انعطافات سينمائية في الفيلم العراقي

حسين السلمان

تعد مرحلة السبعينيات من المحطات الانعطافية في حركة الفيلم السينمائي العراقي . فهذه المرحلة تميزت بسمات جديدة استطاعت ان تنقل الفيلم العراقي من محدودية التفكير الى خوض غمار عوالم جديدة ، كما وفتحت مجالات رحبة امام الاختصاصات الاخرى مثل المونتاج والاضاءة والصوت والطبع والتحميض .
ويمكن ان نشير الى عملية ابداعية اخرى الا و هي التمثيل الذي من خلاله استطاع الممثل العراقي الابتعاد تدريجيا عن اساليب وطرق التمثيل المسرحي واخذ يتعامل بحذر دقيق مع الكاميرا ومتطلبات العمل السينمائي، محافظا على استمرارية الحركة في المشهد وملاحظة جميعالاحتياجات التي تتعلق بالازياء والاكسسوارات وما نطلق عليه تسمية الراكورات، لذا كانت هذه المرحلة مختبرا مهما للممثل ليخوض تجربة جديدة اكسبته الكثير من المهارات السينمائية اضافة الى مهاراته المسرحية.
رافق هذه المرحلة العديد من التحركات السينمائية المحلية منها والعربية. فظهور(جماعة السينما البديلة) في مصر، التي كان لها التاثير الكبير في تحولات الفيلم العربي. ولقد كان اقتراب العديد من السينمائيين العراقيين (قاسم حول، قيس الزبيدي، فيصل الياسري )من هذه الحركة الفاعلة، كما كان لانعقاد مهرجان دمشق السينمائي الاول  تاثير كبير على حركة الفيلم العراقي،الذي اعطاه زخما قويا حيث حصد العديد من الجوائز، نذكر منها جائزة النقاد للفيلم القصير( الزيارة) لقيس الزبيدي، كما حصل المخرج نفسه على شهادة تقديرية عن فيلمه( بعيدا عن الوطن). واما داخليا فقد قامت المؤسسة العامة للسينما والمسرح باستيراد العديد من الاجهزة والمعدات السينمائية الحديثة، كما واخذت المؤسسة ، وهي الجهة الحكومية الرئيسة لانتاج الافلام، بوضع خطط جديدة لانتاج افلام روائية ،بدأتها بفيلم ( الظامئون) حيث قام ثامر مهدي بوضع سيناريو عن رواية بالاسم نفسه للكاتب العراقي عبد الرزاق المطلبي، والفيلم من اخرج محمد شكري جميل .تمثيل خليل شوقي، ناهدة الرماح، فوزية عارف، سعدي يونس، سامي قفطان، مي شوقي. وقد تضافرت جهود وطاقات كادر فني متقدم حيث كتب الحوار خليل شوقي والموسيقى جميل بشير ومدير التصوير عبد اللطيف صالح والمصور حاتم حسين. وجاءت بعد هذا الفيلم مجموعة متقدمة من الافلام مثل(بيوت في ذلك الزقاق)عن قصة جاسم المطير سيناريو وحوار قاسم حول ، شارك في التمثيل سعدية الزيدي، عبد الجبار كاظم، مكي البدري، عبد المطلب السنيد، طعمة التميمي. مدير التصوير حاتم حسين، كما قدم فيلم(الاسوار) وهو مقتبس عن رواية ( القمر والاسوار) لعبد الرحمن مجيد الربيعي. سيناريو الكاتب المصري صبري موسى وحوار موفق محمد تمثيل طعمة التميمي، سامي عبد الحميد، سامي قفطان، ابراهيم جلال، سليمة خضير.مدير التصوير حاتم حسين واخراج محمد شكري جميل وقد حصل الفيلم على الجائزة الاولى(سيف دمشق الذهبي) من مهرجان دمشق السينمائي الاول.
تميزت هذه المرحلة بالتلون الجميل الذي ساد الافلام سواء عبر مواضيعها القصصية اوعبر المعالجات الاخراجية التي اعتمدتها تلك الافلام، على الرغم من عدم ارتقائها الى المستوى الذي يطمح اليه السينمائي العراقي.
ومن حصيلة هذا الجهد الكبير استطيع القول ان السينمائي عندنا امتلك الرؤية الواضحة لمسيرة عمله الفكري والمهني. وهذا ماتجسد في بعض من تلك الافلام التي ظهرت بعد النصف الاول من السبعينيات متمثلة بفيلم( بيوت في ذلك الزقاق) لقاسم حول. ان هذا الفيلم، على الرغم من التدخلات السافرة بحقه والتي سنتناولها في بحثنا هذا لاحقا، امتلك من وضوح الرؤية الفكرية ما جعله يتبوأ مكانة خاصة في تاريخ الفيلم العراقي، فضلا عن هذا الفيلم هناك مجموعة من الافلام المتوازنة في عطائها مثل فيلم (المنعطف) لجعفر علي وهو اعداد عن رواية (خمسة اصوات) للروائي العراقي الكبير (غائب طعمة فرمان) تمثيل يوسف العاني، سميرة اسعد، طعمة التميمي،سامي عبد الحميد. وقد شارك الفيلم في مهرجان موسكو السينمائي التاسع عام1975.
من الضروري الاشارة الى ان افلام هذه المرحلة جاءت اعدادا او اقتباسا عن نتاجات ادبية عراقية , وهذه سمة قديمة ـ جديدة من سمات الفيلم العراقي، الذي اخذ بالانفتاح على الانجاز الادبي والتعامل معه بدقة ونقله الى شكل فني اخر له صفاته وطرائقه التي تختلف في مواقع كثيرة عن النص الادبي.
ان هذه الظاهرة اعطت دفقا حيويا لمسيرة حركة الفيلم العراقي، كما انها كانت تجربة ناجحة ومثمرة افاد منها السينما اكثر مما استفاد منها الادب العراقي الروائي والقصصي.
ومن المظاهر الايجابية التي اتسمت بها هذا المرحلة هو النشاط الدؤوب للفيلم التسجيلي الذي اكد قدراته وامكانياته في تناول العديد من الموضوعات المهمة التي تشغل الواقع الاجتماعي العراقي الذي يعد معينا لاينضب من المواضيع التي تشكل مادة قيمة للفيلم التسجيلي، فاستطاع هذا النوع السينمائي المثير للجدل ان يشكل حضورا فاعلا في حركة المجتمع وحركة الفيلم العراقي على حد سواء. فالافلام التسجيلية امتازت بحيوية موضوعاتها ومدلولاتها الفكرية والفنية. وبرزت في هذا المجال افلام كثيرة مثل فيلم(الاهوار) لقاسم حول، وفيلم(بكاديرا) لعبد الهادي الراوي، فضلا عن مجموعة افلام لعباس الشلاه وطارق عبد الكريم وفكتور حداد وصاحب حداد، وكان من ثمار حهود التسجيلي العراقي وبمقترح منه انعقد مؤتمر اتحاد التسجيليين العرب في بغداد، كما ان انعقاد مهرجان افلام وبرامج فلسطين هو الاخر منجز من منجزات السينمائي العراقي.
من الضروري هنا الاشارة الى حضور هذا المهرجان شخصيات سينمائية كبيرة ونخص بالذكر المخرج الايطالي الكبير مؤسس الواقعية الايطالية الجديدة (روسلليني)الذي اطلع مبهورا على ما موجود من معدات سينمائية، واذكر قوله عندما شاهد الموفيولات السينمائية , وهي صناعة ايطالية ، حيث قال انتم تعملون باجهزة حديثة وانا لم ازل اعمل باجهزة تعود الى الستينيات.ومن مطالب التسجيلي تفعيل دور النقد السينمائي واثارة موضوع نوادي السينما واخر الجهود فتح فرع السينما في معهد الفنون الجميلة.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد