ناشطة مدنية “توحد مكونات” كركوك لمحاربة فيروس “كورونا”

latifa_aldlimy

صلاح حسن بابان

لم تمر سوى دقائق قليلة على نشرها منشورٍ على صفحتها الخاصة بمواقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” طالبةً المساعدة حتى انضم العديد من الشباب والشابات في كركوك للفريق التطوّعي للناشطة المدنية نادية محمد لخياطة الكمامات وتوزيعها على الفقراء من أجل محاربة مرض “كورونا” الذي دخل المدينة مؤخراً.

نادية محمد ذات السبعة والأربعين ربيعاً، تعمل في النشاطات المدنية منذ فترة ليست قليلة وعملها في الميدان الإنساني كان حافزاً لها لخوض تجربة جديدة فانطلقت مبادرتها لإيجاد بدائل الكمامات المطلوبة بقوة في كركوك بعد إعلان السلطات المحلية في المحافظة تسجيل أربع إصابات بفيروس “كورونا” نهاية شهر شباط الماضي في المدينة لعائلتين كانتا قد زارتا إيران في وقت سابق.

لحظات ما قبل البدء
تقول نادية محمد: “بعد إعلان تسجيل عدة إصابات بفيروس كورونا في محافظة كركوك، تسائلت في داخلي عن وضع العوائل الفقيرة في التعامل مع هذا الفيروس الفتاك، وكيف يمكن مساعدتهم، مما دفعني الأمر الى اطلاق مبادرة لمساعدتهم”. وهكذا انطلقت اللمسات الاولى لواحدة من أكبر المبادرات الإنسانية لمكافحة مرض “كورونا” في مدينة كركوك.

فقد استطاعت الناشطة المدنية جمع فريق كبير من النساء والرجال ومن جميع مكونات كركوك من الكرد والعرب والتركمان والديانات الأخرى، وهذا الفريق شكل لحمة تعبر عن تنوع المدينة وتلاحمها في مواجهة التحديات المختلفة، يقول فريد الجاف وهو من أهالي المدينة: “نحتاج إلى هذا النوع من المبادرات الإنسانية لإخراج الوجه الحقيقي لكركوك وإثبات ما تمتلكه المدينة من حس وطني وروح محبة للسلام وتقديم المساعدات عندما تحين ساعتها”.

إنتاج كبير
يعمل الفريق منذ ساعات الصباح الباكر ولساعات طويلة لإنتاج عدد يصل الى 500 كمامة في اليوم. تقول نادية محمد: “مبادرتنا تكللت بالنجاح حينما شارك الشباب والشابات من مدينة كركوك في دعمها ومن دونهم ما كان لها أن ترى النور”.

وكانت مديرية الشباب والرياضة في كركوك المتمثلة بمنتدى الثقافة والفنون قد قدمت الدعم الاولي للمبادرة إلا أن إستمرارها اعتمد على جهود الفريق التطوعي حصراً.
وتضيف محمد قائلةً: “من المؤسف ان يتم استغلال الوضع من قبل بعض أصحاب الصيدليات من خلال رفع الأسعار مما صعّب شراء الكمامات من قبل جزء واسع من مواطني كركوك لاسيما سكان الأحياء والمناطق الفقيرة”.

ويتولى فريق تطوّعي متكوّن من الشباب والشابات عملية توزيع الكمامات في المناطق والأحياء الفقيرة، حيث بدأت حملتهم في مناطق الشورجة والمصلى، وهي من الأحياء الفقيرة المعروفة في كركوك.
صاحبة المبادرة تؤكد ان انتاج أكثر من 250 قطعة كمامة لايكلف سوى 25 ألف دينار عراقي وهو مبلغ ليس بالمكلف لكنها تشير الى أن غياب الدعم المالي سيصعب من عملية بهذه المبادرة، وسط وجود مخاوف من احتكارها أو سحب البساط من تحتها. كما تقول محمد.

الدور النسوي
يعتبر العنصر النسوي الأكثر فعالية في هذه المبادرة من خلال مشاركة عدد من النساء، ومن أبرز المشاركات في المبادرة سيدة مصابة بالسرطان، مما زاد من شعبية المبادرة لدى أهالي كركوك. يقول الصحفي أحمد عبد معلقاً “عندما تشارك سيدة تعاني من المرض في عدم الناس غير مصابين وتحاول العمل على حمايتهم من أمراض أخرى، هنا يكون الجانب الإنساني هو المسيطر والمعبر عن عظمة الإنسانية في تقديم الدعم لمن يحتاجه”.

وكانت نادية محمد قد تعرضت الى موجة من الانتقادات الشرسة بعد اطلاق المبادرة لاسيما وهي تعيش في مجتمع تؤثر فيه الأعراف والعادات والتقاليد الى نسبة كبيرة، إلا أن الدعم العائلي لها ساعدها في تجاوز الصعوبات التي مرّت بها.

وتعلق نادية عن امكانيات المرأة في محافظتها بالقول: ان “المرأة الكركوكية ستكون أكثر عطاءً وابداعاً اذا توفر لها الدعم الصحيح وعدم مصادرة أفكارها أو جعلها امرأة حزبية أو سياسية”.

كما استطاعت المبادرة اكتشاف مواهب كثيرة لنساء كركوك في فن الخياطة ومنهن بأعمار صغيرة مما سحبها الى مجالات تعليمية وتطويرية أخرى من الممكن الإستفادة منها لاحقاً.

وأيضاً سجل اعلامييو كركوك موقفاً مشرفاً من خلال دعم المبادرة وتغطيتها اعلامياً في وسائل الاعلام والفضائيات والوكالات الاخبارية المختلفة.

يقول فراس الحمداني، منسق الحملة التوعوية للوقاية من الفايروس في كركوك: انه أثبتت المرأة الكركوكية مرة أخرى بأن محافظتها كانت ومازالت “العراق المصغر” بوحدة مكوناتها وقومياتها وأديانها وبتكاتف أهلها من خلال عطائها اللامحدود رغم الصراعات السياسية التي حاولت تفريقها لكن النصر في النهاية كان لوحدتها.

ويضيف الحمداني انه يمكن اعتبار مبادرة الناشطة المدنية نادية محمد بمثابة “النور” التي أشرق في وقت الظلام الدامس بعد الإعلان عن تسجيل اصابات بفيروس “كورونا” في كركوك، وتكفلها بخياطة الكمامات مع فريق تطوّعي متكوّن من النساء والرجال وتوزيعها على الفقراء في المدينة.

كورونا يقلب المعادلة في كركوك
ورغم المآساة التي حلّت على كركوك بعد ظهور فيروس “كورونا” وتسجيل عدد من الإصابات، إلا أن الفيروس أصبح نقطة تحول في المدينة عكست روح التعايش السلمي الحقيقي بين جميع المكونات. بحسب المراسل التلفزيوني عبدالله العامري.

ويرى العامري انه “في ظل الصراعات والتوترات السياسية التي تعيشها كركوك وبصورة واضحة لاسيما خلال السنوات الماضية إلا أن أزمة كورونا قلبت المعادلة وكشفت الوجه الحقيقي للروح الوطنية بين جميع المكونات والطوائف”، مشيراً في حديثه لـ”صباح كوردستان” الى أن “مبادرة الناشطة نادية محمد جاءت بمثابة الرد الحقيقي على من كان ومازال يعتبر كركوك قنبلة موقوتة”.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *