المرأة ومسارات شاردة في العراء

رحاب حسين الصائغ

رحاب حسين الصائغ

العالم يتأثر بقوة في كل ما يتعلق به، ويهزم الزمن من لا يبحث عن التجدد،لأنَّ الزمن متجدد الشباب، أما التنوعات من حولنا قد تكون معتوهة، وكلنا ممسك بما تدوس قدماه، لا يهمنا ما تكسر من أحلام معلقة حد التربع منذ الولادة في حياة المرأة، نسمع آهاتها من حولنا، وأصوات ارتطاماتها المنكفئة فوق المكان والزمان والحدث، وما تمر به من متداخلات تعثر سير مساراتها اليومية، مهما علا شأنها نجدها لا تخرج من دائرة العذاب وسلاسله المحيطة بها، أما المرأة دائمة البحث عن لمسة ضوء تتصدر كل خطوطها وبجدارة عالية تعمل على إزاحة كل الخرافات من أمامها، وتقدم انعكاس لواقعها بعمق قوتها على إنها حقا ذلك الإنسان الذي بدونه الحياة لا معنى لها إن غابت أو غيبت، في الشعر المرأة حاضرة؛ بعكس وجودها في الحياة اليومية يعمل على تهميشها بطرق شتى، الشعر أولا لغة يعبر بها عن أدق وحدات الحياة، لأي أمة أو شعب قائم بكل معاناته، عن مدى تقدمه أو اندثاره أو علامات التخلف في واقعه، ومن ثمة الشعر مادة حية، وجميع مفرداته التي تتكون منها الصورة الشعرية، الشعر مصدره الكلمات التي في الأصل تعبر عن معنى معروف ودال، وتعني للخاصة والعامة مكوناتها اللغوية، وعندما تتصدر تلك اللغة “المرأة ” بصورة شعرية تهدف إلى إيضاح موقف قد يعجز غير الشاعر أو الشاعرة عن الإتيان به بضم المفردة الى عبارته شعرية، عندها نعلم معنى تلك المفردة وما قوتها ودلالتها وحقيقة وجودها، وتلك المفردة ” المرأة ” دائما نجدها في صميم اغلب القصائد الشعرية، وبعدت صفات ( أم / زوجة / أخت / حبيبة / رفيقة درب في قضيةٍ ما / ابنة / صديقة / زميلة ) الشخصية المؤثرة في حياة الرجل وبكل أوجه الحنان المتعلق بالأرض، والحب الذي يعلم كيفية الإحساس بالحياة والتفاعل معها، والقوة والماضي والذكريات الجميلة، والأشياء المشجعة لتحمل أي موقف غادر يمر على الإنسان، ان ما يشتقه الشاعر عبر تجارب عاشها من ألفة حملتها مواقف التكتل الجميل مع المرأة، وأشعرته بنسمة الحب والعودة للأيام الرائعة والخوالي منها، وما تذيبه من مسافات الشوق واللوعة، يدفعه الشعر لمخاطبة لواعجه وإشجانه بكل دقة استمكن منها في تلك اللحظات، فيتدفق الشعر بكل تأثيراته الفكرية وما اتنجته الهموم من واقع المجتمع والحياة، فيبدع عندها بخلق أجمل القصائد عن المرأة،  ومن خلال الشعر نستطيع فهم واقع امة كتب الشعر بلغتها وما قدمته من مضامين ورموز وصور ومعاني،  يتحلق حولها الشاعر، ولو جمع ما كتب من شعر عن المرأة لعجزنا  عن جمعها في دواوين كبيرة لا تعد ولا تحصى، للشعر نفوس تستنهض همم الحياة، وتبحث في أعماق مكونات هذا الكون والمرأة في الشعر أخذت نصيبها وبلغة مضاعفة، لغة أدبية رقيقة هادفة تحمل من النضج والقدرة على التحفز تضعها في مسارات أعلى المراتب، ولكن لحد عصرنا هذا لم تعطى مرتبة الشرف في كسبها هذه المكانة، أما عند الشعراء والقصائد التي كتبت عنها، بتعبير مشع من نور الفكر والتجارب القاسية التي  يجدها الشاعر عند المرأة، يلهث باسمها، وصفاتها، وجمالها، وعذوبتها، وجدها ولطافت وجودها، لذا الرجل فقط في الشعر لا يخشى لومت لائم في البوح عن مشاعره تجاهها، ويبحث عنها في كل الزوايا ويقدسها بلغة الشعر الصافي الخارج من شعوره الواعي واللاواعي، الشاعر لا يحب التسلط والضعف والجهل ويجد المرأة هي الحاملة لكل هذه الصفات دون مبالغة، ويجدها قوية مدافعة تواجه الحياة بثبات وعزة وصلابة، نافضة عنها خمار العبودية معبرة عن وجودها الأمثل، كالموشور تشع أينما تتواجد، لذا الشاعر أكثر إنسان يقدرها ويثمن وجودها ويفتخر بأنها جزء من القوة، وهو من يفهم أن سفن المصالح هي من تحطم سيرها، حين تتهم بالقصور وعدم القدرة على الزج في معترك الحياة، مع إنها أثبتت على مر العصور جدارتها والتاريخ شاهد، وكثير من المجتمعات لم تنصفها وتسلبها حقوقها المشروعة، أو تعمل على استلاب شخصيتها وتتهاون في منحها صفة القوة والثبوت، المرأة لا تنتظر من يمنحها حقها أو ينصفها او يدافع عنها حين تكون بحاجة لمن يقف معها، بل تتحرك وتحاول وتسعى، والنقص في القوانين التي تدعمها تعيقها أحيانا في مجتمع يسوده التخلف وتشابك الفهم غير الصحيح، أو التعايش على أسس قوانين غير عادلة أكل الدهر عليها وشرب ولم تعد نافعة في عصرنا عصر السرعة والتكنولوجيا، وحلقات موروث شائن دس بين طياته تلك الصور الغادرة عن المرأة، تجاوزها الشاعر بقوة فكره السديد وخياله الثاقب ولم يتوان عن إظهار الصورة الحقيقة عن المرأة، بلغة متميزة خلع  بها الغطاء الأسود، واظهر حقائق المجتمع ودقائقه الرمادية، الشاعر إنسان غير مهزوز ورافض للظلم، فكيف إذا كان هذا الظلم واقع على قوارير العطر، بالشعر فتح الإنفاق المظلمة واخرج الجوهر المكنون داخلها، الشعراء هم من عرك الحياة بكل معانيها، وان لم ينظروا الحقيقة ويبحثوا عنها يكونون كالنهر الجاف أو الحقل اليباب او جسد  يعيش بلا حب ويفنى بدون ان يذق طعم السعادة في الحياة لأنه لم يفقه سبب وجوده الثر بمعاني التلاحم والتفاعل الحر، وفي كثير من قصائد الشعراء نجد المرأة هي الرمز للأرض والوطن والجذر والحياة والأمل والرغبة بالخير والمستقبل والأمان، وهي الزمان و المكان والحاضر بعيدا عن المستلبات الأخرى، بحضورها ألواعي الجمال مشروط، والصور النورانية والفضائل وقدرتها على إشعاع الخير، والعودة العاقلة في عموم مفاصل الحياة، الشاعر أعطى المرأة قيمتها الإنسانية وابتعد عن الحساسية في التعامل معها كشيء موازي وليس ثانوي ، وان كتبت المرأة الشعر فهي أكثر قدرة على البوح عن خصوصيتها الإنسانية بما تجده في داخلها عن الحياة، وتضم قصائدها مشاعر الرقة والحنين إلى كل ما حولها بصور خلاقة ومبدعة قادرة على كشف معاناتها بشيء من التمرد والتشويق الذاتي، والبحث عن أسباب قسوة المجتمع، صارخة حينا وحينا آخر ناطقة برغبتها الجياشة لعلها تجد من يفهم عذاباتها وما تحمل من نضوج لا يقل بشيء عن الآخر.  

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد