القطاع المصرفي العراقي الخاص الرؤية والمستقبل

latifa_aldlimy

النظم المصرفية في العالم تعتمد على قدرة هذا القطاع في إدارة الثروة المالية وجعلها قائدة ومنتجة في النظام الأقتصادي الوطني من خلال مبدأي الأستثمار والتوظيف من جهة ومبدأ حماية الثروة وتوجيهها وفق رؤية أستراتيجية تؤمن حماية دائمة لها من تقلبات حركة السوق بشكل عام وأرتباط ذلك بحركة الأقتصاد الوطني، فالقطاع المصرفي لا يقوم بدور الخزينة التي تؤمن حماية للمال والتداول فقط، بل هي جزء موجه وقائد ومشارك في بناء المنظومة الأقتصادية الوطنية، وقبل الدخول في رؤيتنا للقطاع المصرفي الخاص لا بد أن نعود قليلا للتاريخ لنتبين دور هذا القطاع في بناء الأقتصاد المتحرك والمستوعب للتحولات البنيوية فيه.
المتتبع لنشوء المصارف تأريخيا والتي بدأت في بريطانيا قبل غيرها من دول العالم، يرى أنها أدت دوراً محورياً في تحويلها إلى دولة صناعية متقدمة، حيث واكبت المصارف نشوء الثورة الصناعية في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، وقامت بدور مهم في تحويل المدخرات والفوائض المالية التي كانت تتحقق في قطاعي الزراعة والتجارة الخارجية لتمويل توسع الإنتاج الصناعي وتكوين رأس المال الثابت، وهو مفهوم أدخلته الثورة الصناعية، وبعدما انتقلت الثورة الصناعية إلى دول أوروبية أخرى مثل ألمانيا وفرنسا، أدت المصارف دوراً مشابهاً خصوصاً في ألمانيا التي لا تزال فيها المصارف التجارية تمارس دور مصارف الاستثمار وفي التاريخ الحديث، لا تزال المصارف في الدول المتقدمة تلعب دوراً أساسياً في تعزيز النمو الاقتصادي.
ومن هنا كان الدور القيادي للقطاع المصرفي في البلدان التي شهدت تحولات جذرية في بناء اقتصاداتها وطرق التعامل مع ثروتها الوطنية تأخذ منحى تصاعديا يشير إلى الدور الفعال والمهم لهذا القطاع على كل المجالات والمستويات التي تؤثر أو تتأثر بحركة رأس المال المحلي، عربيا ايضا وإن كان تأثير هذا القطاع ليس بالمستوى ما حدث في أوربا وأمريكا خصوصا بسبب تعقيدات النظم السياسية من جهة، والفلسفة التي تحكم نظرة المجتمع له خاصة من الجانب الديني، إضافة إلى عامل ضعف البنية الأقتصادية في دول فقيرة أو مفتقرة لحركة رأس المال الضخم والواسع والمشعب.
من أسباب تأخر دور القطاع المصرفي في الدول العربية ومنها العراق وبعض الدول الغنية حيث تكون الدولة بمؤسساتها هي التاجر الأكبر والمصرفي الضخم الذي يتحكم بحركة الأقتصاد والتجارة والمال، مما يعيق في أي نشاط خارج سلطة الدولة ومؤسساتها البيروقراطية، حيث أن معظم ودائع المصارف هي ودائع حكومية كما هي الحال في العراق، ما قد يشير إلى ضعف ثقة القطاع الخاص بالمصارف كوسيلة لتجميع الادخارات بهدف إعادة استثمارها و/أو التباين الكبير في توزيع الدخل بين القطاع العام والقطاع الخاص، حيث تكون المفاضلة دوما تتجه نحو مصارف الدولة أو حصر التعامل بها، فيما يبقى الهامش البسيط الذي يمكن أن يتحرك به القطاع الخاص محدود وقاصر على ما يعرف بعمليات الصيرفة الإيداع والسحب وعمليات لا يمكنها أن تؤثر بحركة الأقتصاد الوطني بالعموم.
أما في الدول العربية الأخرى والتي تعتمد في تمويلها على مصادر غير النفط مثل السياحة أو الزراعة أو نتاج القطاع الزراعي، فأننا نجد أنها تعتمد على أستقطاب المصارف ودائع القطاع الخاص بشكل رئيسي وأساسي بخاصة تحويلات المغتربين، حيث يحتجز البنك المركزي نحو 40 في المئة من هذه الودائع في شكل يتجاوز كثيراً نسبة الاحتياط القانوني من أجل الحفاظ على استقرار العملة الوطنية وتقترض الحكومة نحو نصف الجزء المتبقي، ويعاد إقراض القطاع الخاص التجاري الاستهلاكي تحديدا نصفه الآخر، فيما يذهب الأخير كله تقريباً إلى تمويل قروض شخصية ذات طابع شخصي ومحدود، بينما لا تحصل القطاعات الإنتاجية كالزراعة والصناعة إلا على نسب تكاد لا تذكر كما هي الحال في لبنان.
لو عدنا للبحث في القطاع المصرفي العراقي الخاص حاليا وقد شهد تجربة قد تكون ناجحة في بعض أوجهها قبل تأميم المصارف الأهلية في ستينات القرن الماضي وتأسيس مجموعة المصارف العراقية الحكومية المتخصصة، نجد أن هذه التجربة لم تنجح في تحويل دور القطاع المصرفي نحو التنمية والأستثمار خاصة بعد عام 2003، فكان من المنتظر وبطبيعة النظام القانوني والدستوري الجديد أن تتخلى الدولة عن ممارسة سياسة التدخل الشامل في حركة الأقتصاد عموما، وترك القطاع الأقتصادي يدار وفقا لسياسة الأقتصاد الحر أو أقتصاد السوق، لكن البيروقراطية الإدارية لم تسمح مرتبطة بقوانين المرحلة الماضية وتشريعاتها، وضعف القطاع الخاص في أن يجري التحول طبيعيا، وبقيت الإدارة الحكومية تتوسل بكل ما هو قانوني لأجل الفصل في التعامل والتفرقة بين القطاع المصرفي الحكومي والخاص.
هناك مشكلة أخرى تواجه هذا القطاع الأقتصادي المتمثل بهيمنة الأحزاب والقوى السياسية عليه وتحويله من مهام الأستثمار والتنمية نحو المجالات سريعة المردود والغير محفوفة بالمخاطر وخاصة تلك المتعلقة بمزاد العملة وتمويل الإقراض الربوي، إن الامل اليوم بإصلاحه وتطويره بما يعزز دوره في التطور الاقتصادي المنشود للعراق وزيادة مساهمته في تكوين وتعظيم الناتج القومي الاجمالي، يبدوا أن هناك أملا خافتا وضعيفا بل مستبعدا ان لم يصار الى معالجة هذه الاختلالات وتلك التشوهات البنيوية أولا وان لم نجد العزم والارادة اللازمتين لذلك ثانيا، خاصة وأن ملامح هذا القطاع كما نراها في الواقع تشير إلى ما يلي:.
• هيمنة المصارف الحكومية على ما يتراوح بين 85-90 % من موجودات القطاع تاركا بين 10-15% فقط من هذه الموجودات لكافة المصارف الخاصة العراقية منها وفروع المصارف العربية والاجنبية التي تربو على أكثر من خمسين مصرفا وفرعا .
• تدني نسبة الائتمان الممنوح الى الناتج الاجمالي إذ تتراوح هذه النسبة بين 9-10 % من هذا الناتج مقارنة بنسبة 55% في المجموعة الرئيسية، وإذا نسبنا حجم الائتمان الى مجمل رؤوس اموال المصارف واحتياطاتها السليمة، فأنه لا يتجاوز 1,2 مرة في حين تسمح تعليمات البنك المركزي ان يبلغ الأتمان ثمانية اضعاف رأسمال المصرف واحتياطاته السليمة .
• توفر سيولة عالية لدى المصارف تقترب من 60 % من رأس المال المطلوب الامر الذي يعكس عجز القطاع عن تشغيل واستثمار موجوداته وودائعه بما يخدم الاقتصاد الوطني من جهة ويؤثر سلبا في ربحية المصارف من جهة ثانية بإضاعة فرص الاستثمار المتاحة .
• تتمتع المصارف الخاصة بنسبة عالية لكفاية راس المال تفوق النسبة المعيارية لضوابط بازل المحددة بنسبة 8% وتفوق مرة ثانية ضوابط البنك المركزي العراقي المحددة بنسبة 12%، الامر الذي يعكس مرة ثانية عجز القطاع عن استثمار موجوداته، ومن الواضح ان الاصدارات المتتالية لرؤوس اموال المصارف الخاصة تنفيذا لتعليمات البنك المركزي بجعل الحد الادنى لرأسمال المصرف المحلي 250 مليار دينار بموعد أقصاه الثلاثين من حزيران2013، كانت اسرع من قدرة المصارف على أستثمار هذه الاموال الامر الذي زاد من سيولتها .
• ثمة تفاوت كبير بين سعري الفائدة الدائنة والمدينة في سوق العراق فسعر الفائدة على الودائع الثابتة والتوفير يتراوح بين 1- 7%، فيما تتراوح الفائدة على الائتمان بين 10-15 % تاركا هامشا بنحو 8% بين السعرين، وهو هامش كبير اذا ما قورن بنسبة 5% السائدة في دول المنطقة، وما من شك ان لارتفاع اسعار الفائدة هذا اثارا سلبية على حجم الائتمان الممنوح بل يشكل عائقا للاقتراض للأغراض التنموية .
• ضئالة عدد الوحدات المصرفية نسبة الى عدد السكان فآخر رقم يتوفر هو 900 فرعا متركزة جغرافيا في عواصم المحافظات وفي اقليم كردستان وبعض المدن الرئيسة، في حين تفتقر نسبة عالية من السكان الى اي نوع من الخدمات المصرفية، وحيث ان عدد سكان العراق قد قدر بنحو 38 _40 مليون نسمة، فأن الفرع الواحد يخدم نحو 38 الف شخص مقابل اربعة الاف شخص للفرع الواحد في لبنان مثلا، وتقدر احدى الدراسات ان 80 % من سكان العراق لا يمتلكون حسابا مصرفيا .
هذه الملامح تعكس حقيقة تخلف القطاع المصرفي الخاص وتؤيد وجهة النظر القائلة أن بالرغم من كل الأنفتاح الأقتصادي والتشريعي ما زال يلعب دورا همشيا وحتى طفيليا طالما أنه غير معني ولا مهيأ للتنمية أو غير مرتبط بها لعدم وجود خطط ورؤية أستراتيجية لعموم القطاع المالي والأقتصادي في العراق، وليس هناك من شك في ان مهمة اصلاح القطاع المصرفي تبدأ من دراسة واقعه، والسعي لتذليل الصعوبات التي يواجها ومعالجة التشوهات والاختلالات الراهنة ثم بحث سبل تفعيل دور المصارف في التنمية الاقتصادية .

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد