الـكــُتـب الـتـي لـم نـقـرأها بـعــد .

الدكتور عبدالقادر حسين ياسين

الـكــُتـب الـتـي لـم نـقـرأها بـعــد .

 

الدكتور عبد القادر حسـين ياسـين

 

يُنبئنا أحد أجمل الكتاب الساخرين في القرن العشرين، التركي عزيز نيسين،

كيف تتكدس فوق طاولته الكتب التي سيقرؤها ،

أو تلك التي يجب أن يقرأها، لكنه يقر بأنه لن يستطيع قراءتها كلها .

 

لذلك كلما ارتفع مستوى عمود الكتب المكدسة فوق بعضها،

يضع قسماً منها في المكتبة من دون قراءتها،

في نوعٍ من التسليم من جانبه بأنه ليس بوسعه أن يفعل ذلك،

لذلك يتملكه إحساس وحزن غريبان بسبب ذلك .

 

مع ذلك فإن لديه مجموعة من الكتب يطلق عليها تسمية: “كتبي”،

وليس المقصود هنا مؤلفاته هو شخصياً،

وإنما مجموعة الكتب التي يشعر بالحاجة الماسة ،

إلى قراءتها مرة أخرى قبل أن يموت .

 

وهو يُحدثنا عن الحزن العميق الذي يشعر به ،

وهو ينظر الى الكتب الموجودة في مكتبته،

خاصة منها تلك التي يشعر بالحاجة إلى قراءتها، ويقول:

“واأسفاه سأموت من دون قراءة هذه الكتب”، قبل أن يستدرك:

“كأن هناك فرقاً بين الموت من دون قراءة هذه الكتب أو الموت بعد قراءتها”،

مُذكراً إيـَّـانا بقول معبّر لمحمود درويش فحواه ،

أن الموتى سواسية أمام الموت، وحدهم الأحياء أبناء عـم الموت .

 

يذهب عزيز نيسين الساخر أبداً، والساخر من كل شيء حتى من نفسه،

أبعد من ذلك ليسخر من السياح الأجانب ،

الذين يراهم حين يمر من حرم جامع نور العثماني،

وقد صار كل عضو في جسمهم يرتجف ويهتز بسبب الشيخوخة،

فيقول في نفسه: “ماذا بقي لكم في هذه الحياة،

ولم لا تموتون في المكان الذي أنتم فيه،

أتريدون أن تروا الدنيا، فتقومون بذلك ،

كأن هناك فرقاً بين أن تموتوا بعد رؤية السوق المغلق في اسطنبول ،

أو أن تموتوا من دون رؤيته …:؟!.

 

من ذلك يخلص نيسين إلى أنه لا فرق بين حماقـته هو ،

حين يخشى الموت قبل قراءة هذه الكتب ،

وبين حماقة هؤلاء السياح الذين برزت عظامهم ،

حين يخشون الموت قبل أن يروا منطقة “ايفس” مثلاً .

 

لكن كاتبنا الساخر يختم بما يحمل العـزاء لنا ،

نحن الذين نحب السفر وقراءة الكتب،

فحواها أن الإنسان لا يرى حماقته،

بل كم هو جميل إنه لا يراها .

 

كان على نيسين أن يأخذ بنصيحة مواطنه ومجايله ناظم حكمت،

عن أن أجمل البلدان هي التي لم نزرها بعد،

وأجمل البحار هي التي لم نرها بعد،

ويمكن أن نضيف من عندياتنا أن ،

أجـمـل الـكـتـب هي تـلـك الـتـي لـم نـقـرأها بـعــد .

 

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد