المرأة المثقفة واشكال الأنوثة

latifa_aldlimy

المرأة المثقفة واشكال الأنوثة
بقلم: الأستاذة باشيخ أسماء

……………………………………………..
خاص بمعارج الفكر / الادب النسوي
………………………………………………

إن السيل التاريخي المتراكم عند عرضه لنموذج المرأة أو الصورة النمطية لها كثيرا ما كان ينعتها على كونها حالة من حالات محصورة بعينها اجتماعيا وثقافيا، فهي اما في صورة الزوجة الراضخة، أو في صورة الأم المضحية، أو في صورة الأخت المقهورة بمسميات يستسيغها المعجم الاجتماعي طبعا…
ليصبح لدينا أن الزوجة الراضخة التي عليها التقديم لا الطلب وعليها الاستماع لا التكلم وعليها التلبية لا المحاورة وعليها الأمية لا التعلم هي في المعجم الاجتماعي زوجة طائعة و”مرضية”! …وفي نفس الخط تكون الأم المضحية هي التي تعطي نور عيونها وكل حنوها وحميتها لأبنائها مما ينتج عن ذلك في الغالب تجرأ الأبناء عليها وعدم المسارعة لتلبية أقوالها ليُحترم الأب في المقابل لكونه يزمجر ويكشر لا يستلطف ولا يبشر فهي المهابة عنده وبحسبه وعند بني العرب جميعا!…وعن الأخت المقهورة التي يصور عنها أنها يجب أن تختفي عن بني جنسها ولا تظهر ولا تنبس بكلمة في اي مقام او مقال لكونها عورة البيت لذا وجب مواراتها عن الكل الى ان تزف لزوجها المجهول شكلا وذهنا الى اجل مسمى…
والآن ومع الثورة الحراكية بالمجتمع انقلب كل ذلك الى نمطية تلتسق أكثر شيئ “بالعلم والثقافة” هنا ظهر نمط المرأة المثقفة، مع التذكير أن هذين الأخيرين (العلم/الثقافة) كان لهما النصيب الوافر في ارساء المرأة لمكانتها وخلعها لثوب الجهل والأمية والرذوخية والمتاعية ووو…
فالمرأة المثقفة يفترض أنها امرأة ناضجة وعلى مستوى من الوعي …امرأة تنظر لمرآتها ساعة ولكتابها ساعة، امرأة لا ينحصر حديثها فقط عن موضات الزي والشعر والأحدية وعن قول الجارة وأدوار الأفلام والدراما…فهي امرأة تحدثك عن الحرب والسلم، عن النواة والطب والبنية ،و المعمار…
لكن للأسف هنا مكمن كل الاشكال…؟؟
لأنه كثيرا ما يدور الاعتقاد أن المرأة المثقفة عادة هي متجردة من أنوثتها لصالح العلم والعمل…في حين المرأة غير المثقفة امرأة متجردة من انسانيتها الوجودية! الا انه حسب البيئة العربية يكون حال غير المتعلمة احسن بكثير لكون المجتمع اساسا يخشى ان “تَفهم” المرأة خاصة اذا كانت الزوجة؟! لكونه يريد أن تبقى مستويات الجندرية على حالها وان لا تهتز مكانة الآخر “الرجل” في ظل هذا الحراك الجدري.
لذا تجده يبحث عن آليات يقدف بها كيان المثقفات بالرغم من أنه يتمتم بداخله أنه منبهر بمستوايتهن… ولكن ذلك أيضا يهز عنفوانه وكبريائه فلابد كما سبق الذكر أن لا تعلى العين على الحاجب! فأي عين وأي حاجب …
لا تستغرب هذه هي الثقافة المشرقية ثقافة حربائية تحور قوالبها لتتكيف مع أي واقع قد تتواجد فيه…
ليوضع أخيرا التعريف التالي للمرأة المثقفة :امرأة لها مستوى تقدير نفسي لذاتها وكذا لها مكانتها الاجتماعية، امرأة تريد ان تقتنع قبل ان تفعل لها مقارباتها المؤيدة والمعارضة …الا انها على الصعيد الأنثوي يراها المجتمع غير متأنثة! (بالمعنى المشرقي للكلمة).
لأن العربي اعتاد على رؤية المرأة ماثلة أمام المرآة تضع أحمر شفاهها أو قابعة في زاوية تسوي طلاء أظافرها أو في الأسواق تلاحق الأزياء ما طاب وما لم يطب أو في مواقف الاغراء والدلع…أو في مواقف الخنوع والتبعية هكذا هي الأنثى برأيهم…
إلا أن الفرق بين النمطين (المرأة المثقفة /وغير المثقفة) هو في المنظار الذي تقتبس منه رؤية الأنوثة …حيث أن غير المثقفة ترى أن الأنوثة هي تزين وتعطر وتدلع وما قارب ذلك فعلا وقولا… فللأسف نجد أن مفهوم الأنوثة عندها شكل وانتهى..
في حين المثقفة ترى أن مفهوم الأنوثة يجب أن يكون صورة ومحتوى، لهذا كثيرا ما نلاحظ أن زينة المثقفة عادة ما تكون راقية أي لها مستوى حتى في أدق التفاصيل، اضافة الى المحتوى (الجوهر) المعبر عنه بطبيعة كلماتها وحواراتها ونضجها الفكري والتواصلي …لهذا أجد أن الأنوثة الهيكلية الصورية أنوثة رعناء، والأنوثة المركزة على المحتوى دون الصورة والشكل أنوثة مترجلة…فلا الأولى تصح ولا الثانية لكونهما يجب أن يسيرا معا وجهان لذات العملة…
وهذا مرده عند المرأة المثقفة أنها تجد نفسها مسؤولة عن صورتها الاجتماعية مما يجعلها لا تتهور كثيرا في سلوكاتها (شجارها، عتابها، مجاملتها…) بل تحسب لها ألف حساب لكونها تشعر أن صفة المثقفة الملتصقة بها تدفعها أن تكون أرفع في انتقاءاتها على جميع المستويات حتى تخرج من دائرة تلك الانتقاءات الجوفاء….
الا أن مربط الاشكال الذي يلاحقنا أن الثقافة المشرقية لم تعتد على هاته الصورة من المرأة بل اعتادت على الصورة الأولى (المرأة الصورة دون محتوى) اعتادت أن ترى الأنثى بهكذا وصف مما جعلها ترى المثقفة بأنها مجردة من أنوثتها أو مترجلة فقط لكونها ترى بد أن تقسم وقتها بين مرأة الوجه ومرآة العقل…
معدور هو العربي الذي تربى على المرأة الصورة لا المرأة المحتوى هاته الفكرة التي يطال تأثيرها الى كل المجالات المرتبطة بالمرأة اي كل المجالات التي تطرح كيان المرأة كطرف للنقاش كالعمل والزواج والعلم وووو أين نجد الكل يتهجم عليها ليس لأنه لا يريدها كذلك وفي ذلك المستوى، بل إشكاله أنه يراها في مكانة ونتيجة لم يتربى عليها في بدويته! فيتخذ موقف الرافض أو المتحفظ حتى وان كان في أحيان كثيرة يتعارض ومنطق دينه الذي يتغنى به، هذا الدين الذي يدعم المرأة في كل ما جانب المحذور…
الا أننا كما نعلم يبقى المقدس الديني يختلف كثيرااا عن المقدس المتدين وفرقهما نابع من اختلاف الدين عن التدين وشتان بين الدلالتين بالرغم من أننا نعاركهما خبط عشواء مما يجعلنا نعرج في كل مساراتنا على اختلافها ليس المرتبطة بالمرأة فقط…
ملاحظة: ليس كل متعلم مثقف، لكون المثقف هو من ملك العلم اضافة الى حنكة ممارسته والمقصود بالمقال المثقفة لا المتعلمة وشتان بين النعتين.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *