رجال عرفتهم (2) يــــــاسر عبد العزيــــــز

مـــحــمـــد أبــو الــنـــور

تأخرت في كتابة هذا الجزء من تلك السلسلة عشرة أيام كاملة بعد أن كدت أغرق في تفكير عميق لوضع محددات رئيسية أكتب على أساسها في تلك السلسلة، أو أرسم لنفسي خطا عريضا أسير في ظله مادمت قد قررت الكتابة عن أولائك الذين عرفتهم.

وكان من أهم ما شغل بالي في تلك الأيام العشرة، العديد من الأسئلة الملحة والمعقدة في ذات الوقت. ذلك أن حيرة أخذتني إلى غياهب التشتت، إلى أن اهتديت أن أطرح الأمر برمته في تلك الأسطر لعلي أجد مخرجا من حيرتي وتشتتي.

هل أكتب عن الذين ماتوا فقط، حتى أخرج بسلام من شبهات المدح؟ هل أكتب عن الدكتور عبد الوهاب المسيري ومن هم على وزنه والذين أدوا لي وللإنسانية أجل الخدمات؟.

أو أكتب عن المشاهير الذين كانت لي معهم حكايات وروايات؟ هل أكتب عن رجال العهد المخلوعين والذين يقبعون في ظلمات السجون الآن؟ أم أترك الحكم للتاريخ ولضمير المصريين؟ هل أكتفي بالكتابة عن الرجال وأهمل الحديث عن النساء بالرغم من أن بعضا منهن لهن آثار كبيرة في تشكيل عقيدتي في الحياة؟.

هل أتحدث عن حكاياتي مع وزراء سابقين؟ أم أنتظر حتى يقضى الله بحكمه؟ وهو أحكم الحاكمين.

فوضت أمري إلى الله وعزمت على أن أكمل تلك السلسلة بالحديث عن “العظماء” الذين عرفتهم؛ بقطع الطرف عن كونهم رجالا أو نساءً مشهورون أو مغبونون أو حتى مغمورون وهم كُثُر في أرض الكنانة.

اخترت أن أكتب هذه المرة عن ياسر عبد العزيز الخبير الإعلامي الدولي الذي صاحبته لثلاثة أيام هي عمر الدورة التدريبية التي اجتزتها في فنون الكتابة الصحفية الرشيدة والتي أدى فيها دور البطل “المدرب” فيما كنت مشاركا ومتفرسا في آن.

وربما يثور سؤال في ذهن الذين ستقع مآقيهم على تلك الأسطر. لماذا ياسر عبد العزيز؟.

سؤال صعب أجد الإجابة عليه أقل صعوبة من فكرة طرحه على من يتصدى للكتابة عن أمثال هذا الرجل الذي أقنعني به مع أول ساعة عرفته فيها عن قرب، وهو أمر لا يتكرر كثيرا في الرجال الذين عرفتهم في سني عمري الذي لا يجاوز الثلاثة عقود.

وسوف أحاول أن أقص الحكاية من بدايتها حتى تخرج إجابتي لمن يسألون بلا حاجة لتوضيح أو برهان.

في فبراير قبل الماضي كنت أعمل في مؤسسة “المصري اليوم” وأثناء جلوسي في أحد مساءات العمل الصحفي بالجريدة مع الزميل الأستاذ خليفة جاب الله، تصداف أن دخل إلى الكافيتريا ـ حيث كنا نحتسي كوبين من الشاي الفاتر ـ بتجهم غريب.

“مَن هذا؟”. سألت خليفة. “إنه مستشار الجريدة وأيضا مستشار الـ “بي بي سي”. عاجلني بإجابة فيها فخر وتيه شديدين حتى ظننت أنه أحد أقربائه. وهو ليس كذلك على الإطلاق.

لا أخفي أنني في تلك اللحظة تولد لدي شعور مكثف بالامتعاض والضيق. لأن الرجل دخل إلى المكان وهال الجميع مشهد دخوله، لكنني لم أفهم ما سبب الحالة، وما سبب الضيق، ولم أستطع أن أفسر أسباب اعتراضي على أسلوب “جاب الله” حتى وقت كتابة تلك الأسطر.

وفي مارس الماضي دعيت لحضور مؤتمر ـ باعتباري عضو في الائتلاف العام لشباب الثورة ـ نخبوي حاشد لـ “المصري اليوم” بأحد الفنادق الفارهة بضاحية جاردن سيتي وسط القاهرة عند شاطئ النيل، وعند دخولي إلى قاعة المؤتمر وجدته يمسك بالميكروفون ويتحدث عن مصر ما بعد الثورة وينظم الحديث بين الحاضرين، ويتحرك بقدمين خفيفتين وسط الحضور كأنه ملاكم في حلبة كبيرة، والخصوم كثيرون.

ورغم أن المؤتمر حضره كبار الشخصيات العامة الفاعلة في الحياتين السياسية والاقتصادية إلا أنه نجح في إدارته بشكل ملحوظ، ورغم ذلك وصلتني طاقة سلبية لا أستطيع أيضا أن أفسرها؛ بالرغم من أن حوارا واحدا لم يكن قد دار بيننا حتى تلك اللحظة على الإطلاق.

لم أشغل بالي كثيرا بتحليل رؤيتي له ولم أكترث أيضا بتفسير ما جال بخاطري تجاه الرجل، إذ كنت مشغولا بترتيبات توافقية بعد الثورة بين شبان الأطياف السياسية المختلفة؛ حتى جاءت لحظة الحقيقة…..

عرفت من إعلان لوحدة التدريب والتطوير بنقابة الصحفيين أنه سيحاضر في دورة تدريبة ستحتضنها النقابة بالتعاون مع مؤسسة “فري فويز” الهولندية لتدريب الصحفيين على “المعايير الدولية في الكتابة الصحفية”، فسارعت بالاتصال بالسيدة عبير سعدي عضوة مجلس النقابة المنتخبة، وقررت أن أخوض التجربة وأقرب منه حتى أعرف من هو؟. على وجه التحديد.

وبالفعل ذهبت إلى الدورة وأدهشني حضوره قبل موعده بعشر دقائق كاملات فعرفت مبدئيا أنني أمام رجل يحترم أوقات الناس ويقدر قيمة مايفعله.

ومع أول يوم في تلك الدورة قلَبت رأيي فيه رأسا على عقب. إذ وجدت شابا وسيما في بدايات العقد الخامس من عمره يقف على قدمين ثابتتين يتحدث بطلاقة وتأن ويشرح الأفكار كأنه يهديها إلى الذين ينتصتون، ثم يبتسم لك كأنك أنت الذي علمته وليس العكس.

“عاهدت الله أن أضع قلمي وكل طاقتي تحت تصرف الشبان المرشحين لهذا البرلمان التاريخي”. بعد الخروج من الإطار السلبي التي رسمته له بدأت أنظر إليه بعين المعجب المتأمل، وأعيد إلى ذكراتي تلك الكلمات التي كتبتها بين مزدوجين “….” بعد فتح باب الترشح للبرلمان على صفحة حسابي الخاص في موقع التواصل الاجتماعي “فيس بوك”. وقد كان.

الكتابة عن الإعلاميين والصحفيين خطر لاشك فيه. كيف تكتب عن أصحاب التخصص أو بالعبارة الدارجة كيف “تبيع الماء في حارة الساقيين”؟.

كتب صلاح عبد الصبور ضمن نقده لقصيدة “المساء” الشهيرة لجبران خليل جبران ما نصه: “إن أسوأ ما يصيب فنانا أن يضع إحدى عينيه على فنه ويضع الأخرى على نقاد زمانه”.

وهذا بالضبط ما أخشى أن أقع فيه.

وإذا كنت سأكتب عن هؤلاء النقاد أنفسهم، وإذا كنت قد خرجت في الحلقة الأولى من السلسلة بسلام، فإن المخاطرة الأكبر هذه المرة في تكرار خوض ذات النوع من الخطر.

الكتابة عن عامر سلطان ثم ياسر عبد العزيز، ثم يرضى المرء بعد ذلك بما سيقال في حقه، ولا يلومن في الأخير إلا ما ارتضى أن يسلم نفسه إليه……

أعود وأقول: “إن أهم ما يميز ياسر عبد العزيز هو قدرته “الإشارية” الهائلة، بمعنى أنه يدهشك عندما يتحدث إليك بلغة يديه الأنيقتين، ويحرك معصميه يمنة ويسرة؛ كأنه موسيقارا أمام كوراله الكبير. وهذا ما قلته له في نهاية اليوم الأخير من تلك الثلاثية الماتعة التي قضيتها معه أتعلم وأتأمل في ذات التوقيت”.

وبَيدَ أنه فطن منذ الوهلة الأولى إلى أنني الأبرز والأكثر موهبة بين الحاضرين ـ كان عبد العزيز يمنعني وقت التدريبات العملية من الإجابة، مخافة أن أضيع على زملائي فرصة التفكير ـ إلا أنه كان يعامل الجميع بشكل متكافئ دون محاباة. لم أعهدها إلى في رجلين إثنين فقط من بين عشرات تعلمت منهم، وربما يحين الدور على آحادهم في قادم المناسبات.

لا أخفي سرا أنني قررت الكتابة عنه مع الربع ساعة الأولى من اليوم الأول لجلوسي بين يديه في (4) عبد الخالق ثروت.

ورغم أنني كنت أحرص على قراءة مقالاته التي ينشرها في كبرى الإصدارات المصرية والعربية؛ إلا أنني عكفت أيضا في الأيام الخوالي على تجميع المقالات التي كتبها في السنوات الأخيرة حتى أقارن بين مواقفه القديمة ـ قبل الثورة ـ والجديدة ـ بعد الخامس والعشرين من يناير.

وفي مقالة له بعنوان .. هل انتهي مشروع جمال مبارك نشر في صحيفة “المصري اليوم” إبان أزمة مباراة كرة القدم بين مصر والجزائر، وجدت الرجل يكتب بلغة رفيعة ومنهج واضح لا لبس فيه ولاغموض فيقول :

{كانت الأزمة التى اندلعت بين مصر والجزائر فى نهاية العام الماضى، على خلفية تنافسهما الشرس على التأهل لنهائيات كأس العالم 2010، منحطة ومشينة بدرجة كبيرة، ولا شك أنها جلبت العار لكل من أسهم فى تأجيجها، والرقص على إيقاعاتها عن خيبة أو جهل، أو انتهاز، وتملق، لكنها مع ذلك تركت، مع المرارة والخجل، بعض الحسنات والفوائد.
من بين ما تركت تلك الأزمة من فوائد أنها أطلعت النخب والجمهور، فى الداخل والخارج، على الطريقة التى يمكن أن يتعاطى بها جمال مبارك مع قضايا سياسية تمس المصلحة العامة وتتسم بقدر من الالتباس والخطورة، فضلاً عن أنها كشفت عن تأييد قطاع بين المواطنين “البسطاء الطيبين” لفكرة ترشح شقيقه علاء لمنصب الرئاسة، لكونه أظهر اتساقاً أكبر مع مشاعر العوام حيال الجزائر، بعد مباراة “أم درمان” الشهيرة}.

وهكذا يتحسس القارئ مع الفقرتين الأوليين من المقالة أنه أمام كاتب مطبوع يهدي الكلمات إلى شقيقاتها بسلاسة وتمنُع عجيبين، فيكمل تحليلا لمواقف جمال من الأزمة:

{ليس أخطر من اكتشاف أن الرجل، الذى رشحته دوائر عديدة “معتبَرَة”، لخلافة والده فى حكم هذا البلد العريق، يمكن أن يكون على هذا النحو من الاندفاع، والقابلية للاستفزاز، والتصرف بغضب من دون حساب دقيق للوقائع والعواقب، سوى الصعود اللافت لشعبية شقيقه، لمجرد أنه أبلى بلاء حسنا فى تشجيع المنتخب الكروي، والنيل من كرامة “خصومنا” الجزائريين.
فى الخامس من نوفمبر الماضى، كتب جوزيف مايتون مقالاً فى صحيفة “جارديان” البريطانية، اعتبر فيه أن جمال مبارك “يمثل كل ما هو خطأ فى المجتمع والسياسة فى مصر، وأن ما يحتاجه المصريون لا يستطيع أن يقدمه هذا الشاب”، مشيراً إلى أن الصعود الكبير له فى الحياة السياسية المصرية لم يحصل سوى لأنه نجل الرئيس، فى بلد اعتاد توريث المناصب والوظائف والحرف.
يمكن القول إن جمال مبارك ركز جل اهتمامه على ملفين رئيسين منذ مطلع العقد الراهن؛ أولهما يتعلق بإدارة الاقتصاد، حيث بات واضحاً أن التقدم الدفترى الذى طرأ على هذا الملف لم ينعكس بشكل عادل عند توزيع عوائده، فثمة نحو 40% من المواطنين تحت خط الكفاية. والاحتجاجات العمالية المتتالية، وطبيعة المطالب التى تقام من أجلها الاعتصامات – تشير بوضوح إلى مستوى الفقر الذى تعانيه البلاد، فضلاً عن تغول الفساد والتهامه العوائد والأصول ومعها “اللحم الحى” للبنية الاقتصادية والاجتماعية المصرية}.

إنه حقا يكتب عن الحالة وكأنه يمسك بيمناه “اللحم الحي” لوطنه مصر ويحمل في يسراه خلفيته الصحفية وخبرته في مجالات الرصد والتحليل، فضلا عن تجرؤه الواضح في فترة هي الأكثر استشراءا لسلطة “ابن أبيه” وتمدده في مؤسسات الدولة. فينقل لقارئه رأي العالم الخارجي في القضايا الملحة التي يئن منها المواطن المحشور في عربات المترو والمطحون بجوار نوافذ الميكروباصات المتهالكة، والذي لا يفهم كثيرا في لغة الأرقام ولايعنيه في الأخير إلا ما يدفعه نظير قوت يومه.

وفي نهايات تلك المقالة الماتعة، والتي أعتبرها “قطاعا طوليا” لأعمال وكتابات ومواقف ياسر عبد العزيز، ينتقل بك بلطف ودون أن تدري إلى تحليل جملة واحدة في خطاب مبارك المخلوع  ليخرج لك منها بخريطة الرجل في السنوات القادمات :

{فى خطابه الأخير فى عيد العمال، حرص مبارك على القول بوضوح: “إننى كواحد من أبناء مصر أجد نفسى اليوم، وأكثر من أى وقت مضى، أقوى عزماً وأشد تصميماً على ألا ترتد حركة مجتمعنا إلى الوراء”، ما اعتُبر رسالة واضحة إلى كل من فكر للحظة أنه يمكن أن يتخلى عن سلطته ودوره قبل أن يلفظ  “آخر نفس فى صدره وآخر نبض فى قلبه”، كما كان قد أكد فى وقت سابق.
من يقرأ تاريخ الرئيس مبارك بعناية يعرف أنه سيظل قابضاً على سلطته حتى اللحظة الأخيرة، ويعرف أيضاً أن تفاقم الفساد وفقدان الرؤية والتردي العام الذى بلغته البلاد فى نهاية العقد الثالث من رئاسته، لم تنل مما يتمتع به من ولاء، وقوة صلبة وناعمة، وشرعية، وإحساس بكونه “ضمانة للاستقرار والاستمرار وحائلاً دون الفوضى”.
فى يناير الماضى، نشرت “المصرى اليوم” حواراً مميزاً مع الدكتور مصطفى الفقى، استبعد فيه أن يرشح السيد عمرو موسى نفسه أمام الرئيس مبارك، لأن “العين ما تعلاش على الحاجب”، وهو توصيف يتمتع بعمق وإيحاء شديدين رغم بساطته.
سيظل مبارك يحكم “حتى آخر نفس فى صدره.. حاجباً قد لا تعلوه عين”، دون أن يعين نائباً أو يوّرث حكمه فى حياته، وبعدها ستكون الفرصة سانحة للبرادعى، وموسى، وصبّاحى، أو عسكرى نافذ محترم، وربما غيرهم، للتنافس فى معركة ستربحها أى عين أمام أى حاجب}.

وهكذا وجد ياسر عبد العزيز المفتاح السحري لحل المعادلة رغم أن مبارك المخلوع أكد في خطابه الثاني وقت الثورة أنه لم يكن “ينتوي” الترشح لفترة رئاسية جديدة، وهو الأمر الذي كشف بطلنا كذبه قبل ذلك بزمن.

وفي مقالة له بعنوان “الإعلاميون ولعنة مبارك” تستشعر نفس الروح وتصل إلى ذات القناعة التي تحدثنا عنها في الفقرات السابقات

وفي ذات المقالة وذات الصحيفة تجده يسترجع التاريخ البسيط ويدلل لك عما بداخله فيقول :

{فى شتاء عام 2008، كنت ضيفاً على الزميلة منى الشاذلى فى “العاشرة مساء” للحديث عن أزمة تغطية حادثة “مقتل هبة ونادين”، حيث ناديت آنذاك بضرورة إنشاء “الهيئة الضابطة للإعلام المصرى”، للحد من الأخطاء الفادحة التى تقع جراء الممارسات الإعلامية الخاطئة، ولحماية حرية الإعلام فى آن.
وفى أكتوبر 2010، كنت ضيفا على الزميل خيرى رمضان فى برنامج “مصر النهارده” نناقش أزمة “غلق القنوات الدينية”، حيث جددت المطالبة ذاتها، شارحاً التجارب المشابهة فى الدول الأخرى، وآليات التنفيذ، والفوائد التى ستعود علينا من إنشاء تلك الهيئة.
وفى 2 أبريل الفائت، كتبت مقالاً فى “المصرى اليوم” تحت عنوان “ماذا نفعل فى الإعلام؟”، شرحت فيه جميع تفصيلات إنشاء تلك الهيئة، وعرضت مسودة قانون لإنشائها، وهو الأمر الذى ألححت عليه مجدداً فى مقال نُشر فى هذه الزاوية تحت عنوان “المجلس الوطنى للإعلام”، فى 25 سبتمبر الماضى، وفى كتاب صدر عن مركز الأهرام للدراسات فى مايو السابق عليه.
ليس “المجلس الوطنى للإعلام” اختراعاً للعجلة، ولا هو بدعة أو ابتكاراً، لكنه الحل الذى تبنته الدول الأكثر رشداً وتنظيماً، لحماية صناعة الإعلام من تغول السلطة وتأمين حريتها وازدهارها من جهة، وحماية المصلحة العامة ومصالح الجمهور من الانفلاتات الإعلامية وأنماط الأداء المسيئة من جهة أخرى.
إذا لم يبادر الإعلاميون المصريون بأخذ مصيرهم بأيديهم، ويجتمعوا لبناء التوافق على إنشاء “المجلس الوطنى للإعلام”، فسيملى عليهم “أصحاب الأمر” قانوناً أو تنظيماً، أو يظلون يعانون التدخلات السلطوية الخشنة، فيما الجمهور يقاسي من انفلاتات بعضهم، فى بلد أطاح بـ “مبارك”، لكنه لم يبرأ من لعناته بعد}.

حدثني ياسر عبد العزيز ـ مع حفظ لقبه في كل مرة ذكرت فيها اسمه ـ عن تلك المقالة بالتحديد بقوله: “عُرض علي أن أكون وزيرا للإعلام. فرفضت”. ولو قبلت الوزارة لكنت كمن يبيع أفكاره ليجلس على كرسي أنا أكثر من يعرف خطورته الحقيقية”.

وإذا انتقلت إلى النموذج الأخير الذي انتقيته بعناية من بين مئات الأعمال الصحفية من كتاباته سأعرض نوعا جديدا من الكتابة العربية. إذ استشعرت أنني أنظر للعالم من نافذة الطائرة أو ما اصطلح على تسميته “الرؤية البانورامية”. 

وفي تلك المقالة التي نشرت تحت عنوان “إعلاميون وثوار” تلاحظ كيف يشاهد الرجل الإعلام العالمي بعين موسوعية ويعرض لك ما يدور في شاشات العالم كأنك أنت الذي تحلق فوق الكوكب بطائرتك الخاصة فيكتب :

{كانت المذيعة تاتيانا ليمانوفا تقرأ النشرة، فى إحدى القنوات الروسية، حينما ورد اسم الرئيس الأمريكى باراك أوباما فى معرض أحد الأخبار، وعندها عبرت ليمانوفا عن موقفها منه على الفور، عبر رفع أصبعها الوسطى فى حركة ذات دلالة لا تخفى على أحد.
الحركة التى أتت بها ليمانوفا غير مقبولة بالطبع، لكنها على أى حال أفضل مما فعلته المذيعة سوسن درويش التى كانت تقرأ خبراً فى نشرة تقدمها قناة لبنانية مسيسة، حين وصلت إلى معلومة مقتل أحد أعضاء تيار “14 آذار”، فما كان منها إلا أن تهكمت على مقتله، قائلة “العوض بسلامته”، بل وزادت متمنية مقتل سياسي آخر من الفصيل ذاته، حين شجعت القتلة بقولها: “هلأ باقى أحمد فتفت”.
التشفى فى مقتل شخص ما، أياً كانت مواقفه، فضلاً عن تمنى أو التحريض على تصفية سياسيين آخرين أمر بالغ الخطورة، ويكاد يندرج فى خانة المخالفات التى يعاقب عليها قانون الجزاء العام، لكن ذلك على أى حال أهون مما فعلته المذيعة الليبية هالة المصراتى، التى حاولت أن تعبر عن دعمها للعقيد المقتول معمر القذافى، قبل أن ينجح الثوار فى إسقاطه، فلم تجد وسيلة أفضل من رفع مسدس فى وجوه المشاهدين، مهددة بقتل كل من يتجرأ على “القائد الضرورة}.

أستطيع أن أذكر أنه أسر لي بأنه كان يقصد عبد الرحمن يوسف نجل القرضاوي من خلال المقالة سالفة الذكر.

ليس هذا فحسب بل تجده أيضا يحلل في السياسات العامة والعلاقات الدولية كأنه مخضرم هنا وهناك، فيكتب مقالة عن الشأن الإيراني معنونة “إيران بين فكي كماشة” منشورة على صفحات جريدة الجريدة الكويتية والموقع الإلكتروني لقناة العربية، شديدة العمق والموضوعية، حتى وصل الأمر إلى أن تناقلت عشرات المواقع الإلكترونية مقالاته، جلبا عن المصدر الأصلي لذات المقالة أو أخرى، وبالطبع لن تسعفني المساحة على طرح بعضا من جوانبها.

وهكذا تخرج في كل مرة من مقالة لتجد نفسك مضطرا إلى ترك أعمالك الملحة، وتدخل إلى مقالة أخرى ثم تسلك يدك فتخرج بيضاء للناظرين.

الحديث عن ياسر عبد العزيز ومن هم مثله من الشبان الذين تخرجوا في رحم حكم “مبارك” يجبر المرء على طرح فكرة أنه ـ أعني ياسر ـ ورغم الفساد السياسي والإداري الذي شاب هذا العهد وألحق أضرار بالغة بصفوة الموهوبين من أبناء الوطن، إلا أن هذا ـ وإن كان قد أثر قطعا في مسيرته المهنية ـ  لم ينعكس كلية بالضرورة على مستقبل هذا الشاب الذي شق طريقه في العمل الاحترافي دون أن تعوقه مسائل الفساد، والمحسوبية التي شابت جُل قطاعات الدولة المفصلية.

لذلك فإن المرء لابد أن يتوقف على دراسة من هم في مثل حالة عبد العزيز، حيث تفسح تجربته المجال لكل الأجيال التي لحقت بجيله لتعلم دروس عملية في الكفاح والمصابرة والاصطبار لإثبات الذات.

وعندما تعرف أن ياسر عبد العزيز ولد وتربى في حي “كوبري القبة” بالقاهرة ـ لأب مصري عصامي يعمل في المصانع الحربية ـ وتخرج في كلية الإعلام عام 1990 بتفوق ثم حصل على درجة الماجستير من الكلية ذاتها ثم بدأ حياته العملية ـ شأنه شأن أي مصري من الطبقة المتوسطة ـ بوكالة أنباء الشرق الأوسط، ثم مراسلاً لعدد ليس بالقليل من الصحف العربية والدولية المرموقة، ليترأس قسم الشئون العربية والدولية في صحيفة “الاتحاد” الإماراتية، قبل أن يتحول إلى العمل كباحث ومدرب في مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجة، بعد عشر سنين فقط من تخرجه، حيث درّب العديد من الإعلاميين والدبلوماسيين الخليجيين، وعكف على إعداد بحوث وأوراق سياسات تطوير السياسات الإعلامية.

بعد ذلك أهلته خبراته المتراكمة للعمل مستشارا وخبيرا إعلاميا؛ يقدم استشارات وتدريبات لعدد من المنظمات والحكومات والمبادرات الدولية المرموقة، ويدرّب مئات الإعلاميين، في 14 دولة عربية وأجنبية.

وربما يخفى على كثيرين أن ياسر عبد العزيز عمل مستشاراً لصندوق الإنماء التابع لـ “بي بي سي” العالمية BBC World Service Trust، في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، كما قدم استشارات إعادة هيكلة وتطوير وتقييم احتياجات تدريبية لعدد كبير من المنظمات الإعلامية العربية المميزة في سورية ولبنان والأردن واليمن ومصر والإمارات والكويت وسلطنة عمان والبحرين والمملكة المتحدة.

وذكر موقع ويكيبيديا أنه قدم تدريباً واستشارات لمنظمة اليونسكو، والمجلس الثقافي البريطاني، ومؤسسة “ويستمنستر للديمقراطية”، ومجموعة “الإيكونومست” بالمملكة المتحدة، ومؤسسة “فري فويز” الهولندية، واتحاد الإذاعة والتليفزيون المصري، ووكالة الأنباء اليمنية “سبأ”، ووزارة الإعلام، و”مجلس الدولة” في سلطنة عمان، وأكاديمية نايف للعلوم الأمنية، وأخيرا مستشاراً لصحيفة “المصري اليوم” القاهرية.

وفي المملكة العربية السعودية درّب عشرات الصحفيين السعوديين في صحيفتي “الحياة” و”المدينة”، كما قدم استشارات لصحيفتي “عكاظ” و”الوطن”، ودرّب عدداً من منسوبي غرف التجارة والصناعة.

إلى جانب تدريبه صحفيين في صحف “السفير” اللبنانية، و”الغد” و”الرأي” الأردنيتين، و”الأهرام” و”الأخبار” في وطنه مصر، ودرب إعلاميين في تليفزيونات “إل بي سي”، و”إن بي إن”، و”المنار”، و”إيه إن بي” في لبنان، و”شام تي في” في سورية، إضافة إلى عدد من محرري المواقع الإلكترونية.

وعرفت عنه أنه نشر عدداً من البحوث والمقالات في مؤتمرات ودوريات عربية ودولية، كما نشر كتباً ودراسات علمية في مجال الإعلام والخطاب الإعلامي؛ منها كتاب “عولمة وكالات الأنباء” عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، و”ثورة 25 يناير” عن مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام.

وتجدر الإشارة إلى أن البطل محل الحديث هذه المرة أصبح في سنوات “قلائل” المرجع الرئيسي للإعلاميين والأقنية الفضائية، وحتى الصحف المحلية والعالمية لفهم وتحليل الإعلام في الشرق الأوسط، ولست في غنى عن التعرض لحوار أدلى به لصحيفة “دويتشه فيله” الألمانية ذائعة الصيت، ليحقق بذلك “صفة العالمية” ليس بحقه وفقط، لكن بحق بلده مصر، تلك الأرض التي أهدت إلى تاج الإنسانية أروع ياقوته بكل تأكيد.

وبهذا الشكل وبتلك السيرة الذاتية التي يعجز المرء عن نقر كلمات ترقى إلى مستواها ـ قال لي أنه كتب سيرته الذاتية في 11 صفحة ـ لا أستطيع إلا أن أترك الحكم لمن سيقرأ تلك الحلقة من سلسلة الرجال الذين عرفتهم، لعلي أكون بتلك الكتابة قد “كفرت” عن مظنتي فيه، ولعلي أكون قد قدمت لابنته التي حدثني عنها، وأخبرني كم يعشقها وتعشقه بعضا من انعكاسات أبيها في من عاصروه.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد