الشخصية المحمدية على بعد الحب _الكراهية


د. سداد جواد التميمي

إهداء: كتبت هذا المقال استجابة لطلب من الزميلة الدكتورة فريدة الاعرجي

تمر هذه الايام ذكرى ميلاد الرسول الكريم. هناك من يقول ان الثاني عشر من ربيع الاول ليس يوم ميلاده و لكن تاريخ الميلاد وأثباته لا أهمية له و الاهم من ذلك ان هناك يوماً في كل عام  يراجع فيه الناس حياة و سيرة رجل عظيم .

في يومنا ترى بعض الغلاة يوصف الرسول الكريم بانه مجرد ساعي بريد أختاره رب العالمين لتبليغ رسالته. ان هذا التفكير المتصلب الخالي من العاطفة و التفكير التجريدي ما هو الا تهميش لشخص محمد(ص). أذا كان الامر كذلك فكان من اليسير على رب العالمين ان يبعث كائناً آخر، بشراً كان ام لا، لتبليغ الرسالة. عندها لا يوجد حرج و لا عناء، و تصبح الحجة قائمة على الجميع. ان اختيار الرسول الكريم للرسالة السماوية هو آشبه بمؤسسة تعليمية عالمية راقية تبحث عن طلبة موهوبين للمضي قدماً برسالة علم و معرفة لا تتوقف. ترى هذه الجامعات تختار البعض من طلبتها من عمر مبكر و تستدرجهم
الى مواقعها في مرحلة معينة. بعدها ينطلقون لتسلم قيادة علمية و معرفية. من هنا أبدا الحديث عن الرسول الكريم، فان اختياره من قبل الجامعة الالهية كان لسبب واحد لا غير: موهبة و علم و خلق و فكر لا مثيل له، و حديثي عنه يسكون خالياً من أشاره لدين و معتقد.

تطور محمد(ص) الشخصي:

اول ما يلفت النظر على تكوين الشخصية المحمدية هو طفولته. لم يرى اباه و ترعرع في حضن امه و جده و مرضعته حليمة السعدية. كان طبيعة مزاجه الطفولي Temperamentمستقر ويميل الى الدفيء.  رحلت أمه من الدنيا و هو في السادسة من عمره و تولاه جده عبد المطلب و بعد ذلك عمه ابو طالب لكن  هذا المزاج الطفولي لم يتغير طوال عمره و كان سبباً في حب القريب و البعيد له.

يمكن الجزم بان فقدان الوالدين عند الطفولة كانت سبباً في نجاح محمد(ص) في تجاوز عقد أزلية يمر بها الكثير من الناس و تراها تراودهم بين فترة و اخرى و خاصة في أوقات المحن. هذه العقد الازلية تتمثل في الموقع الفصامي Schizoid و الموقع الاكتئابي Depressive. ترى الانسان دوماً في حيرة من أمره و يتصور بان الكثير من حوله أعداء لا اصدقاء مما يدفع به للجلوس على مقعد الاكتئاب. تزداد الحيرة اكثر عندما تدرك بان من هو  عدوك حينا هو صديقك ايضا و العكس صحيح و حينها تجلس على مقعد انفصامي. يبتعد الانسان عن  هذه المقاعد التي يجلس عليها بين الحين و الاخر ،و لكن حدث معين في الحياة قد
يهز كيانه و تراه يتراجع ليجلس على احد المقعدين. هذا الامر لم يحدث مع محمد(ص) و رغم النضال المرير و عداء الكثير من العرب له فلم يكن الانتقام من طبعه و لم يفقد العزيمة لتبليغ رسالته، و لم يجلس على مقعد اكتئابي او انفصامي.

ان هذا الارتباط بشخصيات متعددة و لفترات قصيرة في حياة الطفل لم يكن لها تأثيراً سلبياً عليه كما تصور البعض، بل على العكس كان لها تأثيراً ايجابياً عليه  من زاوية البعد العاطفي Emotional Dimension في شخصيته. أصبح هذا البعد واسعاً في علاقته مع زوجته خديجة(رض) و لا أحد يعرف ان كانت هي التي اختارته ام هو الذي أختارها ام كانت هناك عاطفة حب بين الاثنين. لا شك ان محمداً لم يكن مثل بقية قومه أيامها و ذو شخصية متزنة تعرف ما معنى  الحب و كيف تحب. على ضوء ذلك يمكن الاستنتاج بان شعر بالحب اتجاه خديجة و هي الاخرى شعرت بأمواج الحب تتلاعب بعواطفها اتجاه ذلك الرجل الامين و
الوسيم.

لم تكن لمحمد علاقة جنسية او عاطفية مع أمرأه قبل لقائه بخديجة. لم يكن زواجه منها زواجاً تقليدياً تم ترتيبه بفضل الاهل الذين يتصورون انهم مؤهلين لاختيار شريكة حياة ولدهم أو ابنتهم. محمد و خديجة في هذا الامر قدوة للجميع، و ان كان الجميع يتحدثون عن الالتزام بالسنة النبوية فعليهم ان يتركوا جانباً  طرق زواج قسرية تمارس اليوم بأبشع صورها شرقاً و غرباً ضمن الطوائف الاسلامية و مجحفة بكل معنى الكلمة بحق المرأة.  قد يقول البعض ان فقدان الجذور الحضارية لمجموعة بشرية تجربة مريرة تدفع البعض  الى توجه ديني و عنيف يعارض و يكره الجميع في سبيل تحرير الذات
المحاصرة. هذه مقولة اهل الاسلام لتبرير الكثير من التصرفات، و لكن في هذا المجال ان كان الحديث عن الالتزام الديني فهذه هي السيرة النبوية: حب و زواج و بداية للمسير في طريق الكفاح و بناء المستقبل سوية، و ليس وضع قيود جديدة تزيد النفس المحاصرة حصاراً.

توجه الرسول الكريم ليبدأ حياته الزوجية مع حبيبته و زوجته. هناك توفر له ذلك المكان الخاص به الذي وجد فيه الارتباط العاطفي والوعاء الذي يحمي الانسان من عواصف الزمن.  أن الانسان ليبدع يحتاج الى مهلة و حدث ذلك للرسول الكريم في هذه المرحلة :
1 مهلة من المجتمع و بدأ يستوعب الفساد و الظلم الاجتماعي في المجتمع المكي.
2 مهلة من الحياة للأبداع  الفكري و العقلي و العملي أوقات لجوئه لغار حراء.
كان تطوير الذات المحمدية عملية طويلة و شاقة و لم تحدث بين يوم و ضحاها. أثناء هذا كله استمر على علاقته الدافئة مع زوجته و أطفاله بل و جميع الناس. هذه العملية نسميها اليوم عملية تنمية شخصية Personal Development، و بعدها تهيأ الرسول الكريم ليبدأ عملية التغيير الاجتماعي.

الرسالة المحمدية:
ثلاثة و عشرون عاماً، انتهت بوفاته يوم الثامن من حزيران عام 632، قضاها محمدا يبلغ رسالته و يطور مجتمع لا وجود للعدالة الاجتماعية فيه. كان أطار الرسالة المحمدية هو العدالة الاجتماعية.  بالطبع يقول البعض بان محمد قد تم غرس Introjected الظلم و العطف  على المستضعفين في شخصيته نتيجة الحرمان  و هذا كان السبب في رسالته ذات الاطار الاشتراكي . لكن محمداً لم يكن فقيراً و تجاوز الازمات النرجسية الذي تواجه كل كائن بشري. كان شديد الحب لزوجته و انجبت منه عدة أطفال، و لا شك بان مقولة عمرها كان يقارب الأربعين عاماً عند زواجه منها لا صحة فيه و لا يتقبله العقل من قريب أو
بعيد.  كذلك الامر عند الحديث ان محمداً كان مصاباً بعقدة نقص Inferiority Complex كما يتصور البعض. لو كان مصاباً بهذه العقدة لما كان نصيراً للمستضعفين، وكان بمقدرته القضاء على اعدائه من قريش و تصفيتهم متى شاء عندما استقر الامر له، كما الحال بزعماء العالم الاسلامي في القديم و الحديث من العصور.

بدأ الرسول الكريم بنشر  دعوته متجولاً من مكان الى آخر و تعرض للإهانة الواحدة بعد الاخرى و ما أجمل دعائه حين يقول: اللهم اليك أشكو ضعف قوتي و قلة حيلتي و هواني أمري من الناس يا أرحم الراحمين. كلمات لا و جود لعاطفة الغضب فيها و ترى أطارها الحب و الصبر. كان وعائه العاطفي يحتوي على الحب، القلق، ، الحزن، الرحمة و غيرها من العواطف. كي يستطيع الانسان الاستمرار في دعوته عليه ان يضمن السيطرة على هذه العواطف او التحلي بالصبر أو عبارة علمية ادق تنظيمها و ما نسميه اليوم تنسيق او ضبط العواطف Emotional Regulation. رغم المقاطعة الشخصية و بعدها الاقتصادية ، لم يفقد الرسول
الكريم هذا الانضباط العاطفي و استمر يستعمل وظائفه الادارية Executive Functions بكل جدارة محاوراً الناس و مستمعاً لهم في كل يوم.

محمد و المجتمع المدني:
بنى محمد بفضل التوازن العاطفي و القدرة الادارية العالية ان يبني مجتمعاً مدنياً و سياسياً في يثرب في خلال عقد  من الزمن. لم يستسلم لهزيمة عسكرية في احد و دافع عن عاصمة بلده باستعماله العلم و استشارة غيره و رد الغزاة في الخندق. تهيا لغزو مكة و نجح بفضل قدراته الادارية بتحقيق انتصاره سلمياً.  و لكن ما يهمنا في هذا الامر سلوكه  في مجتمع مدني  ليس كقائد و لكن كمواطن. كانت قيادته للمجتمع هي بداية العصر الحديث لعهد المنطق Age of Reasoning  كما اشار الكثير من كتاب الغرب منذ عدة قرون.

بعد ان رحلت زوجته و حبيبته و ام اطفاله من الدنيا ، تزوج بأكثر من أمرأه بعد  الهجرة. كانت تلك الزيجات أمراً مألوفا ايامها لأسباب اجتماعية متعددة. كان الرسول الكريم كأي رجل من رجال المجتمع يتكلم مع الناس ، يمازح الاطفال، يتفاعل عاطفياً مع الاحداث باتزان و لم يتردد في الزواج من زينب بنت جحش و لم يخفي حبه لها. هذه السيرة لا تراها اليوم في اي زعيم عربي و اسلامي و أجنبي الا من اجل تصوير تلفزيوني للدعاية لا غير.

أعود هنا للإشارة الى التوازن العاطفي و القدرة الادارية في تعامله مع ام المؤمنين عائشة(رض). كان دخولها المدينة بعد ضياعها مع رجل شاب بداية لظهور الاشاعات التي ملأت المدينة المنورة ايامها. لم يكن بغفلة عن تلك الاشاعات و لكنه في عين الوقت كان في كامل السيطرة على وعائه العاطفي، و لم يستسلم لأوهام الغيرة و الشك. انتهى الامر و ثبتت براءتها، و لكن تعامله مع الشك و افكار الغيرة يكشف عن اجمل صفة من صفات شخصيته الرائعة و هي  ارتفاع عتبة سلوك ازالة التثبيط Behavioural disinhibition . اعطى مثالاً بالتريث و تحكيم العقل عند ظهور الشك كفكرة قد تتطور من وسواسية الى ذهانيه و
يتبعها سلوك لا يتصف الا بالعدوانية. لم يتكلم في الامر مع عائشة بعد ذلك و لم يتغير سلوكه معها.

من يكره محمد:
هناك الكثير من الغلاة من ينتقدون محمد( ص) و لا ترى في حديثهم الا الكراهية. ترى هؤلاء على مختلف عقائدهم ان كانت دينية او علمانية أو انسانية لا يستطيعون القبول لان لمحمد نظرة خاصة به تجاه المجتمع و الإنسانية. محمد لهؤلاء ما هو الا مجرد رجل انشق عن التيار العام لمسيرة البشرية. تراهم دوماً في معاناة و لا يستطيعون القبول و هضم الحقيقة ان في محمد كل شيء لا تملكه ذاتهم.

هذه المجموعات تراها دوماً تتحدث عن الحب و الايثار، و لكن كراهيتهم لمحمد تكشف عن حقد و كراهية  التي هي عواطف مصدرها حركة دفاع ذهانيه يكثرون من استعمالها يومياً و تتعارض مع أطار  و محتوى ما ينطقون  و يعضون بقية الناس به. الامثلة كثيرة و سأذكر ثلاثة منهم فقط .

أولهم السيد دانتي  في الكوميديا الالهية حيث لم يجد دائرة يضع فيها الرسول الكريم الا الثامنة و كانت في الجحيم. كان دانتي رجلاً يعاني من عدة اضطرابات نفسية و لم يستطع تجاوزها طوال عمره تتعلق بعلاقاته الجنسية و صراعه مع التوجه الجنسي المثلي. لم يجد يومها غير محمد ليصب غضبه على شخصية تجاوزت عقدها النفسية بدون صراعات عاطفية مع غيره من البشر. لم يستطيع القبول بان هناك رجلاً لا يعرف غير الحب.

أما الابشع من دانتي الذي كان مبدعاً و عبر عن عقدته بصب بعض غضبه على محمد، ترى سلمان رشدي و ووفاء سلطان هم أكثر من يكره محمد في الالفية الثالثة. سلمان رشدي رغم فوزه بجائزة كتاب عن قصته أطفال منتصف الليل، الذي لا يصلح للقراءة، لم يجد بداً من كتابة الآيات الشيطانية و يتعرض للشخصية المحمدية بصورة جنسية لم يسمع بها أحد من قبل. لم يكن الكتاب يستحق القراءة يومها و لكنه أثار الكثير من الجدل. تكمن ايضاً معضلة رشدي في عقد نفسية و ميله الى جنسنه ما حوله رغم ادعائه بان غير الحب لا يعرف من عواطف. على ضوء ذلك تراه فاشلاً في علاقاته النسائية و يميل الى استعمال
التعابير الجنسية و افضل دليل على ذلك هو تصريحه الاخير بعد الغاء الشرطة الهندية لكلم كان ينوي القائها على حشد من الغلاة . حينها صرح بان رجال السياسة و رجال الارهاب في فراش واحد. تعبير جنسي بحت يصورك لك عقد جنسية لم يستطيع هذا لا الانسان. ربما سياتي يوم و يتجاوز رشدي عقدته الجنسية التي ليس من الصعب الكشف عنها او التخمين ما هي.

بالطبع تفضلت قناة الجزيرة العربية و قدمت بوصاية غربية  قبل عدة سنوات الاستماع الى أمرأه سورية لم تجد أفضل من سب و شتم محمد و اتهامه بانه بمغتصب اطفال. بالطبع لم يكن لها مجال للحصول على المال الا عن هذا الطريق  و نادت بتصفية كل من يعتنق الدين الاسلامي. تحدثت يوماً عن محمد و الاسلام  في محفل يهودي و كانت تظن بان الجمهور معجب بكلامها حتى قرأت مقالة حاخام فاضل عن أنتهازيتها في اليوم التالي.  تعاني هذه المرأة من عقد نفسية متعددة تتعلق بهويتها العرقية، الدينية، الثقافية و العلمية و غيرها  حتى اصبح تنظيم شخصيتها تنظيماً حدياً.  تزيد هذه المرأة من الاشارة
الى الالفاظ الجنسية و كتبت مقالاً في عام  نشرته في نفس الموقع الذي  انتقدته فيها  عام 2010 .حاولت تبرير اسلوب تفكيرها بما شاهدته من سوء تصرف بعض الاطباء السوريين و لم تجد أمثلة توردها الا و ذات أطار جنسي. بالطبع لا يصعب على أي قارئ الاستنتاج بان شخصيتها شخصية حدية تعاني من عقد متعددة.
و لكن أطار من يكره محمد قد تم توضيحه و هو  واحد ابتداءً من دانتي مروراً برشدي و انتهاءً بسلطان.

الخلاصة:

ان الحديث عن شخصية الرسول الكريم لا نهاية له. لا يمكن لاحد ان ينكر قدراته الادارية و لكن الغلاة حاولوا انتقاص شخصيته في الحديث عن سيرته الشخصية في العهد المدني بعد هجرته من مكة الى المدينة. متى ما نجح هؤلاء في اجتياز العقد العصابية و الكف عن التظاهر بانهم رسل الحب  سيكتشفون بان شخصية محمد بن عبد الله كان اطار الحب و محتواها الحب فقط.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد