التمييز والقسوة إزاء المرأة في العراق في العهود المختلفة – التمييز والمرأة في عهود الدول الأموية العباسية والعثمانية 2-7

د. كاظم حبيب
 
التمييز والقسوة إزاء المرأة في العراق في العهود المختلفة – التمييز والمرأة في عهود الدول الأموية العباسية والعثمانية 2-7

عندما دخل الفاتحون العرب إلى العراق حاملين راية الإسلام دخلت معهم أيضا التقاليد العربية الجاهلية والبدوية التي كانت ما تزال سارية بشكل واسع جداً في أوساط القبائل العربية رغم إسلامهم، إضافة إلى ما ورد في القرآن وأحاديث الرسول محمد من وصايا وتوجيهات وأفكار إصلاحية ودعوات لممارسات جديدة أو تواصل مع الماضي بشأن المرأة. وابتداءً يفترض أن نفهم موقف القرآن من المرأة ومن ثم نتابع الممارسات الفعلية للذين تولوا مسؤولية المسلمين في العالم الإسلامي على امتداد قرون كثيرة. فما هو بالتحديد موقف القرآن من المرأة؟
بدأ محمد بن عبد الله دعوته للإسلام في المجتمع العربي المكي المتسم بالتقاليد الأسرية ذات الأصول القبلية البدوية والمحاطة بالبداوة رغم النشاط التجاري الذي تميزت به مدينة مكة بشكل خاص وقيام كثرة من التجارة برحلة الصيف والشتاء إلى الشام للتبضع أو بيع منتجات مكة، والتي شارك فيها محمد ايضاً باعتباره مسؤولاً عن تجارة خديجة الكبرى. وللمجتمع المكي تقاليد وعادات موروثة ومستقرة لعقود طويلة إزاء الأسرة والمرأة منبثقة من طبيعة العلاقات الاجتماعية السائدة ومن النظام الأبوي أو الذكوري الذي ساد المنطقة كلها حينذاك. وأصبحت هيمنة الرجل تشكل السمة المميزة للعائلة والقبيلة، ولكنها لم تحرم المرأة من حرية واسعة نسبياً، إضافة إلى مكانة اجتماعية محترمة، رغم استمرار وجود عادات وتقاليد بالية ومناهضة للمرأة باعتبارها كياناً مستقلاً.
انطلق محمد من الواقع المكي، بعد أن كان قد اطلع بصورة جيدة على الديانة اليهودية وتعاليمها، كما اطلع عبر رحلاته للشام على تعاليم الديانة المسيحية، في رحلته مع الإسلام ونشر الرسالة المحمدية في ارجاء الجزيرة والدول المجاورة، ساعياً إلى تغيير بعض العادات والتقاليد التي تحط من كرامة المرأة ومن حريتها، ولكنه كان محكوماً بأوضاع مكة ذاتها، فلم يخرج بالكامل عن تلك التقاليد والعادات والأسس المنيعة التي كان المجتمع المكي الارستقراطي يحتمي بها ويدافع عنها بعناد شديد. ويتجلى ذلك في الآيات القرآنية التي اتخذت مواقف متباينة إزاء المرأة في الفترات المختلفة والتي تجسد تناقضاً وصراعاً داخلياً واضحاً. كما كانت تتجلى في الأحاديث المنسوبة إلى محمد بن عبد الله.
فالقراءة المدققة للآيات القرآنية وللأحاديث المنسوبة إلى النبي محمد سيجد الإنسان نفسه أمام جملة من المواقف المتباينة التي تشير إلى تباين في فترات صياغتها والعوامل التي دفعت أو الظروف التي أثرت فيها، كما إنها تبين بأنها لم تكن بعيدة عما انتقل إلى العرب من تقاليد وعادات إزاء المرأة من العراق القديم أو من العهد الروماني والإغريقي القديم والعهد البيزنطي المسيحي في الشام، خاصة وأن التجار العرب كانوا على اتصال وثيق مع الشام في الرحلات التجارية والتي شارك فيها محمد أيضاً. وينطبق هذا الأمر على مشكلة الرق. إذ كان الموقف من الرقيق، سواء أكانوا رجالاً أم نساءً، من حيث المبدأ استنساخاً أو اعترافاً وقبولاً لما كان سائداً في المجتمع الجاهلي وتثبيته في القرآن وممارسته في المجتمع العربي الإسلامي، أو الإسلامي بشكل عام. كما كانت هناك مسائل ومواقف جديدة أكثر تشددا مما كان عليه الموقف في فترة الجاهلية إزاء المرأة. ولكن كانت هناك جوانب إيجابية أوردها النص القرآني أو تبناها النبي محمد التي أفادت المرأة، وهو قليل على أهميته، مثل رفض وأد البنات أو الهم الذي كان يشعر به الرجل عند ولادة ابنة له. ويمكننا هنا الإشارة إلى بعض المسائل التي جرى التركيز عليها في الإسلام إزاء المرأة والتي اتخذت بمرور الزمن أبعادا جديدة، سواء كانت أكثر سلبية أم إيجابية في مجال التشريع (أو) والممارسة العملية:
• رسم القرآن صورة متفردة للذكر تؤكد أنه الأصل في بني البشر، وأنه الكل. أما الأنثى فهي ليست سوى الجزء المتفرع عنه. (أنظر: محمود، إبراهيم. الجنس في القرآن. رياض الريس للكتب والنشر. بيروت. 1994. ص 133). فقد ورد في القرآن بهذا الصدد ما يلي: يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدةٍ وخَلَقَ منها زوجها وبثَ منهما رجالاً كثيراً ونساء …”. (أنظر: القرآن. سورة النساء الآية 1، ص 77). كتب السيد إبراهيم محمود في هذا الصدد يقول: “ولعل ما يلفت النظر فيها، هو خلق (آدم) أولاً، الذي يقابل التأكيد على أسبقية الحضور الوظيفي للرجل، وتعزيز دوره في التاريخ وسلطته على المرأة، وتهميش دور المرأة، من خلال تبعيتها للرجل (ألم تكن حواء جزء من آدم، والجزء هو بمعنى ما، عدم وجود معنى له إلا بوجود الأساس له، أي الكل (آدم)، وحتى عندما يجري تعظيمها (كما في المولد “مولد ابن حجر مثلاً” فإن عملية التعظيم تكون لاحقة عليها، لأنها تحمل معها شارة “أفضل الأنام” محمد، وهذا يذكرنا بالعذراء التي ترتبط بالمسيح، ثم حورت لاحقاً لتصبح ثمئذٍ الروح القدس، كتعبير عن توجه رجولي مسيّس ..الخ”. (أنظر: محمود، إبراهيم. الجنس في القرآن. مصدر سابق. ص 79).
• قيمومة الرجل على المرأة، كما ورد في الآية القرآنية: “الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم….”. (سورة النساء. الآية 34. ص 83). وكان يراد من هذا التحديد رسم الحواجز والفوارق بين المرأة والرجل من منطلق ذكوري واضح، دون أن تُذكر المبررات لمثل هذه القيمومة على النساء. ورغم أن نشوء المرأة من ضلع أدم أو ما شاكل ذلك، الذي كما يبدو حدد عملياً قيمومة الكل على الجزء أو الرجل على المرأة، ليس سوى أسطورة لا تصمد أمام العلم، ولكنها أسطورة دينية تقبل من الناس على علاتها كما تقبل قضية الخالق ذاته، أو الملائكة أو كل الأساطير الدينية، بما فيها أسطورة ولادة المسيح دون أن يمس مريم العذراء رجل ما. وكان لقرار قيمومة الرجل على المرأة تبعات في الحياة العائلية والقبلية والاجتماعية والسياسية في حينها وحتى الوقت الحاضر.
• إبعاد المرأة عن احتلال المواقع الأساسية في الحياة السياسية أو العامة التي ترتبط بإدارة شؤون البلاد، حيث جاء في حديث منسوب إلى محمد قوله: “لن يفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة”. (أنظر: العلوي، هادي، فصول عن المرأة، دار الكنوز الأدبية، بيروت، ط 1، 1996، ص 37). ويشير الكاتب المصري فهمي منصور إلى موقف محمد من المرأة بقوله: “ودونية المرأة برأي محمد تمنعها أن تؤدي بعض الأدوار. فعندما علم النبي أن الفرس اختاروا امرأة لتحتل العرش – ابنة كسرى – صرح محمد قائلاً “لن ينجح شيء من هؤلاء الذين يقبلون أن تحكمهم امرأة”. (أنظر فهمي، منصور، أحوال المرأة في الإسلام، منشورات الجمل، 1997، ص 44). ومثل هذا القول المنسوب إلى محمد، يعبر عن رؤية بدوية ذكورية صرفة. وفي مثل هذا الموقف الشديد المنسوب إلى النبي محمد إزاء المرأة سمح بصورة غير مباشرة أن يجتهد الآخرون في حرمان المرأة من تولي مركز الخليفة على المسلمات والمسلمين، أو أن تصلي في المصليات والمصلين أو أن تكون قاضية تحكم بين الناس. ويختلف الفقهاء في مدى توسيع رقعة الممنوعات على المرأة، فبعضهم يركز على منصب الخلافة، في حين يوسعه البعض الآخر. (المصدر السابق نفسه. ص 37). ولكنه في كل الأحوال كان الموقف المنسوب إلى محمد فيه إضعاف لدور ومكانة المرأة وفي قدرتها على المنافسة أو التماثل مع الرجل.
• وانطلاقا من موقع القيمومة على المرأة مُنح الرجل حق ضرب زوجته، أي إهانتها، في حالة معينة، وهي حالة كان الرجال العرب يمارسونها في الجاهلية، في حالة الخشية من نشوز المرأة، ممارسة الضرب عندما تستعصي على زوجها أو ترفض أن يغتصبها عنوة وهي غير راغبة رغم كونها زوجته، إذ جاء في الآية ما يلي: “… واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن في المضاجع واضربوهن فأن أطعناكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً أن لله علياً كبيرا”. (القرآن. سورة النساء. الآية 34. مصدر سابق. ص 83). والغريب في الأمر أن يحاول أحد علماء الاجتماع العراقيين التخفيف من أهمية مثل هذا الموقف من خلال القول مثلاً “ومعنى هذا أن القرآن الكريم حذَّر من المغالاة في ضرب الزوجة وعقابها، لأن ذلك قد يكون ظلماً وبغياً”. (الحيدري. المصدر السابق. ص 256). فهو بهذا المعنى قد قبل بالضرب وتوجيه الإهانة لكرامة المرأة، ولكن على قدر معين لكي لا يتحول إلى ظلم وجور، إذ كتب الدكتور إبراهيم الحيدري في مكان آخر من كتابه الموسوم “النظام الأبوي ومشكلة الجنس عند العرب” يقول: “والواقع، فقد اختلف المفسرون في تفسير الآية الكريمة، وأوَّلها البعض برجاحة العقل والرأي عند الرجل ووجوب سيطرته على المرأة، لأن عقلها يساوي نصف عقل الرجل، وكذلك إباحة ضربها، مع أن أغلب الفقهاء والمفسرين متفقون على أن القرآن الكريم حذَّر من لمغالاة من ذلك، وإلا يكون الضرب مبرحاً أو أن يكون قسوة وتعذيباً.”. (أنظر: الحيدري، إبراهيم د.، النظام الأبوي وإشكالية الجنس عند العرب. مصدر سابق. ص 256). أي أن الزميل يوافق أن يكون الضرب تأديباً. إذ أنه لم يشجب رأي الفقهاء، بل شجب إلى حد ما رأي المتشددين حين كتب يقول: “غير أن بعض الفقهاء المتعصبين ذهبوا إلى تقييد حرية المرأة وتحديد تصرفاتها وحركتها، واعتبروا وجودب طاعة الزوج طاعة عمياء حكماً سابقاً على طاعة الله، ما عدا في ما يأمرها بمعصية، ترك الصلاة والصوم أو أن يحملها على الزنى”. (المصدر السابق نفسه. ص 256). واعتبر الحيدري أن “مثل هذه التفاسير والتأويلات البائسة لمفهوم القيمومة، جرد المرأة من إنسانيتها وكرامتها ومساواتها في الخلق، وجعلها مجرد شيء، وهو ما رسخ دونية المرأة عند بعض فقهاء المسلمين ومن قلدهم في ذلك”، (المصدر السابق نفسه. ص 257). متعصبة، وليس تلك المعتدلة التي تقبل بالضرب التأديبي دون أن يقوله نصاً ولكن ضمناً. ومنه يبدو بوضوح بأن المرأة في القرآن قد صورت وكأنها مشروعاً مخصصاً للجنس بالدرجة الأولى وللتكثير بالدرجة الثانية بالنسبة للرجل، وبالتالي منح الرجل حق ضربها أن استعصت عليه جنسياً. كما منح الرجل حق التمتع بالزواج من أربع نساء في آنٍ واحد، مع حق التسري بعدد غير محدد من الجواري الحسان. وحالة التسري في الإسلام مماثلة لما كان عليه الحال في العراق القديم.
• لم يحرم الإسلام العبودية التي كانت سائدة في المجتمع العربي أو في المناطق التي استعمرها فيما بعد، بل أكدها في عدد كبير من الآيات القرآنية. فقد أشار الكاتب سردار أمد في مقال له عن “العبودية في الإسلام إلى ما يلي: ” القرآن ليس فقط لم يحرم العبودية بنص أو آية، بل الأنكى من ذلك أنه أقرها وثبتها من خلال سن القوانين المنظِمة لمجتمع العبيد، كما أنه شجع على امتلاك العبيد وذلك في آيات الزواج والنكاح فقد تم التطرق للعبيد في القرآن في 29 آية على الأقل ، وذكر” مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ” 15 مرة، ((فقد تكرر ” مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ – مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ – مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ ” في القرآن بالآيات التالية: سورة النساء 3 – سورة النساء 24- سورة النساء 25- سورة النساء 36- سورة النحل 71- سورة المؤمنون 6 – سورة النور 31- سورة النور 33 – سورة النور 58 – سورة الروم 28- سورة الأحزاب 50 (ذكرت مرتين) – سورة الأحزاب 52- الأحزاب 55- المعارج 30). (أنظر: سردارد آمد، العبودية في الإسلام، موقع الحوار المتمدن، العدد: 2561 – 2009 / 2 / 18).
وقد مورست العبودية ضد النساء بشكل واسع جداً، وكذلك بيع الرجال كعبيد في سوق النخاسة الإسلامي. وكان التجار العرب يستوردون النساء الأفريقيات لبيعهن في مزاد علني في مدن الدولة العباسية مثلاً. كما تم استيراد النساء، إضافة إلى الأولاد، من مناطق مختلفة من مستعمرات الدولة العباسية أو مناطق أخرى مثل جورجيا. حتى الآن لم يلغ شيوخ الدين المسلمين العبودية، لأنها واردة في القرآن، ومازال هناك عبيد بطريقة مبطنة في دول عربية وذات أكثرية مسلمة لا يكشف عنها تماماً. ونجد كثرة من شيوخ المسلمين الوهابيين أو حتى غيرهم من فقهاء المسلمين الذين يدافعون عن الرق في الإسلام. فعلى سبيل المثال لا الحصر نورد ما يلي: “في عام 2003 أصدر الشيخ السعودي صالح الفوزان فتوى قال فيها أن الرق جزء من الإسلام وأنه جزء من الجهاد، وأن الجهاد سوف يستمر طالما بقي الإسلام، ثم هاجم الشيخ فوزان علماء المسلمين الذين قالوا عكس ذلك زاعماً أنهم “جهلة وليسوا علماء بل مجرد كتّاب”، وأضاف أن أي شخص يقول مثل هذه الأشياء هو كافر ملحد، جدير بالذكر أن الشيخ الفوزان كان يشغل المناصب التالية عند إصداره هذه الفتوى: عضو مجلس كبار رجال الدين الذي هو أعلى هيئة دينية في المملكة العربية السعودية وعضو مجلس الأبحاث الدينية وخطيب مسجد الأمير متعب في الرياض ومحاضر في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية التي هي مركز التعليم الوهابي الرئيسي في الدولة ” (المصدر السابق نفسه).
• وميز القرآن بين الرجل والمرأة لصالح الأول في مجال توزيع الإرث بين الأولاد والبنات من أفراد العائلة، فقد جاء فيه قوله: “يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين …”. (المصدر السابق نفسه. ص 27). (أنظر أيضاً: رضا جواد الهاشمي، نظام العائلة في العهد البابلي القديم، ط 1، 1970). ومثل هذا التمييز استند إلى أن الرجل حينذاك هو الذي كان يتحمل المسؤولية الاقتصادية في العائلة، رغم أن المرأة كانت تعمل وتساعد زوجها في تحصيل الرزق وتتحمل عبء الحياة والعائلة.
• وميّز القرآن بين المرأة والرجل في المحاكم أيضاً عندما تُطلب للشهادة على حدث ما، فشهادة امرأتين تعادل شهادة رجل واحد.
• واعتبر المشرع الإسلامي، واستنادا إلى أحكام القرآن والتفسيرات التي أعطيت، بشأن المهر الذي يعطى للمرأة عند زواج الرجل منها وقبل دخوله فيها، سواء كان ذلك في زمن محمد أم في فترة الحكم الأموي والعباسي ومن ثم العثماني، مهرا يدفع انطلاقا من كونها مشروعا جنسياً بالنسبة للرجل، فهو المستفيد من هذا المشروع وكأن التمتع بالعملية الجنسية محصور بالرجل وليس تمتعاً مشتركاً. أشار هادي العلوي بصواب إلى رؤية المشرع في الإسلام للمرأة وزواجها من الرجل حيث كتب يقول: ” المهر هو ما يعطيه الرجل للمرأة من مال نقدي أو عيني لقاء زواجه منها، ويسمى أيضا الصداق …. وينظر إلى المهر على أنه ثمن جسد المرأة، ولذلك يطلق على أجرة المومس التي تسمى في الفقه “مهر البغي“، وهو من المحرمات. وبهذا الاعتبار يكون معنى المهر هو ثمن التمتع بجسد الزوجة…”. (العلوي. هادي، فصول عن النساء، مصدر سابق، ص 50).
• وامتلك الرجل في النصوص القرآنية مكانة أعلى وارفع من المرآة دون أن يتبين الإنسان سببا واقعياً يمنحه هذا الموقع المميز ويسلبه من المرأة، إذ ساعد هذا التصور الوحيد الجانب والذكوري في أن يكون الرجل العربي المسلم أكثر استبدادا وتشدداً إزاء زوجته أو ابنته أو أخته من عرب الجاهلية أو من المسلمين في الريف والمدينة في مختلف بقاع الأرض.
• وقدم القرآن المرأة على إنها الجزء اللعوب والساحر الذي يسكنه الشيطان أبداً، وهي التي تمارس كل الحيل والألاعيب من أجل السيطرة على الرجل بسحر جمالها وغنجها بحيث تثير شبقية الرجل وتلهب حواسه ومخيلته وتسقطه في فخاخها، “إن كيدهن لعظيم” كما يرد في القرآن، إنها الخطيئة بعينها منذ أن أغوت آدم بقطف وأكل التفاحة فأنزلهما الله من سمائه إلى أرضه، وستبقى هذه الخطيئة تلاحقها أبداً وتنغص عليها عيشها عبر الرجل الذي عليه أن يخضعها لإرادته، لكي لا تدفعه لارتكاب خطايا جديدة، إنها المشروع الجنسي الذي ينبغي أن يراقب أبداً وأن لا يمنح الثقة، إذ يسكنها الشيطان ذاته وذات كيدٍ عظيم.
وفي الوقت الذي حرر جسد الرجل من كل قيد إلا عورته، قيد جسد المرأة وأفسح عملياً لخيال الرجل أن يمارس دوره في حبسها فيما نراه اليوم من سجن معتم يضيق على المرأة المسلمة في الكثير من بقاع العالم، إنه الحجاب. وتشير الكثير من المصادر الموثوق بها إلى أن العرب في الجاهلية كانوا أكثر حرية في هذا الصدد، إذ أن النسوة والرجال كانوا يطوفون البيت الحرام وهم عراة أو شبه عراة دون أن يجدوا في ذلك إثماً من جانب المتعري أو الناظر إليه. (محمود، إبراهيم، الجنس في القرآن، مصدر سابق، ص 81). وفي سورة الأحزاب ترد مجموعة من الوصايا والمحرمات لنساء النبي محمد، ومنها موضوع الحجاب. وإذا كانت إحدى الوصايا الواردة في سورة الأحزاب، وهي التي تعالج الموقف من نساء النبي محمد بشكل خاص، تشير إلى نساء النبي بعدم التبرج كما كان عليه الحال في زمن الجاهلية الأولى، فأنها تطرح في نفس الآية وفي مكان لاحق ما يؤكد إقامة حجاب بين نساء النبي والرجال الآخرين، خوفاً على نساء النبي من إشكاليات نشوء علاقات مع رجال آخرين. فقد وردت الآية التالية في سورة الأحزاب: “يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولاً معروفاً* وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى…”. (القرآن، مصدر سابق، سورة الأحزاب، الآية رقم ،3. ص 422).
ثم جاءت في نفس السورة آية لاحقة تقول: “… وإذا سألتموهن مَتاعاً فسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبداً إن ذلكم كان عند الله عظيماً*”. (سورة الأحزاب، الآية 53، ص 425).. كما وردت آية أخرى في القرآن تشير إلى الحجاب بصيغة ما حيث ورد ما يلي: “يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفوراً رحيما”. (سورة الأحزاب، الآية 59، ص 426). وقد استغل بعض علماء وفقهاء الدين هذه التوصيات والمحرمات على نساء النبي لتعميمها على المجتمع النسوي الإسلامي وترك المجال لخيال الرجل أن يغوص في متاهات حولت الحجاب إلى سجن حقيقي بالنسبة إلى المرأة وفي مناطق كثيرة من العالم الإسلامي، كما في أفغانستان واليمن وغيرهما. لقد أكدت هذه الآيات إلى أن المشكلة كانت لدى نساء النبي الكثيرات، وكان على محمد أن يتخذ الموقف الذي يصون زوجاته إزاء ما كان يقال بشأنهن، فكانت تلك الآيات حيث تقرر فيها الموقف من نساء النبيل لا غير. لقد اعتبر هؤلاء الفقهاء نساء النبي قدوة حسنة لبقية النساء في الإسلام، وبالتالي عليهن ما على نساء النبي، رغم التمييز الذي طرحه القرآن في بداية الآية رقم 32 من سورة الأحزاب بقوله “…لستن كأحد من النساء….”، وبعض هؤلاء الفقهاء، وبمرور الزمن، بالغوا في التشدد في الحجاب حتى أصبح قطعة من قماش أسود أو أي لون آخر تغطي جسد المرأة من قمة الرأس إلى أخمص القدمين. وهو تعبير عن قلق الرجل وشكه وخوفه على ما يمكن أن ترتكبه المرأة ذاتها أو تتسبب فيما يمكن أن يرتكبه الرجل من خطايا وذنوب بسبب إغوائها ودفعها لارتكاب تلك المعاصي! ولكن ليس في هذه الآيات أي تعميم للحجاب على بقية النساء كما يشير إلى ذلك بصواب الدكتور رشيد البندر عندما كتب يقول: “ثم جاءت النصوص بوجوب الحجاب الكامل لجسد المرأة بينما ترى مذاهب أخرى أن الحجاب لا يشمل الوجه والأطراف وأن الرجوع إلى أسباب نزول الآيات سيوضح مهمتها الوقائية في حينها”، (البندر، رشيد د.، بعض النصوص والتشريعات الدينية الخاصة بالمرأة، في مجلة الثقافة الجديدة، العدد ،62. شباط وآذار 1995، ص 76).
• ولنساء النبي فقط. فليست هناك نصوص قرآنية تفرض الحجاب على كل النساء، لكن هناك فتاوى من فقهاء أو أحكاماً منهم فرضت الحجاب على النساء وأن اختلف هؤلاء الفقهاء في تفسير الحجاب ومداه وما يفترض أن يغطيه من جسد المرأة. وجاء في القرآن فيما يخص النساء عموماً قوله بضرورة حفاظهن على فروجهن لا غير، أي ليس وجوههن أو سواه من جسم المرأة، كما هو الحال مع الرجل، إذ ورد في الآية 35 من سورة الأحزاب بهذا الصدد ما يلي: “إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقنتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين لله كثيراً والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيما*”. (القرآن، سورة الأحزاب، الآية 35، ص 422).
• ومن أجل زيادة تشويه أخلاقية وطباع أو سلوكية المرأة في الحياة الدنيا قُدمت المرأة للرجل في الحياة الآخرة، أي في الجنة أو الفردوس، على أنها الروعة في الحسن والجمال وبديع الأخلاق، وبالتالي منح الرجل المزيد من الحرية في ممارسة ما يريد معها في الآخرة، ولكنه فتح خياله لممارسات مماثلة في الحياة الدنيا.
واعتبر القرآن أن مهمة المرأة، إضافة إلى كونها مشروع جنس وتمتع للرجل، تتلخص في إعادة إنتاج الإنسان والإكثار من الإنجاب، وعندما تكون عاقراً يمكن للرجل أن يستبدلها بامرأة أخرى أو يتزوج عليها. ونسب إلى محمد قوله: “سوداء ولود خير من حسناء لا تلد”. (العلوي، هادي، فصول عن المرأة، مصدر سابق، ص 41). وفي هذا المقطع يلاحظ القارئ صيغة التمييز بين المرأة السوداء والمرأة البيضاء، كما اعتبر المرأة السوداء غير ذات حسن، وهو معيار لرجل أبيض يميل عموما إلى البيضاوات من النساء أولاً، ولكنه يريد ويهمه الإنجاب قبل ذاك، إذ يقول “وإني مكاثر بكم الأمم”. (المصدر السابق نفسه). وجدير بالإشارة إلى أن الغزالي اعتبر النكاح بمثابة الرق، وهذا يعني المزيد من عملية الحط من كرامة ومكانة المرأة ومغالاة في إهانتها وإخضاعها لإرادة الرجل، إذ كتب يقول: “النكاح نوع رق، فهي رقيقة له فعليها طاعة الزوج مطلقاً في كل ما طلب منها في نفسها مما لا معصية فيه”. (المصدر السابق نفسه، ص 36، عن كتاب “آداب النكاح من الإحياء“).
• إذ أن الزواج في الإسلام يقوم على أساس عقد بيع وشراء. فالمرأة تبيع فرجها للرجل ليتمتع به ويكاثر به نوعه. تشير الكاتبة الدكتورة شهلا حائري، وهي ابنة أحد آية الله حائري في إيران تقول: “على امتداد القرون، لم يتغير تعريف الشيعة لمؤسسة الزواج كثيراً. ويعرف الحلًِِي، وهو فقيه من القرن الثالث عشر الميلادي، عقد الزواج بأنه “ذلك النوع من العقود الذي يؤمن سيادة الرجل على فرج المرأة “البضع”، من دون أن يعطيه حق الملكية، كما هو الحال في الزواج من جارية”. (أنظر: حائري، شهلا د.، المتعة الزواج المؤقت عند الشيعة، حالة إيران 1978-1982، ط 9 منقحة،. شركة المطبوعات لنشر والتوزيع، بيروت، 2004، ص 59). علماً بأن البعض يحاول أن يشير إلى أن عقد البيع والشراء يتم في حالة زواج المتعة الممارس من قب الشيعة، وخاصة في إيران، في حين أن الزواج الدائم هو عقد إقامة عائلة. إلا أن الدلائل العملية والكثير من الكتابات تدلل على أنه لا يختلف كثيراً فكلاهما عقد بيع وشراء أحدهما مؤقت والآخر دائم، رغم أن الدائم يمكن فسخه أيضاً.
ويبدو لقراء القرآن من الجنسين بوضوح كبير أن القرآن، كما استنتج الكاتب إبراهيم محمود بصواب في كتابه الموسوم “الجنس في القرآن”، ذكوري المنهج والمضمون، إذ كتب يقول: “ولغة القرآن تبدو في جوهرها رجولية (ذكورية) المرأة كجسد حاضرة فيها على أكثر من صعيد، كرغبة تحتاج لضبط وانضباط متواصلين، هي المتقلبة باستمرار لمتضمناته!”. محمود، (إبراهيم. الجنس في القرآن، مصدر سابق، ص 148).
وقد ترك هذا التصور القرآني للمرأة المرتبط بعضه برؤية عربية سابقة، وبعضه الآخر ناشئ عن تقاليد متوارثة لا في الحجاز فحسب، بل في المنطقة بأسرها، وبعضه الثالث وارد عند الأديان الأخرى كاليهودية والمسيحية، ولكنه جميعاً لم يبلغ المستوى الذي بلغه القرآن في رؤيته للمرأة على الشاكلة التي أوردنا جزءاً منها في أعلاه. وبمثل هذه الرؤية عن المرأة وفر القرآن للرجل المسلم إمكانية إضافية لفرض تفوقه المزعوم على المرأة واستبداده بها وتقييد حريتها وحركتها بل وصل الأمر إلى حد امتلاكها كما يمتلك السيد عبده، فهي ناقصة العقل، تماما كما كانت رؤية أرسطوطاليس في اليونان القديمة إلى المرأة. وقد تفتقت مخيلة المشرع في الإسلام وفق المذهب الذي ينتسب إليه في وضع قائمة بالممنوعات على المرأة، تفوق كل تصور وتبتعد حتى عن تلك التصورات الواردة في القرآن عن المرأة. وشكلت المرأة عمليا مجالاً رحباً من مجالات الفقه في الإسلام سيطر فيها الفقه الذكوري، كما هو في القرآن، على المعالجات التي أعطيت للمشكلات التي كانت تواجه المرأة. وقلة ممن حاول أن يمنح المرأة بعض الحقوق وأن يخفف من التزمت الذي يراد فرضه عليها، فاعتبر من باب المنصفين للمرأة والمتفضلين عليها. ولم تمنح المرأة من الناحية العملية إمكانية أو حق المشاركة في الفقه عملياً، إذ هناك ندرة من تضلع من النسوة في شؤون الدين، كما لم نسمع عن ذلك في العهود الأموية والعباسية والعثمانية على سبيل المثال لا الحصر. وبالتالي حصر الرجال الفقه بالذكور من المسلمين دون الإناث المسلمات رغم عدم ورود أي آية تبعد النسوة عن الفقه الإسلامي. وقاد ذلك إلى أن يبقى المتحكم بالتشريع الإسلامي هو الفكر الذكوري والممارسة الذكورية، وأن الذكور يقررون للنساء المسلمات ما يناسب الرجال. أما ما يناسب النساء في الرجال وفي غيره فلا يجده الإنسان في شرع الذكور النافذ المفعول في المجتمعات الإسلامية ولا في القرآن.
ويبدو أن بعض الكتاب وهم يحاولون الدفاع عن الإسلام في موقفه من حقوق المرأة يقعون في خطأ السكوت عن بعض الأسس المبدئية في الموقف من المرأة والرجل حتى يصل بهم الأمر إلى التغني باعتراف القرآن بإنسانية المرأة، وكان هناك من لا يعترف بكونها إنساناً مثل الرجل أو أي شك في ذلك، إذ كتب الدكتور إبراهيم الحيدري يقول: “اعترف الإسلام بإنسانية المرأة ومساواتها بالرجل في الخلق …”، وفي مكان آخر يقول: “. (أنظر: الحيدري، إبراهيم د.، النظام الأبوي وإشكالية الجنس عند العرب، مصدر سابق، ص 253). كما اعترف بإنسانيتها ومساواتها مع الرجل في الخلق والإيمان والتكليف في الكثير من الحقوق والواجبات، مع التمييز النسبي بين الذكورة والأنوثة، …”، (المصدر السابق نفسه، ص 256)، ويرى في ذلك منقبة كبيرة. إن الدكتور إبراهيم ينطلق في رؤيته لحقوق المرأة في الإسلام من مواقع ذكورية أيضاً تماماً تسمح له بتقليص حقوق المرأة، كما وردت في القرآن، ويختلف مع بعض المشرعين في التشدد في تفسير بعض الآيات والاجتهاد فيها. فهو يقول مثلاً: “وقد أرسى الإسلام مبادئ اجتماعية واقتصادية وأخلاقية جديدة وعادلة لتحرير المرأة من قيود عبوديتها وجهالتها. وقد نزلت آيات قرآنية تدعم هذه المبادئ وتخص المرأة بسورة مخصصة لها من بين 114 سورة، بينما لم تخص الرجل بسورة واحدة”. (المصدر السابق نفسه، ص 250). يؤكد الكاتب هنا على أن ما جاء في القرآن إزاء المرأة كله عادلاً، وبالتالي فهو يقر كل الجوانب السلبية التي أشرنا إليها سابقاً بما في ذلك نقص عقل المرأة مثلاً. كما أنه يرى بأن ذكر سورة عن المرأة في القرآن هو تكريم لها في حين لا يرى بأن القرآن كله تقريباً كتب بلغة وعقلية ذكورية، إضافة إلى أن هذه السورة بالذات هي التي تضع القيود الشديدة على المرأة. يضاف إلى ذلك أن الإسلام قد أقر الرق، وبالتالي يشمل هذا النساء أيضاً، ومارسه المسلمون بكثرة وحرية كاملة استناداً إلى أحكام القرآن. ويبدو ان التفكير الذكوري عند الدكتور إبراهيم الحيدري هو الذي أوحى له بأن القرآن قد اعترف بإنسانية المرأة، ولكن لم تطرأ في باله أن القرآن قد اعترف بإنسانية الرجل أيضاً، باعتبار ذلك تحصيل حاصل. ويبدو لي بأن الرجل ومهما تحرر من ذكورية المجتمع الذي يعيش فيه، تبقى تلاحقه داخلياً ومجتمعياً تلك الذكورية المهيمنة لتنعكس في عبارات من هذا النوع، مثل أن القرآن اعترف بإنسانية المرأة، وكأن المرأة، وليس الرجل، كان بحاجة إلى اعتراف القرآن بها كإنسان لتصبح إنساناً فعلاً. علماً بأن الكاتب يدافع في كتابه عن المرأة بشكل عام ومن مواقع ديمقراطية، ولكنه يصاب بالعقم والعجز عن رؤية أو نقد موقف الإسلام من المرأة.
لا شك في أن الإسلام لعب دوراً مهما في التصدي لجملة من التقاليد السيئة التي كان عرب الجاهلية يمارسونها، كما كانت تمارسها بعض الشعوب الأخرى، إذ رفضها الإسلام ووضع تدريجا حداً لبعضها، كما في وأد البنات، أو شجبه لتفضيل الذكور على الإناث والتي ما تزال سارية في جميع المجتمعات الإسلامية، أو رفض تقديم النساء الجميلات أو المخطئات هدايا أو عقوبة لهن إلى دور العبادة كما كان عليه الحال في العراق القديم (الحضارة البابلية)، حيث تكون المرأة ممنوحة لممارسة الجنس معها لمن يشاء من الرجال، وهي عادة قديمة تمارس حتى اليوم في بعض مناطق الهند ومن قبل العوائل الفقيرة بشكل خاص. فالعائلة الهندية في تلك المناطق التي يموت لها أكثر من طفل أو ممن لا تقوى على إعاشة البنات تنذر ابنتها التي تولد وتبقى على قيد الحياة ابتداءً من عمر سبع سنوات للرقص أمام الرجال في المعابد، ووضعها لممارسة الجنس معها في المعبد أيضاً ولمن يشاء من الرجال ابتداءً من سن الثالثة عشر. ويطلق على هذه الظاهرة السيئة في الهند “تماتا: وهي ما تزال تمارس حتى اليوم، رغم نضال المرأة ضدها والسعي لإبطالها دينياً.
إن متابعة وضع المرأة المسلمة في العهد العباسي ومن ثم في الفترة التي أعقبت غزو هولاكو للعراق، ومن ثم في العهد العثماني، بعد أن دخلت كثرة من أمم أخرى غير العرب في الإسلام، كما مرّت بعهود مظلمة وقاحلة ثقافياً وإنسانياً، أصبحت أوضاع المرأة في الدول العربية، وخاصة المرأة المسلمة، أكثر صعوبة وبؤساً وفاقة في المجالات المختلفة، حيث فرض الرجل والمجتمع الذكوري قيوداً جديدة إضافية على المرأة لم تكن معروفة من قبل أو حتى بعد دخول الإسلام إلى العراق بفترة غير قصيرة.
كيف كانت طبيعة وأشكال الاستبداد الذكوري إزاء المرأة في تلك الفترات العباسية أو ما بعدها في العراق؟ يمكن تحديد واقع المرأة حينذاك بأنها كانت رهينة الرجل في البيت ورهينة المجتمع الذكوري في الحياة العامة، ورهينة السلطة الذكورية في إطار الدولة، إضافة إلى دور الإسلام في منح الذكور خصائص وامتيازات وحقوق كثيرة مميزة بالمقارنة مع المرأة التي جردت من تلك الخصائص والامتيازات والحقوق ولم يبق لها سوى عقلها الناقص وجمالها الذي تسحر به الرجال وتوقعهم في شباكها! فتفوق الرجل على المرأة، كما جاء عند بعض المفسرين، ب “العقل والعزم والحزم والرأي والقوة والجهاد وكمال الصوم والصلاة والنبوة والخلافة والإمامة والآذان والخطبة والجماعة والجمعة والشهادة في الحدود والقصاص وتضعيف الميراث وملك النكاح والطلاق وإليهم الانتساب وهم أصحاب اللحى والعمائم …”. (أنظر: العلوي، هادي، فصول عن المرأة، مصدر سابق، ص 35). والمقصود هنا بأصحاب اللحى والعمائم هم الرجال الذين كانوا يتركون لحاهم ويرتدون العمائم حينذاك في زمان الشخص الذي قدم هذا التفسير. لقد اجتمع كل ذلك ليقرر:
– إبعاد المرأة عن مراكز الدولة الحساسة، وعن الخلافة والقضاء والشرطة والجيش وما إلى ذلك. وجرى التطرق حول إبعاد المرأة تماما عن مركز الخلافة وحصره بالرجل بصورة مطلقة، رغم عدم ورود ما يشير إلى ذلك في القرآن، فيما عدا ما نسب إلى محمد حول عدم صلاح قيادة المرأة للمجتمع، إذ كان ذلك كافياً لتشريع ما يشاء الرجال من قيود ضد المرأة، إن صح ما نسب إليه، بما في ذلك إبعادها عن منصب الخلافة.
– فرضت في فترات مختلفة على المرأة عدم الخروج من البيت أو الخروج بمعية الزوج أو أحد المحارم، وفي فترات أخرى فرض منع خروج الرجل مع المرأة لأي سبب كان. كما منعت أحياناً من الصلاة في الجامع، أو أبعدت عن مواقع الرجال، وكأن بينهما الشيطان الذي يفعل فعله الدوني ولا بد من العزل بينهما، حتى أطلقت أحاديث غريبة تعبر عن تفكير جنسي مشوه ومريض تشير إلى أنه: ما اجتمع رجل إلى امرأة على انفراد إلا وكان الشيطان ثالثهما، في وقت كانت الصلاة في الجوامع مباحة للنساء في زمن محمد، كما كان حضورها المجالس ومناقشاتها وأسئلتها مباحة، وكانت السبب في تجاوز محمد ذكر الآيات القرآنية وكأنها موجهة للرجل وتضمين الآيات ما يشير إلى أنها موجهة إلى الرجل والمرأة في آن واحد.
– فرض الحجاب على المرأة في زمن محمد ولكنها اقتصرت على زوجات الرسول والمؤمنين من حوله، ولكنها اتخذت في فترات لاحقة للتمييز بين الحرائر والرقيق من النساء وأصبح الحجاب سائدا بين نساء المدينة من الحرائر، في حين بقت البادية والريف ولفترات طويلة بدون حجاب، رغم الفهم المتباين للحجاب ذاته، وكيف يستخدم وما الأجزاء التي يغطيها من الجسم. كتب الجاحظ في هذا الصدد يقول: “فلم يزل الرجال يتحدثون مع النساء في الجاهلية والإسلام حتى ضرب الحجاب على نساء النبي (ص) خاصة”. (الأطرقجي، واجدة مجيد عبد الله، المرأة في أدب العصر العباسي، مصدر سابق، ص 37). ويبدو أن الخليفة العادل عمر بن الخطاب لم يكن عادلاً إزاء المرأة ولم يكن محباً لها، بل وكما يبدو كان جائراً عليها. كتب منصور فهمي بهذا الصدد ما يلي: “وأن صدقت الروايات فأن عمر –أحد صحابة محمد- هو الذي نصح النبي بأن يعزل النساء، وعن أنس قال، قال عمر يا سول الله إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب.“ ورواية أخرى تقول “قالت عائشة كان عمر يقول لرسول الله أحجب نساءك.“ في بادئ الأمر تردد محمد في اتخاذ مثل هذا القرار ولكن فيما بعد راح يطبقه. والأرجح أن رسول الله، تحت ضغط صاحبه عمر، قد صاغ الأمر الإلهي لوضع العراقيل للعلاقات الحرة بين الرجال والنساء، …”. (أنظر: فهمي، منصور، أحوال المرأة في الإسلام، مصدر سابق، ص 51/52).
كتبت الدكتورة الأطرقجي تقول: “ويبدو أن الحضارة والمدنية والاختلاط بالأجانب هي التي أدت إلى التشديد في حجب الحرائر عن الرجال، ويؤكد ذلك ما ذكره ياقوت في أعراب مرباط الذين حافظوا في باديتهم على نقاء مجتمعهم (فكانوا لا يجدون حرجاً في أن تخرج نساؤهم إلى ظاهر مدينتهم لمسامرة الرجال ومجالستهم إلى أن يذهب آخر الليل، فيجوز الرجل زوجته وأخته وعمته وخالته، وإذا هي تلاعب آخر وتحادثه فيعرض عنها ويمضي على امرأة أخرى فيجالسها كما فعل بامرأته)”. (المصدر السابق نفسه. ص 37). وهكذا سادت العباءة المجتمع بأسره، حتى أصبحت بالنسبة إلى بعض المذاهب الإسلامية واجباً ملزما على النساء لا يجوز التخلي عنه، فأصبحت المرأة سجينة العباءة السوداء التي تغطي كامل جسدها، إضافة إلى البوشية (القناع الذي يغطي الوجه) التي دخلت على المرأة لتحجب وجهها، وتتحول إلى قطعة سوداء من قمة رأسها إلى أخمص قدميها، وبالتالي، تصبح المرأة إنساناً غير معروف، لا وجه له ولا ملاح ولا شخصية مميزة أمام الآخر والمجتمع، إنها الثروة الخاصة التي يفترض إبداء الحرص الفردي عليها وإبعاد خطر النظر في عينيها وإغوائها للآخرين.
– وإذا استثنينا بعض النسوة اللاتي برزن في مختلف العهود المنصرمة وهن قليلات جداً، فأن استثمار المرأة قد تم في ثلاثة مجالات لا غير، وهي:
 مجال لإشباع الشهوة الجنسية عند الذكر: فهي الجسد الذي يشبع الذكر من خلاله رغباته الجنسية، ولم يطرأ على بال الذكر المسلم بأن المرأة لها حق التمتع بالشهوة الجنسية، لها الحق في إشباع رغباتها أيضاً تماماً كما هو حق الرجل، وأن في جسد الرجل ما يشبع رغبات المرأة. ففي الوقت الذي تتهم المرأة بقدرتها على إغواء الرجل وبشبقيتها، لا يذكر حقها في التمتع بالجنس مع الرجل. وهذه الذهنية الذكورية تعبر عن أنانية شديدة وما تزال سائدة حتى يومنا هذا، فقد كتب السيد محمد قطب في كتابه “شبهات حول الإسلام” يقول: “كان الإسلام قد أباح للسيد أن يكون عنده عدد من الجواري من سبي الحرب يستمتع بهن وحده، ويتزوج منهن أحياناً إذا شاء”. (أنظر: قطب، محمد. شبهات حول الإسلام. دار الشروق. بيروت. 1995.. ص 60). فعنده المرأة هنا سلعة تباع وتشترى لغرض المتعة لا غير متى شاء احتفظ بها ومتى شاء باعها لمن يشاء، ومتى شاء تزوجها أو تركها أمة لديه. فالمرأة لا إرادة لها، ويخشى حتى التعبير عن حقها في المتعة مع سيدها عند المناكحة المتبادلة. فالنكاح متعة من طرف واحد، والرجل هو الذي يطأ أو يدخل في المرأة متى يريد وليس المرأة تدخل فيه متى تريد. إنها لغة ذكورية تلك التي يستخدمها الرجال، في حين أن اللغة العربية تمتلك خاصية مميزة وخصصت للمرأة مكانة مميزة أيضاً تخاطبها بها مباشرة.
 مجال لإعادة إنتاج الجنس البشري: فهي امرأةٌ ولودُ ومربية للأطفال. وهنا أيضاً وبسبب الجهل اعتبرت المرأة هي المسؤولة عن جنس المولود الجديد إن كان بنتاً أو ولداً، في حين برهن العلم على أن الرجل هو المسؤول عن جنس الوليد بنتاً جاء أم ولدا. وهذا التمييز بين الولد والبنت لصالح الولد نقرأه في القرآن، رغم أن القرآن حرم وأد البنات، إذ جاء على لسان امرأت عمران حيث جاء في سورة آل عمران الآية التالية: “إذ قالت امرأت عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محرّراً فتقبل مني إنك أنت السميع العليم* فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس للذكر كالأنثى وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم* فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتاً حسناً…“. (القرآن، سورة آل عمران، الآيات 35-37، دار الجيل، بيروت). وجاء القبول هنا في ضوء دعاء أم عمران أولاً، وكون الله كان يريد لمريم المولودة أن تكون أم عيسى، وفي هذا يبقي التمييز بين الذكور والإناث لصالح الذكور. وفي هذا تأكيد آخر على ذكورية لغة القرآن.
 مجال العمل والكدح البيتي: فقد اعتبرت المرأة خادمة في بيت زوجها، سواء أكان ذلك للطبخ أم التنظيف أم غسل الملابس وما إلى ذلك، وإذا كانت من العوائل الحاكمة والغنية فستبقى في بيتها لتقوم مجموعة من العبيد الخصيان أو الجواري على خدمتها. وهي في الوقت نفسه تمارس الفلاحة في الحقل أو حتى تمارس بيع ما ينتج في المزرعة أو الحقل. وتقوم المرأة إضافة على ذلك بدور المحفزة والمشجعة والباعثة للحماسة في نفوس المقاتلين لكيلا يخسروا المعركة. وعندما تقع المرأة في الأسر وفي أيدي الأعداء تتحول إلى عبدة عند المنتصر يتصرف بها كما يشاء.
أما المهمات الأخرى في المجتمع فقد حصرت عملياً بالرجل.
وإذ منع الإسلام سلوك أو إمكانية المراهطة عند المرأة، التي وجدت في مجتمع الجاهلية في الحجاز، كما منع أنواعاً أخرى من النكاح التي عرفت في الجاهلية، (الترمانيني، عبد السلام د.، الزواج عند العرب، مصدر سابق، ص 19- 50). فأنه سمح به وبغيره للرجل من خلال التزوج بأربع نساء والعدد الذي يقدر على امتلاكه من الإماء للتسري بهن. كما يحق له الزواج على أساس المتعة، أي امتلاك حق نكاح المرأة لفترة محددة يقررها الطرفان وفق عقد مؤقت يتم فيه إيجار فرج المرأة. (أنظر: حائري، شهلا د. المتعة الزواج المؤقت عند الشيعة، حالة إيران 1978-1982. ط 9 منقحة. شركة المطبوعات لنشر والتوزيع. بيروت. 2004). ويسمى بالزواج المنقطع أو زواج المتعة ويطلق عليه أحياناً بـ “الصيغة” بالعامية في مناطق الشيعة في العراق وفي إيران، وترفضه بعض المذاهب الإسلامية، (الترمانيني، عبد السلام. الزواج عند العرب. مصدر سابق. ص 39). ولكنها تمارس ما يماثله تقريباً. وكان هذا الزواج معروفاً في الجاهلية، باعتباره استمتاعاً بالمرأة مدة من الزمن مقابل أجر يدفع لها أو لعائلتها، وكان المولودون من البنات والأولاد بنتيجة هذا الاتصال الجنسي “ينسبون إلى أمهاتهم وإلى عشيرتها”. (المصدر السابق نفسه. ص 39).
– لقد تحكم الرجل الأب أو الأخ أو الزوج أو حتى القريب في أمر ابنته أو أخته أو قريبته في أمور جوهرية تخص المرأة وحياتها ومستقبلها، منها مثلاً:
 تحديد الرجل الذي تتزوج منه.
 أو منعها من الزواج لأي سبب كان، ومنها ظاهرة النهوة.
 المنع من الاختلاط بالرجل أو الخروج من البيت وحضور صلاة الجمعة في الجامع أو السفر البعيد.
 فرض الحجاب على المرأة وبالصيغة التي قررها الرجل أو التقاليد التي فرضها المجتمع الذكوري.
 عدم السماح لها بالسفر لوحدها خارج مدينتها أو بلدها.
وكان الشك يحيط بالمرأة من جراء النعوت التي لصقت بها، سواء ما جاء في القرآن أم على لسان الأولياء الصالحين. وقد أدى ذلك بالرجل إلى التشدد في مراقبة المرأة، سواء أكانت زوجته أم ابنته أم أخته أو حتى إحدى قريباته. وكان الرجل يصرف الوقت والمال لتأمين ذلك. كتب الجاحظ بهذا الشأن يقول: “ولو لم يكن إلا الاهتمام بالحفظ والحراسة وخوف العار من خيانتهن والجناية عليهن، لكان في ذلك المؤونة العظيمة والمتعة الشديدة، غير أن أولى الأشياء بالرجال حفظهن وحراستهن”. (المصدر السابق نفسه. ص 39).
 وأوردت الدكتورة واجدة الأطرقجي رواية عن أبي الفرج الأصفهاني تقول: “كان للمراكبي جارية يقال لها مظلومة، جميلة الوجه، بارعة الحسن، فكان يبعث بها مع عريب إلى الحمام أو إلى من تزوره من أهله ومعارفه، فكانت ربما دخلت معها إلى ابن حامد الذي كانت تميل إليه، (المصدر السابق نفسه. عريب جارية من القيان. ص 39)، فقال فيها أحد الشعراء، وقد رآها عنده:
لقد ظلموك يا مظلوم لمّا أقاموك الرقيب على عريب
وفي الشعر الشعبي والغناء العراقي ما يعبر عن هذا النوع من الشك القاتل والمستند إلى رؤية فكرية دينية متشددة من المرأة عند الرجل حين تقول الأغنية:
ثاري البنات أشكال مثل الجفافي تسعة يخونن زاد وحده التوافي
(شرح: ثاري البنات أشكال مثل الجفافي، أي تعددت طباع البنات وهن شبيهات بالمناديل أو المحارم اليدوية، تسع يخونن زاد وحدة التوافي، أي تسعة أعشار النسوة يخن الزاد والملح الذي يربط بين الحبيبين، بينما واحدة فقط هي التي توفي بوعدها ولا تخون حبيبها).
وفي الوقت الذي منح القرآن الرجل الحق في الزواج من أربع نساء وامتلاك عدد غير محدود من الجواري لأغراض التسري أو النكاح، منع عن المرأة ذلك وفرض عليها الزواج برجل واحد طيلة حياتها، إلا إذا مات الرجل أو طلقها، ولكن كان له الحق في الحجز عليها ومنعها حتى من الخروج من البيت. وفي فترات لاحقة فرضت على المرأة تقاليد جديدة مخالفة لما جاء في القرآن تحرمها عملياً وليس شرعاً أو قانوناً من الزواج برجل آخر. أما في الجاهلية فقد كانت التقاليد واحدة بالنسبة للرجل والمرأة من حيث السلوكية الجنسية. وهذا لا يعني أنها كانت جيدة، ولكنها كانت تقاليد متقاربة أو واحدة، أي أن المجتمع الجاهلي على ذكوريته كان أقل ذكورية من ذكورية المجتمع الإسلامي في جوانب غير قليلة.
وهذا الموقف من المرأة في المجتمع الإسلامي وفي التقاليد التي تناقلتها الشعوب هي التي ميزت علاقات الرجل بالمرأة على امتداد الفترات التي نحن بصددها، سواء كانت تلك العلاقة على مستوى الأفراد أو العشيرة أو المجتمع، وكذلك علاقة المرأة بالدولة، وهي علاقة سيادة الرجل على المرأة وتبعية المرأة للرجل وخضوعها لإرادته ورغباته. وهي تعبير عن ظاهرة الاستبداد التي تناقلتها الأجيال منذ أن فقدت المرأة، الأم، مكانتها الرئيسية في العائلة والقبيلة والمجتمع لصالح الرجل.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد