زواج المتعة: مقاربة جندرية

سوسان الياس جرجس

لسنا نبغي في هذه المقالة الموجزة الكلام عن زواج المتعة كجزء من المؤسسة الدينية الشيعية، لا من ناحية فقهية مرتبطة بالنص القرآني، ولا من ناحية تاريخية تروم التحيّز لمذهب إسلامي ضد آخر، أي بين مؤيّد مشرّع لزواج المتعة وبين معارض محرّم له. فهذا باب نزاع تطرّق له بالحجة والدليل علماء الدين من المذاهب الإسلامية المختلفة.
إنّ ما نهدف إليه في هذه المقالة هو تسليط الضوء على مؤسسة من مؤسسات الزواج التي تتعامل بتباين جندري مع كل من الجنسين المتعاقدَين في هكذا نوع من الزواج.

لا بدّ في البداية من تعريف زواج المتعة وتحديد المقصود منه.
يعتبر زواج المتعة في صيغته الراهنة، شكلاً من أشكال العقد يتفق فيه رجل (متزوج أو أعزب) وامرأة (بكر أو مطلقة أو أرملة) بصورة سرية وشفاهية في أغلب الأحوال على الزواج لفترة محدودة من الزمن، تتراوح بين ساعة وتسع وتسعين سنة. يوافق الإثنان أيضاً على مهر محدّد يدفع للعروس. وبإستثناء دفع المهر لا يلتزم الزوج “المؤقت” بدفع أي إعالة مادية لزوجته المؤقتة. ويسمح للرجل بكتابة عدة عقود من زواج المتعة في نفس الوقت، إضافة الى الزوجات الأربع “الدائمات” اللاتي يسمح بهن الشرع لكل الرجال المسلمين.

ليس زواج المتعة بالنسبة لنا سوى جزء من عدة أجزاء تشكّل بنية تصوّر ورؤية المجتمع. ليس هذا الزواج مجرّد ظاهرة مرتبطة بمتغير الدين فقط، وإنّما هي على تماس مباشر بمتغيرات إجتماعية، طبقية/ إقتصادية، سياسية، أمنية وغيرها. والأَولى من كل هذا أنّ زواج المتعة هو جزء من بنية ذكورية طالما عُرفت بعملها الدؤوب على ضبط الجنسانية الأنثوية والهيمنة عليها، وهذا المتغير بالضبط هو مكمن دراستنا.
إضافة الى ما ذكرنا، فإنّ سيرورات التثاقف والعولمة التكنولوجية أسهمت في كسر الجدار الفاصل بين الجنسين، مما عظّم الحاجة للإلتجاء الى آلية توافقية ما بين الحداثة وانفتاحها من جهة والإيديولوجيا الدينية الموروثة وشرعنتها للعلاقة بين الجنسين من جهة أخرى، فكان زواج المتعة لدى البعض أنسب تلك الآليات.
يرى بعض المجتهدون اليوم (على غرار ما قال به آية الله مرتضى مطهري في العام 1974 ضمن كتابه “الحقوق الشرعية للمرأة في الاسلام”) أنّ لزواج المتعة وظيفة سيكو- إجتماعية تخفّف تلك الإضطرابات النفسية التي قد تنتج عن التنسّك في ممارسة النشاط الجنسي إثر طول الفترة التي قد تفصل بين فترة الشباب والنضج الطبيعي.
إنّ هذا الكلام يوحي بأمرين، وهما أنّ زواج المتعة أكثر ممارسة عند العازبين منه عند المتزوجين، وأنّه مسموح ممارسته لكل من الذكور والإناث.

وعلى هذا الإعتقاد نردّ بأنّ الدراسات كما الملاحظات الميدانية تؤكّد عدداً من النقاط:
الرجال يعقدون زيجات متعة سواء كانوا عازبين أو متزوجين. ولكلٍ أسبابه طبعاً، فالطالب العازب ليس مهيئاً إجتماعياً وإقتصادياً للزواج الدائم بعد؛ أمّا الرجل المتزوج فهو يجد في زواج المتعة مشروع ليس ذي تكلفة لا مادية ولا معنوية، يخفف عنه عبء المسؤولية التي قد يرزح تحتها فيما لو قرّر أن يُعدّد زوجاته.
أغلبية النساء اللواتي يقدمن على عقد زواج متعة هنّ من المطلقات والأرامل. وهذه مسألة محمّلة بالدلالات الجندرية. فمن جهة يفرض المجتمع الذكوري على هذا الصنف من النساء حياةً هامشية، فتشعر الواحدة منهنّ بأنّ هويتها الأنثوية مهدّدة بالغياب. وهذا ما يدفعها الى قبول زواج المتعة لتلعب من جديد دور الأنثى، صاحبة السلطة الجنسية في حضرة الرجل. من جهة أخرى إنّ كون المطلقة أو الأرملة غير عذراء سلفاً يسمح لها أكثر من العازبة العذراء بالإقدام على الدخول في عقد زواج متعة، لأنّ ذلك سيقلّص أمام هذه الأخيرة الفرص المتاحة لها للزواج الدائم. إنّ في هذا دلالة على كون هذا النوع من الزواج لا يتلاءم مع بنية إجنماعية بطركية لا زالت ترمّز العذرية برموز الشرف والحياء والطهارة.

وإستناداً الى ما ورد، يكون إقبال الرجال على زواج المتعة أكبر وأسهل بكثير مما هو لدى النساء لأسباب تتعلّق بالأعراف الأجتماعية، في حين يعزوها الناس لأسباب طبيعية بيولوجية، كالقول بأنّ طبيعة الرجل أكثر حرارة وشهوانية من المرأة، وهو أمر كان معلّم الفلسفة “أرسطو” قد أسّس لبنيانه الجندري بإمتدادات جنسية.
يحاط زواج المتعة لدى النساء بالكثير من السرية لما يستتبعه من أحكام قيمية سلبية بحق المرأة، في حين يصرّح الرجال بعلاقاتهم لا بل ويعتبرونها فرصة للتفاخر والمباهاة خاصة ضمن عالم الرجال والهيمنة الذكورية التي تتكئ على فحولة قضيبية متخيلة.

قد يقول البعض أن زواج المتعة أكبر نصير للحركات النسوية حيث أعطى المرأة (نظرياً) حق المبادرة الى العلاقة الجنسية، مقدّماً لها حلول تقدّمية تضمن حريتها الجنسية بشكل شرعي يحميها من خطر الفساد والإنحلال.
في مقابل هكذا تبريرات جندرية واهية قد يقدّمها البعض، نرى أنفسنا ملزمين بالتساؤل:
زواج المتعة!! إسم يحمل دلالاته البيّنة! إنّها المتعة الجنسية!
أتراها متعة مَن مِن الجنسين ؟؟ هل ستكون الزوجة “المؤقتة” هنا شريكة في الفراش والمتعة؟ ألن تقدّم حقه على حقها كما هو معهود في الأدبيات الدينية؟ أيسمح زواج المتعة (الجنس المدفوع الأجر) للمرأة بأن تمتنع عن الفراش ولو لليلة (أياً تكن الأسباب النفسية أو الجسدية للمرأة)!! هل صحيح ما يُروّج له من أن المرأة في زواج المتعة تكون مبادرة غالباً الى طلب تلك العلاقة؟؟ متى تبادر؟؟ وكيف؟؟ ولماذا؟؟ ومن هو الشخص الذي قد تبادر إليه بذلك الطلب؟؟ أيمكن أن تنتقل المبادرة المحتكرة ذكورياً الى الإناث عند حدود الرغبة؟؟ أي رغبة تلك التي تتحقق في ظل تشييء الجسد وتسليعه (الجنس مقابل المال)؟؟ أي إشباع جنسي سيتحقق في غياب علاقة جنسية متوّجة بالحب ومهددة بالفناء؟؟ أيعقل أن ندّعي حضور الحب ونحن قد سبق أنّ حددنا إطار العلاقة زمانياً ومكانياً؟؟ (كأن أقول لفلانة أنا سأحبك في منطقة معينة دون غيرها من لبنان، ابتداء من شهر ايلول حتى شهر تشرين الأول!!!)

إنّ هذه ليست أسئلة استفهامية “موضوعية” وإنّما هي استنكار”ذاتي” يرى أنّ زواج المتعة (بغضّ النظر عن رأينا الشخصي بمقدماته ونتائجه) مؤسسة جندرية تمنح الرجل حقاً إضافياً في تسليع المرأة واستملاكها.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

  1. avatar
    فاضل مطشر

    تحية” للكاتبة ألإنسانة ألتي تدفقت منها كلمات نارية مزلزلة للبنية البطركية لمجتمع ذكوري فهم من أن  الحب هو  الجنس ويرى في  ألمرأة الجنس والجنس فقط ، ونظرته للحياة نظرة جنس ، حتى وصل به ألأمر إلى ألإنتقام من غيره ومن نفسه إنتقاما” جنسيا” . نحن أمام نص يحترم المشرٌع ولايتدخل بأمور مذهبية أو فقهية إنما يمثل وجهة نظر علمية سوسيو ـ ثقافية ، ولكنه أي ألنص لايحترم الدوغما ألذكورية ألفارغة التي لاترى ألآخر إلا بمنظور جنسي . إن النقد ألإجتماعي وهذا ليس تبريرا للكاتبة لايعفي تلك الممارسات من توجيه النقد إليها لأن المسألة هنا ليس من باب الحلال أو ألحرام ، أو المباح وغير ألمباح إنما هو نقد لممارسات حاولت إستغلال المساحة الفقهية المسموح بها لأمور ذاتية أو جندرية كما سمٌتها ، كما وأنه نقد أيضا” للأنثى ألإنسانة والتي هي ألأخرى تخلٌت عن تسميات كبرى تتعلق بالحب ونظرتها للحياة . يبدو ومن خلال ألنص أن هنالك صدمة نقدية موجهة بشكل عادل إلى ألأنثى وألذكر على حد سواء ….. مع الف تحية

الرد