شـَيـطـَـنـَة الـعـَـرَب

latifa_aldlimy

الدكتور عـبدالقادرحسين ياسـين

دأب الإعلام الغربي، ومنذ زمن طويل، على خلق صورة للإنسان العربي تتميّز بالقذارة الروحية والجسدية.‏ وإذا كانت القذارة الجسدية تشير إلى إنسان منقطع كلياً عن أسباب الحضارة، فإن قذارة الروح المفترضة تستظهر في المكر والخداع والسرقة وحب الاعتداء والأذى، إلى أن تنتهي بجبن طبيعي، ذلك أن العربي- المسلم يلوذ بالفرار إن التقى بالعيون الزرقاء ، وأسلحة الحضارة. وقد ترجم الإعلام الغربي هذه الصورة بجملة من الإشارات الجاهزة، التي تتضمن الخيمة والجمل والحريم والمئذنة وبعيون سوداء باركها الشيطان الرجيم.‏

تعود صورة العربي- المسلم المُشيطنة إلى زمن قديم متعدد المراحل . في البدء كانت الحرب الصليبية التي أنتجت، لاحقاً، خطاباً عن البرابرة ورذائل “المُحمديّين” ، وعن الخديعة التي لازمت نشوء الإسلام ونهوضه. وأتت بعد ذلك الحروب العثمانية- الأوروبية، التي أنتجت تلازماً مطلقاً بين الإسلام والإرهاب، وطدّته المناهج المدرسية، في عدد من الدول، وأسهم الأدب الشعبي في نشره وتوزيعه. ولم يكن غريباً، في سياق يخترع ما يريد ويعطيه شكل البداهة، أن يحذف الفكر التنويري الأوروبي، في أشكاله الطاغـية، الإنسان العربي من مملكة الإنسان الشهيرة التي قال بها، قاسماً العالم إلى فضاء الحضارة وفضاء البربرية.

ولهذا إخـتـصـر هـيـجـل الحضارة في المعجزة اليونانية ومشتقاتها، وأقام ارنست رينان تعارضاً بين العلم والإسلام، وشـدّد الإنجليزي هـيوم على السلام وشروط السلام، مستثنياً “البرابرة” الواجب ردعهم ومطاردتهم.‏

ومع مجيء إسرائيل أنجزت الثقافة الأمريكية، وهوليود منها بشكل خاص، “بداهة الهمجية العربية”، إذ العربي صورة عن الهندي، وإذ الهندي الأحمر امتداد لروح الشيطان. أخذ الصهيوني، في هذه الثقافة، صورة “الرائد الأمريكي”، الذي ذهـب إلى “الغـرب المتوحش” وأقام حضارة جديدة فوق “أرض موعـودة جديدة” ، بعد أن اجتّث منها الأشواك والأوبئة والأرواح الفاسدة. تقاسم الأمريكي والصهيوني فضيلة “استصلاح الأراضي العـذراء” وهـزيمة “الأرواح الشريرة” المعادية للحضارة.‏ وهذا ما دفع ثـيـودور هـرتزل إلى “تصريح حضاري” متسامح قال فيه:
“إننا بحاجة إلى العرب لتنظيف الأرض من الأفاعي السامة.”‏

غير أن هذه الصورة، التي تساوي بين العربي- المسلم والشرّ، لم تكن ساكنة على الرغم من موادها الأوليّة الثابتة والقديمة. فقد كان السياق الاستعماري يعـيد صقلها وتنشيطها وتلوينها، وفقاً للأغراض والمستجدات.

فبعد أن اطمأن ونستون تشرشل إلى وعـد بلفـور عام 1917،
وضرورة إنجازه بلا نقـصان قال:
“لن تدخل الكهرباء بيوت العرب إلا بعد ألفي عام”.

كان في قوله يشير إلى جلال الاختراع الأوروبي وإلى جهل العرب ،
مدافعاً، بداهة، عن “الرائد اليهودي” الذي يتعامل مع الكهرباء سريعاً،
لأنه جزء من العالم الأوروبي الذي اخترع الكهرباء.

وحين اشتعـلت ثورة 1919 في مصر قال الحاكم البريطاني:
“هذه ثورة تنطفئ إذا بـَصـقـت عـليها” [كـــذا…!!] ،
مفترضاً أن المصريين، لا يعرفون الثورة لأنهم أدمنوا الهوان.

وفي عام 1948، وكما يروي الكاتب الإسباني خوان غـويتيسولو،
ابتهج مسؤول صهيوني كبير وهو يرى إلى العرب الراحلين فقال:
“خـرجوا… بعـد عشر سنوات لن يسمع بهم أحد”.‏

في كل مرحلة استعمارية، أو عند كل فعل استعماري جديد،
يذهب الغربي الاستعماري إلى ذاكرته العنصرية والعدوانية ،
ويستولد العربي الذي يريد:‏
فهو يحسن التقاط الأفاعي لا أكثر،
عـدو للكهرباء والحضارة،
معادٍ للعلم والسلام،
جبان لا يحسن التمرد،
مُستسلم لقدره مُـسـوّر بالعجز والمذّلة…

تتزايد الصفات أو تتناقص محتفظة بالسلب والنقص والتشويه،
وقد تصل حدود الإلغاء، كأن يقول ديك تشيني بعد حرب الخليج الثانية،
وهو يتحدّث عن النفط والخليج:
“ما يهّمنا فقط هو ما تحت الأرض”.‏
وما فوق الأرض هو الإنسان العربي الذي لا يهمّ المسؤول الأمريكي في شيء،
ذلك أن على هذا العربي القبول بأحد أمرين:
إما الرضوخ والإذعان ، أو التمرد واستقبال قصف الطيران ونار الأساطيل وجحيم الصواريخ،
أي الترمّد تحت وابل النيران المختلفة.‏

قبل 37عـاماً استعمل الـمـفـكـر وعالم اللسانيات الأمريكي نـوآم تشومسكي،
تعبير Demonisation of the Arabs “شيطنة العرب” ،
مشيراً إلى صورة العربي في الصحافة الأمريكية،
والتعبير واضح وكثيف ومحدّد الهدف ، والغاية وجليّ القصد والمقصد:
على الإعلام الأمريكي، والغربي بشكل عام،
أن يُشيطن العربي، أي يجعله شيطاناً،
في كل مرة تقضي بـ “تأديب العربي”،
عقاباً له على نزوعه الإرهابي ،
وقصاصاً له على إساءته إلى “المعايير الحضارية”.

يجب دوماً إعادة خلق الإنسان العربي – المسلم ،
بشكل يدفع إلى عقابه ، ويجعل من العقاب الضروري مطلباً جماهيرياً وإنسانياً.
وبما أن إعادة خلق إنسان من جديد تستلزم منحه اسماً جديداً،
يفقد الإنسان العربي اسمه الأول، ويأخذ اسماً جديداً يوافق الخلق الجديد،
والاسم هو: الإرهابي.‏

وعلى الرغم من أن الرئيس كلنتون تخفّـف قليلاً من صفات ريغان العنصرية الفاشية،
فإنه لم يتخفّـف قط من ضرورة معاقبة “الإرهاب العربي”،
فـقـصف الخرطوم في عام 1997، أي بعد اثني عشر عاماً من قصف طرابلس،
وتابع تلك “العادة الحضارية الثابتة”، التي ورثها عن سلفه بوش،
أي عادة إنتاج وإعادة إنتاج اليتم والفقر والهلاك في أراضي العراق.

ومع أن السيد كلنتون بدا أكثر مرونة، في الشان العربي،
ممّن سبقه وممّن تلاه، فإن العارفين بالأمور يقولون إنه الوحيد،
الذي لم يكن يهودياً من بين جهازه الواسع العريض ،
الذي تعامل مع قضية الصراع العربي- الإسرائيلي،
ولهذا سعى إلى إنجاز “حل يهودي” للقضية الفلسطينية ،
و “حلّ يهودي” لعلاقة إسرائيل بالصراع العربي- الإسرائيلي.‏

ومثلما شيطنت الصحافة الأمريكية والأوروبية ليبيا والعراق والسودان،
كي يُنزل بها عقاب صارم لا يشكك بـ “عـدالته” أحد،
وصلت الشيطنة الضرورية إلى الانتفاضة الفلسطينية:
تحدّثت صحف كثيرة عن قـلوب الأمهات الفلسطينية “الحجرية”،
التي “تبعث بالصبي إلى المظاهرة كي يموت”،
وتحدثّت مادلين أولبرايت، وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة،
عن “الخطر الفلسطيني على إسرائيل” …

وجاء مؤخراً من أحيا وأنعش هذا الحديث، وتم عطف فلسطين على أفغانستان،
إذ “الإرهاب الإسلامي” موزّع على الطرفين،
ناهيك عن الحاخامات المتطرفين في إسرائيل الذين أغـدقوا على العرب صفات الشرّ المطلقة،
التي اطمأنت إلى مجاز الأفعى والفأر والصرصار والحيوانات القارضة.
ومع أن “زلة لسان” عربي بحق اليهود تثير إعصاراً في صحافة “العالم المتمدن”،
فإن صفات العربي، في التصور العـنصري اليهودي، تبدو عادية تماماً.

تصنع الكراهية الصورة، وتملي الصورة الكريهة ضرورة الانتقام العادل.
وفي الحالين تكون البداهة مسيطرة:
العربي- المسلم شرّ الآن، لأنه كان شراً ولم يزل.
وعقاب العربي- المسلم خير، لأنه كان خيراً ولم يزل.

لم يكن غريباً والحالة هذه أن تتسرّب بعفوية طليقة كلمة “صليبية” ،
إلى لسان بوش الأب وبوش الابن، مستعـيدين ناراً قديمة تحصّن الانتقام الجديد،
وتعطيه هالة المقدس.
فالحرب لم تبدأ اليوم ولم تنته في الأمس ،
ولن تنتهي إلا في مستقبل يحكمه “الخير الغربي” ،
ويرضى عنه “الماضي الصليبي”،
ذلك أن فيما يدور حرباً بين “حضارتين” أتقـنت إحداهما سبل الدمار والهلاك ،
وظلت الثانية على السفح تنهض مرة وتكبو أخرى،
بانتظار من يستأصل أعضاءها إلى الأبد.‏

اعتماداً على البداهة المسيطرة، التي تخترع العربي الإرهابي كي تحكم عليه بالإعدام،
يقترح الروائي والكاتب الترينيدادي الأصل، البريطاني الجنسيـة ،
Sir Vidiadhar Surajprasad Naipaul،
السير فـيديادار سوراجبراساد نايـبول ،
الحائز على جائزة نوبل للآداب ،
أن تتم مصادرة جميع الأموال الـعـربيـة الموجودة في البنوك الغربية،
كي تكون “تعـويضاً عن كل عمل إرهابي قائم أو قادم.”

يتضمن اقتراح نـايبول أحكاماً واضحة وسافرة ومنحطة :
أولها: كل عمل إرهابي في هذا العالم مصدره عربي ،
وثانيها: على العرب أن يدفعوا تكاليف الأعمال الإرهابية،
لأنهم الوحيدون الذين يقومون بها،
وثالثها: ضرورة الاستيلاء على الأموال العربية ،عامة كانت أو خاصة،
لأنها لا تستعمل إلا في سبل الإرهاب أو ما هو قريب منه…

وواقع الأمر أن الأديب، الهجين العنصري، المسكون بمركب نقص قديم،
يطالب ضمناً أو صراحة بتطبيق قانون خاص على العرب ،
لأن في “وحشيتهم” ما يميزهم عن الشعوب الأخرى، كأن يقول:
“العرب يريدون أن يمدّوا صمت الصحراء إلى كل مكان”،
فهم “أمة جاهلة لا تقرأ ،ويقفون ضد الحضارة، مليئين بالحقد،
ويعتقدون أنه لا سبيل إلى التعايش مع الشعوب الأخرى إلا بالقـوة”.‏

إن السؤال الجوهري لا يدور حول أديب تنكّر لأصوله الممتدة في العالم الثالث،
وفـقـد ذاكرة شعـبه (فهو من تـريـنـيـداد في الكاريبي) وابتهج للقب “Sir”،
إنما يدور في مكان آخر: لماذا كل هذا التجرؤ على العرب ؟
ولماذا تعطى جائزة نوبل إلى أديب عنصري لا أخلاقي متعصب وحقود؟
وما الذي يدفع كاتب إلى أن يكيل الشتائم والسباب لـلـعـرب؟‏
ومن أين جاء هذا الهوان وعـند العرب طاقات تمكّنهم من مواجهة هذا التحدي؟‏

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *