أحــلام … وكـوابيس!

latifa_aldlimy

الدكتور عبد القادر حسين ياسين

 

رأيت في ما يرى الصاحي بلاداً محكومة بالعـدل ،
لا يشعر فيها المواطن بالخوف، ولا يتلمس عنقه كل صباح،
ولا يرتجف حين ينظر إلى وجهه في المرآة أول مرَّة…

وحلمت بكرسي المسؤولية مصنوعاً من الخشب الخشن ،
وفي وسطه “خازوق” كي لا يرتاح عليه المسؤول طويلاً …
ويتخلى عنه راضياً لغـيره، فـتـدار المسؤولية بين أفـراد الشعـب ،
كما تدار “الـجـوزة” بين الحشَّــاشين…

وحلمت أن السياط تحولت إلى “مذبات” حريرية ،
تنش عن جلود المواطنين المتعبين الذباب والحر،
وأن السجون خرجت من تحت الأرض ،
وأصبحت فنادق “خمس نجوم” لا فنادق “خمس نجوم الظهر”.

وحلمت أن القـطط “تصالحت مع العـصافير” ،
مع الاعـتـذار للروائي السوري زكريا تـامر ،
وكفـَّت عن أكل لحمها ، واكتفت بالحليب و الخبز…
وأن البيوت أصبحت نوافـذ، لا جدرانا فيها نوافذ،
وأن المشانق أصبحت أعمدة للمصابيح الكهربائية .

وحـلمت أن النـفـط صار ماء يتدفق في الصحراء…
فـتستحيل مروجاً خضراً وحقولاً وبساتين ،
كي تشيح الولايات المتـحـدة الأمريكية عن العرب ،
وتتركهم في حالهم… ، ويتلاشى شبح الحرب القابع في كل بئر.

وحلمت أن نـتـنـيـاهـو قـد استحم من دماء أطفال بيت حـانون وسواهم ،
وعاد طاهراً كما خلقه ربه،
كي لا يشم “رئيس” السلطة الفلسطينية رائحة الدم على كـفـه ،
حين يصافحه (أو يـعـانقـه) … إذا تحقق السلام “الشامـل والعادل”…

وعند ذلك لن نـتـوقف كثيراً عند مقولة “الأرض مقابل السلام”،
التي لا تـخـلو من الاستجداء والذل،
لأن “سلام الشجعان” ليس مقايضة ولا متاجرة،
فالزعمـاء العرب (أدامـهـم اللـه ذخراً للـعـروبـة والاسـلام…!!) ،
سيعطوا نـتـنـيـاهـو ما يشـاء من الأرض ، من المحيط إلى الخليج،
بشرط ألا يتلمظ حين يشم رائحة دم فـلـسـطـيـني!

وحلمت أن الكاتب العربي لا يكتب وهو خائف من السلطات ،
ولا ينتظر “زوَّار الفـجـر” ،
وأن قائمة الكتب الممنوعـة لا تكون أطول من قائمة الطعـام ،
في المطاعم الفاخرة، وأن قائمة “المـُحرَّمات” و”المـُقـدَّسات” ،
لا تزيد على قائمة “البورصة” في بوركينا فاسو….
وأننا أصبحنا نحترم الكاتب لأنه “حارس الشـعـلـة” ،
ورسولنا إلى المستقبل ، ومسجل ذاكرتنا في ذاكرة التاريخ.

وحلمت أن المكتبات العامة تغـُصّ بالناس،
وأن الناس الذين لم يجـدوا كرسـياً شاغـراً فيها ،
جلسوا في الخارج يتصفـحون صحيفة أو مجلة بانتظار دورهم،
ومن أعـياه الانتظار ذهـب لحضور ندوة أو أمسية أو معـرض فـني…
ومن لم يتسن له ذلك عاد إلى بيته ،
ليتخاصم مع زوجته حول “البنيوية” و”التفكيكية” و”العولمة” و”المثاقـفـة”،
وليحل اشتباكاً بين أولاده حول مفهوم “الـتـنـاص”!!

وحلمت أنني أفـوز بالجائزة الكبرى في اليانصيب،
لا لأنـفـقـها على الفـنادق العالمية والليالي الحمراء والزرقاء ،
ولكن لكي لا أضطر للعمل في أكثر من مكان وزمان ،
فأتفرغ للقـراءة والكتابة، فلا تشـغـلني هموم الحياة عن الحياة…
ولأخصص جائزة لا ترتبط باسمي،
فأنا مهما كنت فـلـستُ أعظم من أبي الطيب المتنبي،
حـادي المأسـاة العربية الذي “مـلأ الدنيا… وشغـل الناس”،
ولذلك سأسميها جائزة المتنبي وستكون جائزة عـربية…
ولكني لن أسلم إدارتها إلى “جامعة الـدول العـربية” ،
وإلا سُرقـت أو نامت في الأدراج، …
ولن أسلمها إلى “اتحاد الكتاب العـرب” أو أي فرع من فروعه، ،
فإنها تمنح عند ذلك للمـقـربين والأقـرباء….

وحلمت أنه لا توجد في بلادنا ولا في علاقاتنا الاجتماعيـة ،
ولا في كتاباتنا السياسية ، ولا في أحلامنا “خطوط حمراء”،
فنحن لا نتجاوز إلا الإشارة الضوئية الحمراء،
فماذا لو تجاوزنا جميع الخطوط والإشارات الحمراء؟

حلمت… حلمت…
حلمت… حلمت…
حتى غـفـوت…

رأيت في ما يرى النائم كابوساً، لا أبشع ولا أفـظع ،
ولا أرهـب ولا أجـزع ولا أرعـب…
كابوساً أشبه بالجحيم، تتضرم فيه النيران ،
وتتراقـص فيه الأفاعي والشياطين،
وتصخب فيه الصرخات والأنين، وتزفـر فيه البراكين…

ورأيت “رؤوساً قـد أيـنعـت وحانَ قـطافها”…
رأيت مشانق تـتـأرجح، زنازين تتجشـأ، سيوفاً مُصلتة،
ومقصَّات تتـلمظ، خناجر في الظهور، أختاماً وأحكاماً…

ورأيت دماً راعـفـاً ، وحبراً صارخاً ،
وجوعاً كافـراً، قـلـوباً تتلوى تحت جنازير الخوف،
وبطوناً تتأوه تحت سياط الجوع ،
رمالا تتدفق كالسيول تغـمر المدن، تطمرها، تطمسها…
نجوما تحت أنقاض، شموساً معلقة كالذبائح من أقـدامها،
أحلاما تتمرغ في وحـل بترولي…
مجرة غـضـب في قـمـقـم صغير!

رأيتُ بلادي… وظِـلّ نـشـيـد!

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *