العلمانيّة والمواطنة


عدي حاتم

ما يؤسف له حقا هو أن العراق كان مسرحا لإعادة تطبيق تجارب إيديولوجية فاشلة تم استنساخها من دول المنطقة خلال العقود الستة الماضية ، واليوم هناك محاولات حثيثة لتطبيق التجربة الإيرانية في فرض الدين على طريقة الحكم ،  لكن المشكلة التي ستواجه هؤلاء هي أي دين وأي مذهب سيتم تطبيقه لاسيما وأن حتى أتباع المذهب الواحد وفقهاءه يختلفون في الرؤى وتفسير النصوص وفي فهمهم للدين الذي يعتنقونه .

ثم أن تطبيق أي نظرية دينية معناه إلغاء أتباع الديانات الأخرى ومحو مفهوم المواطنة لأن التعامل مع الناس سيتم على أساس مرجعيتهم الدينية والمذهبية وهذا سيحول البلاد إلى كانتونات طائفية ودينية معزولة الواحدة عن الأخرى ، كل كانتون يريد تطبيق ما يؤمن به من نصوص دينية، وبالتالي ستكون هناك دولة طوائف متناحرة وضعيفة ينخرها الصراع والاقتتال الطائفي والعرقي وتنمو فيها التدخلات الخارجية بذريعة توفير الحماية لهذه الطائفة أو تلك.  فرض الدين على الناس لن يولد الإيمان بل سيولد أجيالا من المنافقين والمتمردين والحاقدين على الدين، أما الإيمان فيأتي من الحوار والقناعة وليس من القمع وفرض التدين كما يحصل حاليا في إيران والسعودية الذي ولد ردة فعل معاكسة ومعادية للدين إذ تشير تقارير المنظمات المتخصصة الى أن هذين المجتمعين هما الأكثر جنوحا نحو الشذوذ الجنسي والأكثر استهلاكا للمخدرات والخمور وفيهما أكثر معدلات الملحدين في العالم. من المعروف أن الذين يتبنون النظرية الدينية لا يريدون خدمة الدين وإنما التجارة به واستغلاله أسوأ استغلال وتحويله كسلم للوصول إلى السلطة لان جميع الأديان لاسيما الإسلام لم يسمح لأحد بأن يكون “نائب الرب” ولم يعط لأي كان مسؤولية تطبيق الشريعة أو إكراه الناس على الدين بل ترك لهم حرية الاختيار وأغلب نصوص القرآن الكريم تؤكد ذلك  (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ) “الكهف 29” ، والعلمانية لا تعني بالضرورة اللادينية كما تدعي الأحزاب الدينية وإنما تريد الفصل بين المطلق والنسبي والغيبي والملموس والثابت والمتغير، فالدين يعتمد المطلق والغيبي والمفاهيم الثابتة ولا يعترف بالتغير الزماني والمكاني ، والعلمانية ترتكز على المفاهيم النسبية وتغير قوانينها وفقا للتغيير الحاصل في ثقافة وتفكير المجتمع  لإيجاد قوانين تواكب هذا التغيير، لذلك لا يصلح الدين في العمل السياسي أو إدارة الدولة لأن الدين شأن مطلق ومقدس لا يقبل النقد والاعتراض أو التعديل  فيما قوانين الحكم والسياسة مسألة نسبية غير مقدسة قابلة للنقد والاعتراض والتعديل.
لا يمكن أن تحكم طائفة أو دين من دون اضطهاد أديان ومذاهب أخرى، وبالتالي حدوث حالة تمايز بين المواطنين وتصنيفات طبقية من قبيل مواطن من الدرجة الأولى وآخر من الدرجة الثانية أو عدم الاعتراف بحقوق المواطنة وحرية المعتقد لأتباع الديانات الأخرى، ما يعني  ظهور صراعات ونزاعات تضع أي بلاد على فوهة البركان وتجعله في حالة اضطراب دائمة وتؤدي إلى غياب الاستقرار ومن ثم الى ضياع الوطن ، وهنا فأن علمانية الدولة هي المبدأ الوحيد الذي بإمكانه تحقيق المواطنة والمساواة ومن ثم السلم المجتمعي والاستقرار وإنهاء أي حالة للتمايز بين المواطنين ، لأنها تترك حرية الدين والمعتقد للناس ولا تتدخل به ولا تدعم ديناً على حساب آخر ولا تتعامل مع الناس على أساس خلفيتهم المذهبية أو الاثنية بل  على أساس المواطنة، العلمانية الديمقراطية لا تعني إلغاء الدين أو محاربته وقمعه وإنما هي إيجاد منظومة حكم تعتمد على مرجعية الدستور والقوانين والوضعية التي تشرع تحت مرأى ومسمع ورقابة الرأي العام وبموافقة الشعب وإجماعه عليها وقبوله بها ،وتكون هذه القوانين حياتية دنيوية بحتة جامعة للشعب وليس مفرقة له تصب في مصلحة الجميع دون تفريق بينهم بسبب الدين أو الطائفة ، كما أن العلمانية لا تمنع المتدين من الوصول للحكم ولا تسمح للملحد بقمع المتدين وإنما تفرض على الاثنين  الوقوف على مسافة واحدة من جميع الأديان والمعتقدات ، وان يكون اهتمام الحكومة وجميع مفاصلها بتقديم الخدمات الحياتية اليومية للمواطنين وتحسينها من غير  التدخل بمعتقد المواطن أو تشجيع هذا المذهب وقمع ذلك الدين . العلمانية تعتمد على معيار الكفاءة والاختصاص فقط في إدارة الدولة و تعطي فرصا متساوية للمواطنين في التعليم والصحة و العمل والحصول على الوظائف ، أما الحركات الدينية فأنها تعطي الأفضلية الى  دينها وطائفتها ، لاسيما وان كل دين يرى انه الحق المطلق وان أتباعه لهم الأفضلية في الحياة ويعطي الأجر والثواب على مساعدتهم  ويتوعد من يدعم ويساعد غيرهم  بالعقاب والعذاب الأليم ، والمصيبة ستكون أعظم إذا  كان بينه وبين دين آخر مشكلة تأريخية فأنها ستنعكس على طريق تفكير وأسلوب الإدارة للطبقة الحاكمة،وربما يدفعها للانتقام من مواطنيها المختلفين معها دينيا أو مذهبيا ثأرا للامس البعيد  وهذا ما حصل في عراق ما بعد 2003 ، وهذا ما سيستمر إن لم يتفق الجميع على علمانية ومدنية الدولة العراقية ليتم تدارك الانهيار وإلا فأننا سنضيع العراق إلى الأبد.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد