جَـسْر الهُـوِّة بين السُلـطة والمُجـتـَمَـع!

latifa_aldlimy

الدكتور عبد القادر حسين ياسين

 

في رسالة وجهها فاتسلاف هافـل في الثامن من نيسان عام 1975 الى رئيس دولته غـوستاف هوساك طرح الكاتب المسرحي التشيكي على رئيسه السؤال الآتي : “لماذا يسلك الناس في بلادنـا كما يسلكون ؟ لماذا يعملون كل ما من شأنه أن يوحي إجمالاً بهذا الشعور الغالب بأن مجتمعنا متحد تماماً ، ويؤيد حكومته تأييداً تاماً ؟” وأجـاب الكاتب المسرحي التشيكي على سؤالـه بنفسـه : ” إن الجواب واضح لكل مراقـب نزيه : إن الدافع لهذا السلوك هو ما يعـتريهم من خوف .”

بعد خمسة عشر عـامـاً من تاريخ كتابة هذه الرسالة انزاح “جدار الخوف” الرابض على أفئدة شعوب أوروبا الشرقية ، وسقط معه وبفضله جدار برلين ، وطويت صفحة الأنظمة الشمولية التي هيمنت على تلك المنطقة من العالم قرابة نصف قرن من الزمن .

في العـالم العـربي اليوم لا يزال الخوف الحاضر الأكبر في علاقة الناس بالسلطة ، و في علاقتهم ببعضهم البعض ، فالمسؤول يخاف رئيسه الأعلى ، والموظف زميله ، والطالب صديقه ، والأستاذ طالبه و الأخ أخاه . والجميع يخافون السلطة و أجهزتها القمعـية التي تتدخل في أدق تفاصيل حياتهم المهنية والاجتماعية والشخصية . ولا يزال الخوف جاثماً على الصدور ،ولا تزال تتولد عنه طقوس من الطاعة والاذعان يعرف القيمون عليها والمشاركون فيها زيفها وبطلانها . فكيف يمكن للمواطن المصري أن يصدق عفوية “المسيرات الشعبية الضخمة” التي خرجت الى شوارع القـاهرة لـ “تبـايع” الرئيس المصري عـبـد الفـتـاح السـيـسي ، و “تتمنى عليـه” أن يوافق على تمـديد فترة رئاسـته ؟

لا أحد في العـالم العـربي يصدق هذه المسرحية التي عنوانها تركيع الشعب ، غير أن القائمين على شؤون الحكم يريدون للجميع بمن فيهم أنفسهم الاستمرار في لعب أدوار تخطاها الزمن.
و إذا كان مجيء العسكر الى السلطة قد أدخل مبدأ “حكم الحزب الواحد” الى النظام الجمهوري ، فإن أسس هذا النظام أضحت مهددة بالكامل ، بل هي مهيئة لأن يتحول الحكم فيها الى حكم أسرة بسبب عملية التوريث .
إن من حق الشعوب العربية اليوم أن تناضل للـتمتع بحياة ديموقراطية حقيقية ، بدلاً من “ديموقراطية” رفع الأيدي والتصويت بالإجماع والمبايعة، وهي قادرة على استعادة ماضيها وصون ذاكرتها وأن تحي حياة حرة كريمة .

في الخمسينات من القرن الماضي ، عنـدما كان في العـالم العـربي حياة ديموقراطية ، وتعددية سياسية ، وصحافة حرة ، تمكن “حزب البعث العربي الاشتراكي” من أن يوصل سبعة عشر نائباً من أعضائه الى البرلمان السوري ، وانتخب النواب السوريون أكرم الحوراني رئيساً للبرلمان . كان هـذا قبل سبعين عـامـاً… أما الآن فـقـد فـَقـَـدَ هذا الحزب الذي يبلغ عدد أعضائه مليون و نصف مليون أي دور قيادي في حياة العـالم العـربي السياسية . وكذلك الحال بالنسبة لـ “حزب التجمع الدستوري الديموقراطي” في تونس ، و “الحزب الوطني الديموقراطي” في مصر.

إن هذا العدد الضخم من الأعـضاء لم تعد له علاقة فعلية مع التنظيم ، سوى دفع الاشتراكات وتلبية الدعـوات حين تدعو الحاجة اليه . لقد تحولت هذا الأحزاب الى مجرد أداة في يد السلطة ، تأتمر بمشيئتها وتنفذ ما تريد . إن هذا العدد الضخم من المنتسبين يذكرنا بالملايين العشرة التي كان يزخر بها الحزب الشيوعي السوفييتي ، والتي تبعثرت أيما تبعثر حين بدأ النظام السوفييتي يترنح قبيل سقوطه . فلم تكن لها أي فاعـلية للدفاع عن هذا النظام .

أمـا أحزاب المعارضة فـقـد ضعـفـت فاعـليتها السياسية والاجتماعية ، بسبب سياسة القمع والإقـصاء والملاحقة. لقد استطاعت الأنظمـة العربية ، في المحصلة النهـائية ،أن تحقق هدفها في ابعاد المجتمع المـدني وقواه الحية عن الحياة السياسية .

أزمة المعـارضة العـربـيـة

بعد نجاح حركات التحرر الوطني التي كانت تقوم على جبهة وطنية عريضة من إسلاميين وقوميين وماركسيين وليبراليين ، استأثر بالحكم فصيل واحد من القوميين أو الليبراليين، واستبعد جناحي المعارضة الرئيسيين، الإسلامية والماركسية، الإخوان والشيوعيون. ولم تستطع الفصائل المستبعـدة الدفاع عن حرية الفرد ، وديموقراطية الحكم أثناء عنفـوان الدولة الوطنية وهي تنازع الاستعمار في الخارج، وتبني الدولة في الداخل، وتضع قواعـد النظام الاشتراكي، وتقوم بخطط للتنمية والتصنيع. بل إن بعض هـذه الفصائل أصبحت جزءا من النظام الحاكم ما دام يحقق مشروعا قوميا ، وفي معظم الأحيان برَّرت قراراته.

فـقـد أعلن الشيوعيون المصريون ، على سبيل المثال ، عن حلّ حزبهم، وانضم الشيوعـيون السوريون الى “الجبهة الوطنية والتقدمية” ، وانتشروا في أجهزة الدولة ومؤسساتها الثقافية والإعلامية والاقتصادية ، وأصبح “الزعيم” يجسد بشخصه مصالح الشعب؛ يستمد سلطته من نفسه أولا، ومن أجهزة الأمن ثانيا، ومن تجسيده لمصالح الجماهير ثالثا. ولا يتعلق الأمر بمصر وسوريا وحدهما بل يمتد أيضا إلي باقي أرجاء العالم العربي.

المعارضة ونـظـام الحـكـم

أزمة المعارضة العربية إذن هي في علاقتها بنظم الحكم أولا. إذا عملت في إطار الشرعـية ابتلعها النظام، وأصبحت جزءا منه، تتحمل أخطاءه، وتجمِّل واجهته. وإذا عملت في إطار اللاشرعية أصبحت خارجة علي القانون، تدبر المؤامرات لقلب نظام الحكم، وتقوم بالاغتيالات، وتستعمل السلاح، وتمارس العنف. وفي كلتا الحالتين عينها على السلطة والوصول إلي الحكم . فانعزلت عن الشعب، وظلت أحزابا نخبوية، لا تنزل إلى الشارع إلا بأمر وزارة الداخلية. إذا سمحت لها الوزارة نزلت؛ وإذا لم تسمح بقت في مراكزها، شقق في وسط المدينة، تحاصرها قوات الأمن في مداخلها وعلي نواصي الطرقات، وتتجسس على ما يجري داخلها بأجهزة التصنت الحديثة.

وفي الانتخابات غير المتكافئة بين أحزاب المعارضة والحزب الحاكم ، وعبر النتائج المزورة لا تدخل من أحزاب المعارضة في الحكم إلا النسبة التي يسمح بها النظام، حتى تظل الأغلبية المطلقة للحزب الحاكم . له رئاسة كل اللجان البرلمانية، وله حق الصدارة في أجهزة الإعلام.

المعارضة الثقافية

من الصعب قيام معارضة شعبية بثقافة السلطة، وإلا تحولت إلى سلطة بديلة تقوم على القمع بعد أن كانت سلطة نقيضة تهدف إلى الحرية. ومن ثم لزم أولا معارضة ثقافة السلطة بثقافة المعارضة، ثقافة القمع بثقافة التحرر، ثقافة السلطان بثقافة الجماهير. وهذا عمل المثقفين والمفكرين الوطنيين القادرين على إعادة بناء الموروث الثقافي وتأسيسه على الجانب الآخر المهمـَّش والذي طواه النسيان .

إنَّ من غير المعقول في الوقت الحاضر ، والجميع يتحدث في العـالم العـربي عن التغيير والتحديث والتنميـة ، أن يستمر اختصار المجتمعات العربية بكل مشاربها السياسية وتنوعـاتهـا الفكرية في كلمتي “موافق” و “غير موافق” ، يدلي بإحداهما المواطن العربي المكبلة يداه بالخوف لاختيار مرشح وحيد لم يتضح بعد برنامجه السياسي .

إننا نعيش اليوم في العـالم العـربي أزمات عميقة ومستعـصية تراكمت خلال العقـود الأربـعـة الأخيرة ، ويعترف بها القاصي والداني ، بما في ذلك بعض أطراف السلطة ، و هي أزمات تطاول مختلف جوانب حياتنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقـافيـة ، وتهز مجتمعـاتنا هزاً عنيفاً ، و تهدد لحمتها الوطنية . إنها ، في الأساس ، أزمة أنظمة دكتاتورية قادت البلاد والناس الى هذا الوضع الكارثي . ومن غير المعقول تجاوزها باصلاحات فوقـية ، ذلك أنهـا لا يمكن أن تحل إلا في اطار اصلاح سياسي أولاً ، يكون وحده الضامن لكل اصلاح اقتصادي أو اداري أو قانوني . فالاصلاح الاقتصادي ، في غياب الإصلاح السياسي الحقيقي ، سيبقى محاولة فاشلة للقضاء على الفساد والمفسدين .

إن الإصلاح السياسي المنشود ينطلق من اقامة نظام وطني ديموقراطي يقوم على التعددية الحزبية التي تنفي مقولة “الحزب الواحد” ، كما أنه يقوم على الغاء أحكام المحاكم الاستثنائية وقانون الطوارئ ،وعلى خضوع الجميع – وأولهم القائمون على شؤون الحكم – لسيادة القانون في ظل استقلال القضاء .
كما يستدعي إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين وعودة المنفيين . إن إشاعة الديموقراطية كمبدأ ناظم للحياة السياسية والاجتماعية تسمح بحل تناقضات المجتمع بالوسائل السلمية ، وتتيح تداولاً سلمياً للسلطة ، وترسي إستقرار لا تحميه الأجهزة القمعية بل برضى الشعب الذي يجد فيه مصلحة حقيقية تحقق له الأمن والعمل والحياة الكريمة .

إن أزمة النظام العربي لا يمكن أن تـُحـَل بمعزل عن ايجاد مخارج حقيقية لأزمات البلاد . وإذا كان الاصلاح الاقتصادي لا يمكن أن يأتي دفعة واحدة بل بالتدريج ، فإنه لا بد أن يترافق ويتوازن مع الإصلاح السياسي – هذا إذا كانت لدى الأنظمـة نوايا صادقة في هذا المجال . فتحريك دولاب العمل ورفع الأجور والقضاء على البطالة وجذب رؤوس الأموال لا يمكن أن تتحقق في غياب الحرية والشفافية ومع استمرار الاحتقان و الخوف من المجهول .

إن جسّر الهوة بين السلطة و المجتمع مهمة صعبة للغاية ، ولن تتحقق إلا في إطار حل سياسي ينزل السلطة من عليائها وينزع عن رموزها صفة القداسة ، ويعيد الدولة الى المجتمع والمجتمع الى السياسة .

لكن أي أمل في التغيير في ظل الوضع الراهن يظل ضعيفا ، بسبب الإجهاض المنظم لكل تعبيرات المجتمع المدني وتشكيلاته . ومع ذلك فـإنَّ من الملح أن يكسر حاجز الخوف ، وأن يفتح باب الحوار داخل المجتمع ، وأن تتضامن الجهود لاخراج الناس من حالات الاحباط و الامتثال التي يعيشونها . ويخطئ من يتوهم أن المبادرة في هذا الاتجاه تهبط من السماء .

إن مهمة كل سياسي ونقابي ومثقف وكاتب ، بما يملكه في مجاله من رأس مال رمزي وثقل معنوي ، هي المساهمة في إخراجنا من بحر الأكاذيب الى برّ الحقيقة ، و ذلك بشتى الطرق السلمية كالنضال العلني والبيانات الموقعة والرأي الحر الفردي والجماعي .

من غير الممكن أن يبقى 400 مليون عـربي يعاملون كالقـطيع في “مملكة الصمت” ، في وقت أصبح فيه من المستحيل في عالمنا اليوم كمّ الأفواه وخنق الكلمة الحرة . وقد يتصور البعض أن النضال من أجل اقامة نظام وطني ديموقراطي بديل في ظل الأوضاع الراهنة هو نوع من أنواع التطرف ، أو شكل من أشكال محاربة طواحين هواء …

إن الواقع المعاش في كافة الدول العربية تذكرنا بحادثة من التراث العربي شبيهة بحالنا اليوم . وإن اختلفت عنها في النتائج . لما مات يزيد ابن معاوية أراد بنو أمية مبايعة ابنه معاوية الثاني وفقاً للتقليد الذي وضعه جده معاوية الأول .

استشار معاوية الثاني أستاذه عمر المقصوص ، صاحب المذهب القدري المناهض للحكم الأموي القائم باسم الحق الإلهي والمستند الى المذهب الجبري ، فقال له : “إما أن تعدل ، وإما أن تعتزل…!” ، فنظر في أمره كيف يختار ، وكيف يمكن أن يكون عادلاً إذا اختار البقاء في منصب الخلافة . فما كان منه أن اعتلى منبر المسجد و خاطب أهل دمشق قائلاً :
“إنـَّـا قد بـُلينا بكم و ابتـُليتم بنا … لا أحب أن ألقى الله بتبعاتكم ؛ أترك لكم أمر الخلافة ، فتصرفوا فيه كما تريدون …لإن كانت الخلافة مغــنـماً فـقـد أصبنا منها حقــَّـنا ،وإن كانت شراً فحسب آل أبا سفيان ما أصابوا منها .”

في الدولة الأمنية التي لا تكتشف لذاتها خصوصية، سوى خصوصية الاستبداد، وتفريخ الأوابد، وإنتاج ثقافة الخوف، لا يملك المرء سوى أن يترحم على أبي العلاء الـمـعـري ، الذي يذكر أولئك المتمجدين المتغطرسين أنصاف المتعلمين، أنصاف الأميين، بأن “يخففوا الوطء..!”، فما أديم الأرض إلا من الأجساد البشرية التي وحـَّد الموت تراتبيتها في صف واحد، وأن يترحم على الشـاعـر السـوري الراحـل نزار قباني القائل:

“حين يصير الناس في مدينة
ضفـادعا مفقوءة العيون،
فلا يثورون ولا يشكون،
ولا يـُغـَنـّون ولا يبكون،
ولا يموتون ولا يحـيون،
تحترق الغابات، والأطفال والأزهار،
تحترق الثمار،
ويصبح الإنسان في موطنه،
أذلّ من صرصار..!”

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *