلدتي امتلك الخدم والحشم واستبيح الإنسان وكرامته وأعيش فرعونيتي وساديتي المطلقة؟
لماذا لا أبيع كرامتي و ماتبقى من قصائدي الشعرية عن الحب و الشعب والقضية وعن المعطي والبراكة …؟
لماذا لا أصنع شكلا سياسيا عال الشأن والهمة يمنحني بطاقة الحصانة لتدبيرمصالحي وشركاتي يعلمني كيف أبيع السراب وأوزع الأوهام في خرجاتي وحملاتي ومهرجاناتي على الواهمين ممن يصدقون شعاراتي ووعودي أمام منصات الألوان وكاميرات التعتيم…؟
   لا يهمني إذن عموم الشعب العزيز ولا أحلامه البسيطة بكسرة خبز لقمع جوعه أو دواء لتسكين وجعه أو سكن لإيواء جسده المثقل دائما بجراحات الزمن المر…

 ما يهمني غيرالوصول إلى القبة القارونية المحصنة بكنوزها وخزائنها التي لاتفنى..إلى أفضالها إلى عزها وعشقها الأزلي…

ما يهمني غير الخيانة والتملق مع فئة المنهزمين والمتاجرين بكل شيء من أصحاب العقل والحكمة والقصيدة والفضيلة ..؟ ممن كانوا يخدمون الشعب ذات يوم حتى درجة خداعه اليوم والمتاجرة بأحلامه وإنسانيته…وحتى بعقيدته.

 ما يهمني في الأخيرغيرإعتلاء منصات مهرجانات المواجيع والاحتفال بدوري بموت ما تبقى من  كفاحية الرفاق وكرامة الأهل والجيران …

   أسئلة تستفز كياني تجعلني حائرا مابين عادميتي ووجوديتهم مابين ترددي وجرأتهم مابين أن أكون أولا أكون..

 لكن في الأخير اختار أن أكون جاتما على قلوبهم ورقابهم بكرامتي لأنها هي أساس وجودي وحريتي التي من اجلها اختطف وسجن وعذب وقتل …ذلك الشهيد العريس الذي يجب أن لا ينسى لأنه اختارلنا الكرامة مصيرا والحرية عنوانا والشهادة نهجا…بعشقه نستمر لأنه يعيش فينا ومعنا رغم إبعاده عنا، سيظل دمه وصمة تنزف عارا على جبين (رفاقه) الخائنين لعهده وغده وموعده…لكن سيظل شرفا لرفاقـه ( العدميين) اللذين على خطاه سائرون وعلى نهجه مستمرون …رغم أنف الخائن والجلاد.

                                                                  

                                                                                               المغرب

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد