إبراهيم أحمد بـُرقان : اكبر الشـُهـَداء سـِناً وجهٌ من ذلـك الـزَمـَن الـفِـلـِسْـطـيـنـي

latifa_aldlimy

الدكتورعـبـدالقـادر حسين ياسين

وجه صبوح على الرغم من الشعر الأشيب ،
الذي تناثر على محياه مما زاده وقاراً ومهابة ؛
إلا انه ما زال محتفظا بحيوية تصيبك بالدهـشة…
وهو اسم لعـله لا يثير لدى القراء أي استفزاز للبحث والتنقيب ،
عـمـا يختزن بين أضلعه من ماض ، وما اجترحه من مآثر بطولية.

وهو لكل من عرفه عن قرب مصدر الهام حيّ لتاريخ النضال الفلسطيني.
وهو في قسمات وجهه وتقاطيع جبينه الصلد ،
الذي حفرت فيه السنوات مجرى يمنحك إحساساً بالدفء ،
ويثير فيك مشاعر لا تملك إزاءها ألا أن تـُمني النفس ،
وتـُعـيد التمني في أن يعـيد التاريخ نفسه ،
لترقب بأم عينيك حركة الأحداث ،
ولتكون إما واحداً من أبطال الثورة الفلسطينية الكبرى (1936-1939) ،
أو شاهداً لهؤلاء الرجال.

لقد احتزم أبو يحيى ورفاقه الذين تقاطروا في خط لا ينتهي ،
مـُيـمنين وجوههم صوب بيت المقدس (أليست القدس “أولى القبلتين ” ؟)
احتزموا بالإيمان الصادق والعـزيمة التي لا تلين ،
وانطلق الإنسان في داخله ،
الإنسان الذي يرفض أن يظل مكبلا بقيود الاحتلال ،
( سواء كان بريطاني أو صهيوني ) ،
الإنسان الذي يرفض أن يكون منحني الرأس ،
(ما بشيل الرأس إلا اللي ركبه ) لا يستطيع أن يصافح نور الشمس ،
أو يعانق الفرح الذي لم يجد يوما إلى نفسه مدخلا ،
ولم تترك الزنازين في تلك النفس المتعبة سوى جرح لم يندمل ،
وميسم من الأحزان والآهات المجترة .

كان أبو يحيى يمقت كثيرا الحديث عن نفسه ،
ويؤلمه أيما ألم الاستطراد في التنقيب عن مآثره ،
وما صنعه لهذا الجيل الذي ترعـرع في كنف الانتفـاضـة ،
ولم يستطع أن يلملم شظايا الذكريات ويحفظها ،
لتكون خير معين ورفدا خصبا لمسيرة شعـبنا ضد التغييب والاغـتراب .

لم يكن من السهل على من لم يخبر الأحداث ،
ولم يعاصر جيل الشيخ عزالدين القسام أن يخترق خزانة الذكريات .

كان أبو يحيى واحدا من ذلك الجيل ،
شخصية توارت اختارت لها موقع الظل ،
كان مثله الأعلى حماية ذاته من الكلمات ” المفخخة ” ،
التي تحيله إلى طاووس متغـطرس ينفش ريشه فخراً أو اعتزازاً.
وكان مصدر قلقه وغيظه أن يبجل دوره النضالي…

كان وجها من ذلك الزمن الفلسطيني ، واحدا من “الحرس القديم” ،
ذلك الرعـيل الذي ظل الموت معلقا على كتفه ،
وعلى كتفه الأخرى البندقية الصد ئة ، وعلى خاصرته زانة الرصاص ،
محتزماً بالموت ، متوسداً تراب الوطن ..

وفي الأسـبـوع الماضي ذهب أبو يحيى من حارة السعـدية في مدينة القدس القديمة ،
إلى المسجد الأقـصى لاداء صلاة الجمعة التي كان يحرص على أداءها ،
في الحرم القدسي الشريف منذ أكثر من نصف قرن.

وفي الزقاق المؤدي إلى المسجد شاهـد قوات الاحتلال الصهيونية ،
تطلق النار على أطفال الحجارة.
وعلى الرغم من أنه جاوز السبعـين ، فقد أمسك حجراً بقبضته ،
ورمى به إلى وجه جندي صهيوني ،
جاء يؤكد خرافة التاريخ على أرض فـلسطين .

إبراهيم أحمد برقان ، اكبر رامي حجارة فلسطيني وأكبر الشهداء سنا ،
قرر أن لا يذهب إلى المسجد الأقـصى لأداء صلاة الجمعة ،
بل قـرَّرالالتحاق بالمتظاهرين من أحفاده ،
مصوباً عينيه إلى أول حجر ليعيد الأمل إلى أمة في طور الانقـراض ،
فطرزه الرصاص … ليلقى وجه ربه على أبواب الأقـصى ،
مضمخاً بدمه ثرى الوطن ومكـللا بالغار…

أبا يحيى ،
أيها الشيخ الفلسطيني حتى النخاع ،
إن أطفال الحجارة هم مستقبل هـذه الامة…
لقد رفعـوا رؤوسنا المطأطأة…
إنهم عـمـرنا الذي ضاع في المنافي والمعـتقلات …
وداعا ، أبا يحيى ، لك الغـار والنـدى …
فالأشجار تموت واقـفـة!

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *