مفهوم الوطن والحب فى عيد الأم

نوال السعداوي

( يوم 21 مارس 1989 )

جائتنى فتاة فى الخامسة والعشرون من عمرها من قلب الصعيد ، من قرية بالقرب من أسوان ، قالت لى : أريد أن أتكلم معك ، أريد منك أن تكونى أمى ، وقد سئمت من أبى وأمى فى الصعيد ، حملت حقيبتى فى الليل ، وركبت القطار ، وجئت إلى القاهرة لأتكلم معك ، تخرجت فى الجامعة فى كلية الآداب قسم الفلسفة ، قرأت كتباً كثيرة ، وانفتح عقلى على أشياء كثيرة جديدة ، ولم تعد لى حياة داخل أسرة مازالت تعيش فى القرن التاسع عشر ، وتؤمن بوجود الجن والعفاريت ، وأن المرأة نصف الرجل واجبها الطاعة . وظيفتها الأساسية فى الحياة الزواج وولادة الأطفال وأعمال البيت ، حتى أخى الأكبر الذى تخرج فى الجامعة وحصل على الدكتوراة ، فرض على زوجته أن تتفرغ للزواج والأمومة ، ويقول لها : الأمومة عطاء وتضحية بلا مقابل مثل حب الوطن ، فالوطنية هى العطاء والتضحية بلا مقابل مثل الأمومة .
كانت الفتاة تنتفض وهى جالسة ، جاءتنى من محطة القطار مباشرة ، ليس لها أقارب فى القاهرة ، بشرتها سمراء شاحبة ، ووجها نحيف . عيناها سوداوتان مملوءتان بريقاً ، ذكرتنى بنفسى حين كنت فى أول الشباب والعائلة من حولى متجمعة ، العمات والخالات والأعمام والأخوال وأبناؤهم وبناتهم وجيرانهم ، والجميع يهتفون فى نفس واحد : الزواج مصير البنت والأمومة هو الدور الأسمى للمرأة ، وإذا تعارض الزواج مع طموحك الشخصى فى الطب والأدب فاختارى الزواج والأمومة . لأن المرأة التى لا تكون زوجة لا تلد أطفالاً فهى امرأة عقيمة كالشجرة بلا ثمار .
وسمعت الفتاة تقول : لا أريد أن أتزوج ، ولا أريد أن ألد أطفالاً ! إن العالم ملىء بالأطفال الجوعى المشردين ‍! فهل أضيف إليهم أطفالاً أخرين ؟ . رأيتهم راقدين على الرصيف فى محطة القطار ، أطفال صغار بلا آباء ولا أمهات ولا عائلات ولا بيوت ولا مأوى إلا الشارع ورصيف المحطة ، أحد الأطفال اقترب ِمنى وأنا أهبط من القطار ، عمره لا يزيد عن سبع سنوات ، يرتدى جلباباً ممزقاً ، يرتعد تحت ضربات الهواء الصاقع ، وأنا متدثرة بالبالطو الصوف ، وتحت البالطو بلوفر آخر صوف ، قدماه حافيتان ، وأنا أرتدى حدذاءً جلدياً متيناً و جورباً من الصوف ، كان الطفل يقترب ِمنى ويمد لى يده ينهج بصوت مبحوح : ” حسنة لله يا ستى ” قلت لنفسى ” هذا الطفل يشبه طفلى أحوطه بذراعى و آخذه إلى بيتى ” .
قلت للفتاة : ” تأخذيه إلى بيتك ؟ ” .
قالت : ليس عندى بيت فى القاهرة ، ولكنى أحمل شهادة جامعية ، ويمكن أن أشتغل وأفتح بيتاً ، ويصبح هذا الطفل هو طفلى ، إنه يشبه طفلى ، عيناه بالضبط هما عيناه مملوءتان بالبريق والدموع .
قلت للفتاة : ” وهل كان لك طفل ؟ ” .
قالت الفتاة : لم أتزوج ولم ألد . لكنى كنت أحلم دائماً بهذا الطفل يخطر إلىَّ فى الحلم بعينين مملوءتين بالبريق والدموع ، وهو يشبه بالضبط الطفل الذى تقدم نحوى وأنا أهبط من القطار ، أعطيته معطفى الصوفى وخمسة جنيهات وطلبت منه أن ينتظرنى فى المحطة حتى أعود إليه .
قلت للفتاة : وستعودين إليه ؟.
قالت: نعم .
قلت : وتعودين به إلى بيت أسرتك فى الصعيد ؟.
انتفضت بذعر وقالت : يقتلنى أبى إذا عدت وحدى بعد أن هربت . فما بال أن أعود ومعى طفل ؟ . سوف يتصورون نه طفلى ، وأنه ثمرة حب محرم أو حمل سفاح .
قلت : لكن الطفل كما تقولين فى السابعة من عمره وأنت كم عمرك ؟ خمسة وعشرون عاماً ؟ ، معنى ذلك أنك كنت فى الثامنة عشر وقت ولادته ، ثم كيف يحدث ذلك كله وأنت فى بيت أسرتك تلميذة بالمدرسة ؟ ، لا أظن أن والدك سوف يشك فى الأمر .
قالت الفتاة : أنت لا تعرفين أبى . إنه يشك فى أخلاقى منذ ولدت ، لم أخرج من البيت إلا تحت رقابته أو رقابة أخى الأكبر أو أخر الأصغر الذى يصغرنى بخمس سنوات ، وكنت فى الخامسة عشر من عمرى ، وأخى الأصغر طفل فى العاشرة ، مع ذلك يخرج معى لحمايتى .
قلت : وأمك ؟ أليس لها دور ؟.
قالت الفتاة : أمى تخاف من أبى وتعمل حساب ابنها الأكبر ، وتقول لى تحملَّى يا ابنتى كما تحمَّلت أمك وجدتك وخالتك وعمتك وكل النساء ، هذا مصيرنا يا ابنتى ، فاصبرى لعل الله يرزقك بعريس الهنا يعوضك عن قسوة أبيك ، لكنى لم أسمع كلام أمى ، ولم أنتظر عريس الهنا ، قررت عدم الزواج وعدم الإنجاب ، وكيف ألد أطفالاً يتعذبون كما عُذبت ، وكيف أضيف إلى هؤلاء الأطفال الراقدين على الأرصفة طفلاً جديداً ؟!
* * *
كان ذلك فى بيتى بالجيزة ، بالضبط يوم 21 مارس 1989 ، وكنت أعرف أنه عيد الأم ، وأن الإذاعات تحتفل به بالأغانى والهدايا يقدمها الأطفال لأمهاتهم ، وقد جاءتنى هذه الفتاة من أقاصى الصعيد تطلب مٍنى أن أكون أمها ، وتقول إنها سوف تعود إلى محطة القطار لتحمل بين ذراعيها طفلاً فقيراً يتيماً فى السابعة من العمر ، سوف تكون هى أمه ، وسوف تشتغل وتفتح بيتاً وتعيش معه ، وسوف تعلمه فى أحسن المدارس ولن تفرض عليه القيود التى فرضتها عليها أسرتها ، سوف تتركه حراً طليقاً ينعم الحرية التى حُرمت منها ، وهى فتاة ناضجة فى الخامسة والعشرين من عمرها تحمل شهادة الليسانس من كلية الآداب قسم الفلسفة ، سوف تشتغل ، وسوف تتحدى الكون ولن يقف فى طريقها أحداً . هكذا تقول لى .
وقالت الفتاة : أريد منك أن تكونى أمى .
قلت : وماذا أفعل بالضبط ؟.
قالت : لا شىء ، مجرد إدراكى أنك موجودة فى الحياة يكفينى .
* * *
وضعتنى الفتاة أمام اختبار صعب فى الحياة . هل أشجعها على التمرد والتحدى والسباحة فى المياه الخطرة ضد التيار ؟! أم أتبع نصيحة صديقتى الأستاذة الدكتورة ؟!.
فى مثل هذه اللحظات الحرجة يبدأ الصوت الخافت من أعماقى . قال لى الصوت : ألم تكونى فى عمر هذه الفتاة وتمردت وسبحت فى المياه الخطرة ضد التيار ؟ .لماذا تحاولين الآن الوقوف فى طريقها ؟ ، وليس لك منصب كبير فى الدولة يساعدك فى البحث لها عن وظيفة فى الحكومة ، وليس لك أصدقاء رؤساء الشركات فى القطاع الخاص ، وإن حاولت التوسط لها ربما تكون هذه الوساطة ضدها ، لأنك من المغضوب عليهم ، ولن تفيديها فى شىء ، فاتركيها تشق طريقها فى الحياة ولا تثبطى همتها .
كانت الفتاة جالسة أمامى لا تزال . عيناها سوداوان مملوءتان بالبريق ، تذكرنى بنفسى حين كنت فى عمرها . العينان نافذتان أطل منهما على معدن الإنسان أو الإنسانة . غمرنى إحساس جارف بالثقة فى هاتين العينين المشعتين بالضوء القوى .
قالت الفتاة : لا أريد منك إلا أن تمنحينى الثقة فى نفسى ، منذ ولدت وأنا أحس أن أبى يشك فى أخلاقى ، يتصور أننى مثل الفتيات لا يشغلنى إلا الحب أو الرجل ، وقد كرهت الرجال جميعاً بسبب أبى ، لم أقع فى حب رجل واحد ، ولا أريد أن أتزوج ولا أريد أن أنجب ، سوف أعود إلى الطفل اليتيم الذى ينتظرنى فى محطة القطار ، وسوف أشتغل وأفتح بيتاً ، وأكون أمه التى يحتفل بها فى عيد الأم .
* * *
مضت أعوام واضطرتى الظروف إلى مغادرة الوطن ، لأعيش المنفى خمس سنوات ، وفى عيد الأم 21 مارس 1995 ، جاءتنى رسالة من الفتاة ، كانت هى أجمل هدية أتلقاها فى عيد الأم ، كتبت فى رسالتها تقول : بلغت يا أمى الواحد وثلاثين عاماً ، أصبحت مديرة فى شركة لصناعة الملابس القطنية فى طنطا ، لى شقة جميلة تطل على الحقول الخضراء ، ويعيش معى ابنى ، عمره ثلاثة عشر عاماً ، أعطيته اسم أمى
” رجاء ” متفوق فى المدرسة ، ويريد أن يكون عالماً فى الذرة ، ويكتب الِشعر ، أول قصيدة أهداها لى فى عيد الأم منذ أيام ، مطلعها : أمى يا أجمل كلمة فى قاموس اللغة . وقد رأيت أن أرسل إليك هذه الرسالة وأنت بعيدة عن الوطن . لابد أن بك حنيناً للوطن والأهل ، لهذا أكتب وأقول لك : إننى لم أنس اليوم الذى جئت إليك هاربة من الأهل ، كنت أرتعد بالخوف والبرد بعد أن تركت معطفى الصوفى للطفل اليتيم ، لم يعد يتيماً يا أمى ، وأصبح اسمه رجاء ، وجاءت أمى من الصعيد ، ورأت بيتى الجميل فى طنطا ، وفرحت حين سمعتنى أناديه باسمها رجاء ، وجاء أبى أيضاً واطمأن علىَّ ، أكثر ما أسعده أننى أصبحت مديرة لشركة صناعية كبيرة ، أتقاضى كل شهر مرتباً كبيرة ثلاثة أضعاف مرتب أبى ، لكن فرحة أمى كانت بحفيدها رجاء الذى يحمل اسمها ، أكتب إليك يا أمى قبل عيد الأم بأسبوعين ، أعرف أن البريد بين مصر وولاية نورث كارولينا يستغرف على الأقل عشرة أيام ، أرجو أن تصلك الرسالة فى يوم عيد الأم ،لتعرفى أن ابنتك ” رشيدة ” تذكرك ، وتذكر اليوم الذى فتحت فيه قلبك وبيتك لها ، كان هو يوم مولدى الحقيقى ، لقد ولدت من جديد فى هذا اليوم ، مملوءة بالثقة فى نفسى ، قادرة على أن أحدى العالم !
ابنتك رشيدة أم رجاء
* * *
أمسكت الرسالة فى يدى ، ألامسها بأطراف أصابعى ، كأنما ألامس وجه الوطن ، راحت الغربة . تبدد الحزن ، فتحت نوافذ بيتى لتدخله الشمس ، إنها الشمس ذاتها التى تشرق فى كل بلاد العالم ، أفريقيا و آسيا و أوروبا وأستراليا والأمريكتين ، الوطن ليس قطعة أرض تسقط عليه الرأس ، الوطن هو رسالة مليئة بالحب يأتينى من البعد .
* * *
لا يكون حباً حقيقياً إلا إذا كان متبادلاً . الحب من طرف واحد نوع من العبودية . الهوان والهذاب والاحتراق بنار الحب كلها من بقايا عصر الرق والعبيد . حين كان يُفرض على العبد أن يحب سيده الذى يضربه بالكرباج . ويفرض على المرأة أن تحب زوجها الذى يقهرها ويضربها ويشدها من شعرها .
الحب إن اختلفت أنواعه فهو واحد ، منبعه القلب والعقل و الجسد و الروح فى كيان واحد ، وأساسه الأول هو الأخذ والعطاء ، أى التبادل بالعدل والحرية ، وليس بالإجبار والقوة والجبروت .
وإن حدث الحب من أول لقاء أو آخر لقاء فهو ينشد السعادة واللذة والحرية ، لا يعيش الحب قى التعاسة والألم والقيود ، لا يختلف حب الوطن عن حب الأم أو الأب أو الزوج أو الزوجة أو الابن أو الابنة ، وكلها أنواع من الحب لا تعيش إلا بالتبادل المتساوى أخذاً وعطاءً .
إن الأب الذى يقسو على أبنائه وبناته ، لا يمكن أن يتوقع منهم الحب . إن الوطن الذى يجرد الإنسان من كرامته وحريته وطعامه وشرابه ، لا يكون وطناَ .
الوطن هو حيث يكون العدل ، وحيث تكون الحرية ، وحيث يكون الحب . الوطن ليس هو المكان حيث مسقط الرأس ، بل هو دفء الإنسانية والمحبة والتعاون والصدق والعمل المنتج ، ولذة الإبداع والفرحة بالجديد والتجديد .
لقد مللنا الأغانى الوطنية التى كان يغنيها العبيد أيام المماليك والسلاطين ، ولم نعد نغنى للملك فى عيد ميلاده ، أو الملكة فى عيد زواجها ، فما هذه الأغانى التى تشدنا إلى الوراء إلى عصور الرق ؟ .وما هذه الأصوات التى تأمرنا بحب الوطن بالكرباج ؟ .وكيف أحب رجلاً يذيقنى ألوان الهوان ؟ .وما هذه الأغانى فى عيد الأم دون أن يكون للأم حقوق الإنسان ؟.
* * *

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد