السّـيـرة الـذاتـيـة والإقـرار بـوجـود الآخـر والـمـثخـتــَلـف

latifa_aldlimy

الـدكـتور عـبـد القادر حـسين ياسين

لـم تـولِ الثقافة الفلسطينية كتابة السيرة الذاتية ،
الاهتمام الذي أولته لكتابة التاريخ. ، بل أن ما كُتب في هذا المضمار ،
أقرب إلى الوثيقة أو الشهادة التاريخية منه إلى السيرة.

وربـمـا تـعـود مثل هذه الظاهرة إلى أن الثقافة الفلسطينية ،
تُقدم من حيث المبدأ الجماعة على الفرد ،
وتُعنى بالحوادث العامة بأكثر مما تُعنى بالحوادث الخاصة والجزئية.

يضاف إلى ذلك حقيقة أن الحوادث السياسية الجسيمة ،
التي واجهها الشعب الفلسطيني، وكان لها أثر مباشر على الأفراد مجتمعين،
جعل الأمر الشخصي ملحقاً بالأمر العام ،
والخبرة الشخصية مظهراً من مظاهر الخبرة الجمعـيـة.

ويـبـدو أن الـعـديد من الكتّاب الفـلسطينيين أذعـنوا إلى هذه الحقـيـقـة،
فأحجموا عن كتابة السيرة أو توسلوا كتابتها ،
باعتبارها محض شهادة على حياة الشعب الفلسطيني.
غير أن ذلك لم يحل دون ظهور محاولات إسـتـثـنـائية ،
مثل “رحلة جبلية” للشـاعـرة الفلسطينية فـدوى طوقان ،
و”الجمر والرماد” لهشام شرابي ، و”خـارج المـكـان” لإدوارد سعيد،
تجاوزت هذه الحقيقة وإن لم تُنكرها.

وعلى ما يتضح من هذه اللائحة القصيرة فان الفضل ، في ظهور نصوص كهذه ،
يعود الى ان أصحابها ليسوا من قـلـب المؤسسة السياسية الفلسطينية،
وإنما من أطرافها وخارجها.
فهم وإن اتخذوا من حقيقة المواجهة السياسية أو المنفى والتشرد منطلقاً للسرد،
فإنهم لم يركنوا إلى المسلّمات الـعـقـائـديـة الطابع للحركات السياسية الفلسطينية.
وهذا ما أتاح للخبرة الذاتية أن تظهر على الملأ ،
حتى وإن كان هذا الظهور وثيق الصلة بالحوادث والخبرة السياسية العامة.

والى هذا النوع من النصوص ينتمي كتاب غـادة الكرمي “في البحث عن فاطمة” ،
الصادر بالانجليزية عن دار Verso في لـنـدن.
وإذ تدوّن الكرمي سيرتها الذاتية،
فان الإحالة على التاريخ السياسي الفلسطيني أمر لا مناص منه.

تستهل الكاتبة السرد من حادثة نزوح أهلها عن قـريتـهـم في شهر أيار عام 1948.
ومثل هذا المستهل يدل على أن الكاتبة ترى إلى تلك اللحظة ،
باعتبارها لحظة الانهيار التام والتفتت التي ستحكم حياتها ،
وحياة ذويها والفلسطينيين عموماً ممن وقعوا ضحية المصير نفسه.

ولا غرابة في ذلك فان أشكال الإقامة التي خبرتها بعد ذلك،
سواء أكانت قصيرة أم مديدة، احتكمت إلى وعي بأنها أوضاع مؤقتة ،
لن تدوم أطول ما تقتضي ظروف العودة ،
إلى ما قبل ذلك اليوم من أيـار عام 1948، واستئناف الحياة السابقة.

ففي أريحـا، حيث لجأت العائلة، مقيمة في خيـمـة صغيرة،
كانت جلّ مظاهر هذه الإقامة تشي بالمؤقت وجوّ ترقب لحظة العودة الوشيكة،
على ما انعـقـد الرجاء. من هنا كان إصرار والدة المؤلفة، مثلاً،
على الاكتفاء بالقليل والمؤقت من المقومات المنزلية،
وان ليس من قبيل اليقين بإمكانية العودة،
فعلى الأقل من قبيل رفض الإقرار باستحالتها.

وفي نزوع إلى الصراحة غير معهود في الكتابة العربية،
تعـتـرف المؤلـفة أن أمـل العودة أمسى مع انقضاء الأعـوام والعقود ،
أشبه بدفع لإحساس بالذنب تجاه حقيقة الاندماج التدريجي، والجزئي،
في نمط من الحياة الجديدة والبديلة.

وتـُحيلنا المؤلـفة إلى الحوادث السياسية البارزة في التاريخ الفلسطيني،
بدءاً من الإضطرابات السابقة على حرب عام 1948 ،
وحتى اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى في كانون الأول عـام 1987.
بـيـد أنَّ هذه الإحالة لا تعـني أن الكرمي تـتـولى وظيفة المؤرخة.
وهي إن عـمـدت في مرات قليلة إلى تزويد القارىء بما يشبه الخلفـية التاريخـية،
فهذا على الأرجح لأن السيرة ، المكتوبة بلغة إنجليزية جميلـة وراقـيـة ،
تخاطب بالأصل قارئاً إنجليزيا قد يجهل الحوادث المعـنية،
أو، وما هـو أدهى، قد يعـيها من خلال مصادر أغـلبها اسرائيلية الانحياز.
فالخبرة الذاتية تبقى المصدر الرئيسي للسرد، خاصة وان الخبرة المعـنية ،
لا تـقـتـصر فـقـط على ما شهدته الكاتبة نفسها،
وإنما يشمل ما خبره وكابده المحيطون بها،
وما وصل إلى مسامعها بشكل أو بآخر.

وهي إذا ما تناولت الأمور الخاصة بالقدر ذاته من الصراحة ،
التي تتناول فيه الأمور العامة، فان الكياسة، من جهة أخرى،
تحضها على منح كل خط من خطوط هذه السيرة حيزاً مكافئاً لما يسبقه أو يليه.
فلا تـقـتـصد الكاتبة في الكلام عـما واجهته من مواقف زملاء وزميلات،
عـلم وعـمل، من انحياز تلقائي إلى إسرائيل.

ومثل هذا الحرص على التوازن السرديّ تلقاه واضحاً ،
في أحجام الحصص المنسوبة إلى كل حقبة وخط من خطوط السيرة،
ولكن أيضا في توزيع أقسام الكتاب نفسه.
فالقسم الذي يدور في العالم العـربي مساوٍ أو يكاد للقسم الذي يدور في بريطانيا،
وبما يُسفر في النهاية عن نصيب متكافىء لكل من الماضي والحاضر،
الاجتماعي والسياسي، الشخصي والعام.

وقد يُعزى هذا الحرص إلى تنوّع خبرات المؤلفة وثرائها،
غير أننا نعلم بأن هناك العديد من النصوص، العربية والفلسطينية،
تنطلق من مجموعة متباينة من الخبرات الثرية،
ومع ذلك فإنها تُخفق في مراعاة التوازن الذي يمليه الاختلاف والثراء.
وما هذا إلا لأن هذه النصوص قد أُخضعـت منذ البدء ،
إلى جملة من الفرضيات الأيديولوجية الصارمة ،
مما يودي بمظاهر الاختلاف لصالح سرد خيطيّ متصل لا انقطاع فيه ولا استطراد.

وبخلاف نصوص كهذه، فإن “في البحث عن فاطمة” ،
يمضي متخـفـفـاً من عـبء الفرضيات الأيديولوجية الضيقة،
وبما يـتـيـح له الاستجابة إلى ضمّ المتـعـدد ،
أو على الأقل الإقرار بالمختلف وغير المعهود.

وهي على مدى صفحات هذه السيرة تُخلِص لمثل هذا الضرب،
من الوعي بالآخرين، ومن خلال التوكيد على الدور الذي لعـبته صداقتها ،
لأفـراد يهود وإسرائيليين خاصة في حقل النشاط السياسي في سبيل الحقـوق الفلسطينية.

وبذلك فان الاستجابة لمثل هذا الوعـي تعـود على الكاتبة بمكافأة كبيرة،
فهي تمّكنها أولا من إنتاج معـنى سياسي ضئيل الحضور في الأدبيات الفلسطينية.
فالمعنى السياسي المتولد عن هذا السرد كونيّ الطموح ،
من حيث إقـراره بوجود الآخـر والمختلف.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *