لو تجاوزنا الحساب

ابراهيم يوسف

لو تَجاوَزْنا الحساب؟
إبراهيم يوسف – لبنان

نظرَ غلامٌ في بئر.. فأبصرَ وجهَه
فأسرعَ إلى أمّه يخبرُها أن في الجبّ لصّ
ثم قادها من يدِها
وأسرعَ بها لترى اللصّ بعينِها

وحينما نظرتْ في البئر؟
قالتْ له:
أيّ والله إنهما لصٌ.. وفاسدة!

الحكاية من نسجِ الخيال
فلا وجودَ في الواقع للأشخاص
وسائرِ الإشارات والأماكنِ
الواردة في الموضوع
وما يتراءى من شَبَه
إنّما هو محضُ صدفة ليس أكثر

إبان الحرب الأهلية، وفي بداية اهتمامنا بالتفتيش عن الفرص الأفضل، لأولادنا في المدارس الخاصة. وكان مستوى التعليم في رسميّات الدّولة قد بدأ بالانحدار، بعد أن كانت هذه المدارس تحرز تفوقاً واضحا على مؤسسات التعليم الخاص، وتحصد المراتب الأولى في نتائج الامتحانات العامة لوقت طويل. يومئذ اخترت لأولادي إحدى الإرساليات الأجنبية التي تتميّز بكفاءة موصوفة؛ وكان يستغرق وصول الحافلة إليها بعض أرباع الساعة. أرهقني وأرهق زوجتي النهوض المبكر، والقذائف العشوائية تروِّعنا وتسقط في كل مكان. إضافة إلى القسط السنوي المرهق يستهلك معظم مردودي من المال.

بينما إلى جوارنا في الحيّ، مدرسة أخرى نشأت بفعل الحرب. كانت دارة لعائلة مسيحية ميسورة الحال، غادرتها بتأثير الفرز الطائفي، حينما عمَّ الاضطراب مختلف المصالح الرسمية والخاصة، وعموم المرافق في البلاد، وشملت الفوضى قيام المدارس الخاصة والجامعات، فتحول المنزل إلى مدرسة بعد البيع، من قبل مستثمرٍ في قطاع المقاولات والبناء.

توحي المدرسة الحديثة بالتميّز والازدهار، وليس في مسموعاتها والدعاية التي تحيط بها ما يثير الشك بكفاءتها. يؤمها مئات الطلاب ونحن في “عزّ” الحرب، وعشرات المركبات النظيفة اللامعة تأتي من البعيد والجوار. يراها الناظر من بعيد جميلة التصميم شديدة العناية رائعة البناء. تزين باحتها الصور البديعة تلهب خيال الأطفال، وتلفت انتباه الأهل من الزوار.

وقد أعِدَّت الأراجيح في فناء حديقة واسعة، تحيط بالمدرسة من جميع الجهات، وَمُزَحْلِقَةٌ أقيمت في إحدى الزوايا، وبركة مياه مزخرفة بالفسيفساء تسبح فيها أصناف السمك الملون، وطاووس مُدَلَّل مزهو بنفسه يتنقل في الحديقة، يفرش جناحيه فيسبي عقول الأطفال من الكبار والصغار. ويقوم في الحديقة ملعبان: للأطفال الصغار وللفتية الشبان من الجنسين.

عززت ثقتي بالمدرسة هذه المغريات تسعد قلوب الأطفال. وهكذا سوّلت لي نفسي أن أغيِّر مدرسة أولادي، فلِمَ لا أطمئن إلى سلامتهم؟ وأنقلهم إلى جوار إقامتنا في الحيّ، وهو قرار اتخذتُه بقليل من التردد والحذر، وكثير من الإحساس بالأمان.

في بداية العام الدراسي انتدبتِ الشركة حيث كنت أعمل، فريقا للتدرب أنا منهم على معدات جديدة للشركة؛ مدتها شهران. كانت قد اشترتها من بعض الصناعات. وحينما عدنا من الدورة انشغلنا شهرا آخر، في الإعداد لإفادة الشركة بما تعلمناه.

كنا لمّا نزل في بداية الفصل الثاني، وفي فترة صعبة من حياتنا علاوة عن الحرب؛ وكانت زوجتي مشغولة ببعض الدواعي الأسَريّة، ومعظم مسؤولية الأولاد وسلامتهم كانت في رعاية الأقدار. لكن وقد استقرت أوضاعنا العائلية من جديد، وتفرغتُ للعناية بمواكبتهم؟ فاجأتني؛ بل صفعتني عملية حسابية طار منها صوابي، وأنا أساعد ابنتي الكبرى على حلها.

مهما يكن الأمر فقد شعرت بالورطة بفعل العملية الحسابية، وغرقتُ في خيبة عميقة كادت تكتم أنفاسي وتخنقني. لكن سبق السيف العذل، ولا بد من إنهاء العام الدراسي كيفما اتفق، لاسيما أنني كنت قد سدّدت نصف القسط السنوي المتوجب.

لكنني اتخذت قرارا حاسما، بإعادتهم إلى المدرسة القديمة، مهما كانت بعيدة ومحفوفة بخطر القذائف في الطرقات، ومهما كانت أعباؤها مكلفة ولو بلغنا حد العوز. وفي المقابل امتعنت عن تسديد القسط الثاني، وقلت تكفيني خسارة العام.

راجعتُ الإدارة مرارا “واعترضتُ” على مستوى التدريس. واقتنعت أخيرا بالتسليم وعدم جدوى النقاش. لكنني في بداية العام الدراسي الذي تلا خيبتي بالحساب وخسارة العام؟ رحت أطالب إدارة المدرسة بإفادة عن متابعة دروس العام الفائت، كشرط لازم للعودة إلى المدرسة القديمة. والإدارة الكريمة امتنعت عن تزويدي بالإفادة المطلوبة، ما لم أسدد القسط كاملا.

قلت للمدير بصوت المغلوب على أمره: يكفيني يا سيدي أن تضيع السنة الدراسية على أولادي، ويعودوا هذه السنة إلى صفوف العام الفائت، وتمنيت عليه أن يمنحني الإفادة ويسهِّل أمري. وحينما أصرَّ على رفض رجائي وتزويدي بالإفادة؟

تأكد لي أنه تاجر مقاول لا تعنيه المدارس ولا التعليم؟ وقد استغل فترة التهجير القسري، ليشتري هذا المنزل الواسع “بتراب” المال، وربما بتدبير من المشاركين في المعارك، ليحوّله إلى مدرسة أحسن ترميمها، ثم شعر بالغبن أن تضيع الفرصة من يده؟ فلم لا يقوم نفسه بإدارة المدرسة ألا تليق به “المَدْيَرَة”!؟ ونحن نعيش في ظل أوضاع أمنية مؤاتية.

وحينما بلغتُ طريقا مسدودة في الحوار معه؛ وأعيتني كل حِيَلي؟ قلتُ في نفسي: لِمَ لا أكسر جرَّتي معه لعل السلبّية تغيِّر موقفه؟ قلت له: من مآثر مدرستكم علينا يا سيدي، إنّ معلمة اللغة الفرنسية، بزَّت كل أدباء فرنسا وأضافت””Attender فعلا جديدا إلى اللغة، وهي تكتب لطلابها: On doit “attender” deux semaines etc، عوضا عن Attendre)) ولم أكتفِ ففتحتُ دفتر المسألة الحسابية… وتمنيت عليه أن يسترخي ويهدأ وأن يسمعني جيدا.

قلت له إذا كان حجم غرفة الصف في مدرستكم أربعين مترا مكعبا، وإذا كان ارتفاعها خمسة أمتار، وكان طولها عشرين مترا كما تقول المسألة؟ فيصبح عرضها – وهو المطلوب لحل المسألة – أربعين سنتيمترا! فأي غرفة هذه يا سيدي!؟

ولو تجاوزنا مسألة الحساب إلى العربي، وأخرجت من جيبي وثيقة أخرى وفيها توصية من إدارة المدرسة إلى ذوي الطلاب تقول: “نرجوا” من أهلنا الكرام أن يتعاونوا معنا “ويراقبون” أولادهم، دون أن يتهاونوا معهم لإنجاز واجباتهم”.

ثم أشرت إليه أين تكون مختلف الأخطاء، مما لا يصح أن يجهله “مدير” مثله. مع ذلك لم يقتنع وأجابني أن أمينة السّر بجانبه ليست مُدَرِّسَة للعربي، وهي التي نظّمت الرسالة إلى أهالي الطلاب – بينما حارس مقبرة “الپانثيون” يتقن خمس لغات علاوة عن لغته – وأما مسألة الحساب كما قال؟ فلا تزيد عن أرقام وحسب، وليبلغْ عرضُ أو طول الغرفة ما بلغ!

وحينما فاض كيلي معه..؟ تأملت وفرة الكتب والمراجع، التي تزين رفوف الإدارة.. في التاريخ والأدب والفكر وسائر العلوم وسألته: أقرأت كل هذه الكتب يا صاحبي!؟ وأجابني بغيظ شديد أن الأمر لا يعنيني ويجب أن ألتزم آداب الزيارات.

كنتُ مُسْتفزا وَمُسْتَنْفَراً لأقصى الحدود، وقد خرجتُ عن السيطرة على نفسي وأعصابي وردة فعلي. وهو يرفض إعطائي الإفادة. ولكي أثأر مما نالني من السوء في مدرسته؟ قلت له قبل أن أغادر مكتبه: لا تؤاخذني فالتعليم ليس مهنتي، لكن الغرفة التي في مدرستكم موضوع المسألة الحسابية؟ التي تفتقت عنها عبقرية “أقليدس”، القيِّم في المدرسة على مستقبل أولادنا..؟ التي لا يتعدى عرضها أربعين سنتيمترا..!! هل هي صف في مدرسة؟ أم هي إحدى قنوات الصرف الصحي!؟

وهل يتسع يا أستاذ حجم الصف في مسألة الحساب، لأكثر من تيس.. ومغفّلة! هكذا فششت خلقي وغادرت دون أن ألتفت إليه. فلم أر ما بدا على وجهه من ردة الفعل، ولم أترك له متسعا من الوقت ليشاتمني أو يبهدلني ويشتبك بالأيدي معي.

لكنني أعترف وأشهد أمامك بالحق على نفسي يا صديقي، أنني شعرت بخطأ فادح بعد خروجي من المدرسة، سبب لي حرجا نال مني وانعكس وجعا في نفسي. فلا تجوز الاستهانة بالكرامات مهما كانت الدواعي، ومهما بلغت حدود ضعفي وغيظي، وخسارة مالي وضياع العام الدراسي، فلا أزدريه وأشتمته مع أمينة سره. ولا زلت إلى اليوم آسفا على ما قلته.

ثم عرضت مشكلتي فيما بعد لموظف، يحسن الإصغاء في وزارة التربية والتعليم، وسألته أن يتدبر أمر الإفادة لعودة أولادي إلى مدرستهم القديمة، دون المرور بمدرسة إقليدس في حيِّنا، فاقتنع بشكواي وأجابني بالموافقة وسهَّل لي طلبي.

وأدهى المفاجاءآت أن ألتقي بالمدير المقاول في نهاية السنة الدراسية، في باحة المدرسة التي عاد إليها أولادي، لتخبرني أمينة السّر فيها أن أولاد “خصمي” الأربعة، يتابعون دروسهم في المدرسة إيَّاها “من شدة ثقته بمدرسته”..! وأكثر من ذلك..؟ هناك من معلماته من شَكَتْ لمن حولها؟ أنه دأب على التحرش بها وبسائر زميلاتها… والله أدرى وأعلم به.

هذه المدرسة توقفت أخيرا وتحولت إلى معهد للتدريب المهني. وهكذا فإن مهنة التدريس بعد الحرب في لبنان، استمرت تتمتع بكفاءة عالية وقدر من الاحترام، لولا المواجهة الوجودية في الحرب على كورونا وخراب المرفأ والفساد، ما فتك بالبلاد وسائر العباد. لكنني بالرغم من كل جرى؟ لا زلت أشعر بالندامة على الواقعة، وما قلته للمدير وأمينة سر مدرسته.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد