قبلة في النهاية

رباح آل جعفر

مرّت أحلام الناس سنة 2011 وراحت وانقضت ، بكلّ حلوها ومرّها ، وخيرها وشرّها ، وكلّ الذي كان وكان وراح وضاع وغاب وتلاشى ولن يعود !.

وإذا كان بعض الناس عاشوا حياتهم بالطول والعرض ، وورثوا أموالاً وعقارات ومناصب وحظوظاً سعيدة .. وكثير منهم لم يسهر الليالي ، ولم يطلب العلا ، ولم يسع للمكان الذي يشغله الآن ، ومع ذلك وجد نفسه في مكانه .. فإن بعضهم الآخر عاشوا ظلماً وقهراً وحرماناً ومرضاً وفقراً وجوعاً وضياعاً وديوناً ووعوداً وعذاباً إلى جانب الأموات في حياة من الجحيم خير منها العدم ، وخرجوا من المولد بلا حمص كما يُقال !.

فهؤلاء عرفوا الشوق واللهفة ، وهؤلاء عرفوا الألم والفراق ، وهؤلاء عرفوا البؤس والشقاء .. وأحياناً كانوا يشعرون إن الدنيا أصبحت في عيونهم أصغر من ثقب الإبرة ، ومع ذلك كانوا يريدون أن ينفذوا من ثقب الإبرة إلى العالم الآخر !.
وتبقى الأرض تدور بنا ، ونبقى نحن ندور بالأرض وحولها .

لا هي تفرّ من تحت أقدامنا ، ولا نحن نفرّ من فوقها ، بل حتى عندما نغادر هذه الأرض بعيداً في البحر أو في الفضاء ، إننا نظل مشدودين إليها بجاذبية غريبة وعلى موعد معها ، لكي نسافر من جديد !.

وأحيانا نسافر بلا حقائب .. فالحقائب لا تهمّنا ولا تعني لنا شيئاً ، لأننا نحمل في قلوبنا شيئاً أغلى من هذه الحقائب .. نحمل شوقاً ووجداناً وأوطاناً نعشقها ونفتديها ، ونؤمن أن كلّ أرض الله لله ، وأن كلّ الناس هم مخلوقات الله !.

ونؤمن بقول الإمام علي عليه السلام : ( وطنك ما حملك ) .. وأنا في كلّ لحظة أدوس على الأرض ، أشعر أن قدميّ تصبحان في شفتيّ .. فأقبّل أرضاً حبيبة ، ووطناً تنتهي عنده دورة الأرض !.

ومع كلّ يوم يمرّ ، أقف احتراماً ، وأنحني إجلالا ، وأذرف دمعاً ، وأضع يدي على المواجع ، في انتظار كلّ عزيز لا يأتي ، وغائب لا يعود !.

أقف احتراماً ، وأنحني إجلالا ، وأتوقف عند النواصي ، وأضع الورد في النوافذ ، وأطبع قبلة طويلة على جبين كلّ الناس الطيّبين ، وأبوسهم من جباههم ، وأشعر أنني مدين لهم ، وأشدّ على أيدي الذين مات أعزاؤهم وأعزائي ، وأكتب فيهم رثاءً ، وأدعو لكلّ المرضى منهم بالشفاء : ( شفى الله مرضى في العراق فإنني … على كلّ مرضى في العراق شفيقُ ) .. وأمسح على جراحهم الغائرة ، وأحزن من قلبي على آلامهم وهي تصدع الجبال ، وأمدّ ذراعيّ أعانقهم واحداً واحداً ، وأحنّ إليهم وأشتاق لرؤيتهم ، وأنسى  الإساءة دائماً لكنني لا أنسى المعروف !.

ويهزّني بقسوة صفير قطار في الهزيع الأخير من الليل ، ودائماً أتمنى لو أنني كنت واحداً من الذين يسافرون في رحلته .. يهزّني إقلاع طائرة وأنا أتابعها تختفي بين ناظريّ بعيداً فوق السحاب .. يهزّني أن أمدّ يدي في وداع صديق أحبّه وهو يغادرني إلى بلاد بعيدة ، وأردّد في نفسي : ( أشوقاً ولمّا تمض في البعد ليلة … فكيف إذا سار المطيّ بنا عشرا ؟! ) .. يهزّني شوق من نوع غريب كلما مالت الشمس وانحدرت في اتجاه الغروب فأحسّ بخشوع ودمعة صامتة ونحيب مكتوم .. وأشعر بحنين قاس إلى الأرض ، وأشعر كأنها صدر أمّي الحنون .

وأؤمن أن وطني هو أكرم وطن في الدنيا .. وأهلي هم أطيب الناس .

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد