نافذة على وطني … أيام موحشة من ملفات سجون البعث

نعمة السوداني

نافذة على وطني … أيام موحشة من ملفات سجون البعث

نعمة يوسف
بغداد

من سنوات الجمر ، حينما كان العراق تحت أو بين مطرقة وسندان الجلاد وفاشية البعث .
جرائم الإعدام بالجملة بمحاكم صوريه ..
محكمة (( *عواد حمد البندر السعدون )) ماتسمى (( محكمة الثورة )) سيئة الصيت ..

أكتب اليوم عن رئيس هذه المحكمة بكل دقة وأمانة , وشاهد معي في هذه المحكمة مازال على قيد الحياة , كي لاأتجنى على أي معلومة مرت دون ذكرها رفيقي كاكه سربست مصطفى رشيد آميدي !

كان المقبور(( عواد حمد البندر السعدون )) قاضيا مجرماً لم ينتمي للعدالة يوما ما ,عاش مسيراً بقرارات سيده الدكتاتور صدام المقبور ,وتابع كعبد لقرارات حزبه الفاشي الذي كان عضوا متقدما فيه , لذا ترأس المحكمة الفاشية في الفترة التي أصدرفيها أحكاما بالإعدام بحق 143 مواطناً من المواطنين العراقيين الشرفاء من سكان منطقة الدجيل (( ديالى )) في أغسطس من سنة 1982 موجهاً لهم تهمة محاولة إطلاق النار على موكب المقبور صدام أثناء مروره من هناك !

ومن ذلك الحين حتى سقوط نظام الصنم عام 2003 كان هو مسؤولاًعن تغييب وإعدام الالآف من الشرفاء والشهداء من العراقيين , نساءاًوأطفالاً شباباً وشيوخاً ..
في هذا الجزء من ذكريات سنوات الجمر والإضطهاد والتعسف ، سنوات القتل والإغتيالات والتصفية ، زمن العفلقية الشوفينية والبعثية الفاشية التي قصمت ظهر العراق ، في ذلك الزمن الرديء زمن السجون التي أمتدت على جسد الوطن الذي غابت منه الروح , إنتشرت المعتقلات وأستمر التغييب وتعددت المقابر الجماعية ((للشيوعيين )) الأبطال ،الذين ناضلوا من أجل الحرية والسلام للشعب العراقي ضدالعبودية والخنوع والاستسلام والركض والتصفيق للزعيم الجبان الذي عفن بحفرته !وأيضا ((لجموع أخرى متعددة الأطياف )) من الشهداء كانت حصتهم في هذه المقابر الجماعية دفنوا وهم أحياء !
للوطن قُدمت تضحيات جسام لم يسجلها حزب آخر كما سطرها الحزب الشيوعي العراقي ! حزب الشهداء !

من هذا المنطلق الأهم في حياة الذاكرة الجمعية للشعب العراقي , لابد من التوثيق المستمر دون هواده .. لكثرة الجرائم المغيبة عن الحقيقة والعالم لايعرف عنها شيئا لحد اليوم !
نحن الناجون , من صناديق الموت ومن برزخ الدكتاتور صدام حسين
في الأرض ! النائب عن الله في حكمه في زنزانات الأعدام التي مكثت بها أنا وبعض من رفاقي من القضية نفسها (( 203 يوم )) من عام 1988 بعد أن كنت شاهدا على الجرائم التي إقترفها النظام وأزلامه خلال هذه الفترة السوداء المظلمة ..

لذلك كان لزاما ًعلينا (( نحن الناجون )) فضح وتعرية هذا الحزب الفاسد بأي ملف أو وثيقه يدان بها صادرة من مؤسساته الرسمية والناطقة به , وماكتبناه ونكتبه الآن هو جزء من حالة الفضح التي لاتتوقف .

اليوم سأتناول محكمة عواد البندر سيئة الصيت ! من خلال قضيتنا نحن التي حوكمنا بها .
متمنيا لكل شخص بقي على قيد الحياة وعاش لحظات القرار السريع في إتهامه يكتب وينشر غسيل البعث وجرائمه .

سأكتب (( حصريا )) وفقط عن لحظات (( المحاكمة )) التي هزت أركان المحكمة وجدرانها , وليس عن تفاصيل أخرى تشمل (( قبل )) المحكمة أو
(( بعد )) إصدار الحكم الذي شملنا جميعاً به وهو :

(( الاعدام شنقا حتى الموت)) ! بهذه السهولة !

هذا القرار المرعب , الذي لايتحمله أي إنسان حينما يسمع القرار وجها لوجه مع الجلاد إلا إذا كانت له قضية يدافع عنها !

والسبب في تدوين هذه اللحظات هو للتباين الذي يحصل بين المواقف أثناء المحاكمة , التي تتراوح أيضا بين ((الصلابة والشجاعة )) وبين ((الضعف والخوف )) بين ((الشموخ والتخاذل )) فهناك من يطلب من عواد البندر
(( الرحمة والعفو والسماح )) وبين مواقف أخرى تبقى خالدة ((أكثر صلابة وشجاعة وتحدي )) كما فعلها المناضل حسين يوسف نعمة , والملقب
((أبو سلوان )) الرجل الشامخ الذي أدان نظام صدام والبعث فاشي في حوار ((وطني حاكم فيه رئيس المحكمة )) و كان في غاية الشجاعة والوطنيه وبصلابة المناضلين الأبطال المعهودة والمشهودة اليه كان هذا بدقائق معدودات !

كيف لا وهو ينتمي لحزب فهد الخالد بمواقفه الشجاعة والصامده!

مناخ المحكمة :
في يوم 26-40-1988 نادوا على اسمائنا للذهاب للمحكمة ( كنا في مديرية امن الرمادي لظروف الحرب العراقية الايرانية ونحن تحت الحصار وعلى ذمة المحقق الذي يسكن مدينة الرمادي المجرم نهاد الحديثي ) و بطريقة بشعة مرعبة و تحت عاصفة من الهراوات والضرب المبرح بكل انواع العصي ومنها الكهربائية , والعيون معصوبة , والأيادي مكبلة , بعد أن نفذ صبرهم عن أي معلومة جديدة سنقولها في سياق التحقيق وتنفعهم ! بعد أن دب الياس فيهم بعدم التعاون معهم كي نصبح رجال أمن لهم , فصار القرار جاهزاً للتنفيذ !

وفي محاكمة صوريه سريعة إتخذت الأحكام مسبقا دون نقاش أو حوار تبدء :
أسمك ؟
أسم أمك ؟
متهم أم بريء,؟؟
بعد الإجابة الى الأسم وأسم الوالدة هنا يكتفي الرد .. حينما تقول بريء !!
تنهال عليك كلمات السباب والشتيمه ! من هذا العواد سيء الصيت ..وننتظر أن نسمع المفردات السوقية السخيفة التي لايرددها إلا أولاد الشوارع وهي شعبية صرفة ومنها مثلا (( أنجب )) ومعناها ((صه , أو اخرس ))!!

في تلك الساعة التي وقفنا بها جميعا حسب الترتيب في صندوق خشبي مستطيل :
عبد أحميد
حسين يوسف نعمة
نعمة يوسف نعمة
إبراهيم عبد السادة عثمان , سناء عبد السادة عثمان , هناء عبد السادة عثمان
سربست مصطفى رشيد اميدي
زهير سامي جقسي

غيرهيابين وقفنا أمام الأصنام , ونحن نعرف القرار مسبقاً من ملفات التحقيق وسنوات التعذيب , وقفنا في هذا الصندوق لتوجه الينا التهم , كان الجميع حفاة من دون أن ننتعل (( نعال )) أو شيء يحمي أقدامنا الضعيفة المنهكة , ولهذا الحال سبب كبير لتجريد أي شخص جاء لهذا المكان من نعاله, أقدمت المحكمة على فعله , وهو أيضا أشارة الى حكم الإعدام !

فما حدث سابقا في هذا المكان أنه بعد قراءة الأحكام الجائرة يتعرض رئيس المحكمة للضرب بالنعال , ومن ذلك الحين منعوا لبس النعال للذي يذهب لهذه المحكمة العار ! خوفا من أن يقذف به كل من له علاقة بالظام !
ومع هذا كانتا الشهيدتان أم سلوان , وأم ألحان , تلبسان نعالا , وغابت عن أدارة المحكمة ماسيجري لاحقا بعد صدور القرار !

بدء البندر وجلاوزته بأفتتاح المحاكمة ..
وللأمانة المضحكة كان هناك محامياً منصباً من قبلهم (( من قبل النظام )) يعمل لصالحهم , وتبين المحامي تافها مغفلا مضحكاً بعمله مع هيئة المحكمه .. أشبه بمهرج !
حينما طلب لأحد المتهمين من قضيتنا (( بالعفو والرحمة )) من رئاسة المحكمة حسب القانون العراقي بأستبدال مادة باخرى , ظنا منه بأنه سيفرج عنه !
ولكن لم يحصل هذا, لأن القرارات وقعت من الرئاسة و صدام وأكتسبت الدرجة القطعيه ! للأسف خاب ظنه بإدراج الرياح !
طبعا لم نكن نعرف فحوى هذه المادة إلا بعد حين . حينما عرفناها لاحقا ..
وكانت لنا صدمة ونكته حقيقة , بمعنى أنه حتى في تبديل المادة الى أخرى بقت نفس الدرجة وهي الاعدام !
هذا هو محامي المحكمة .. فأين الرأفة والعفو والرحمة ؟؟
بعد هذا ..
كان المحامي يشبه الخفاش بعبائته المخيفة ووجه الكالح الأسود تراه مرة كمهرج وأخرى قره قوز , أتخذ جهة اليمين من الصندوق الذي يفصلنا عنه بمترين فقط !
أما في جهة اليسار كان المدعي العام الذي يدافع عن حقوق الدولة التي سلبناها نحن ! وهو (( برتبة رائد )) أتذكر أسمه هشام ! بعد أن قدم أسمه للمحكمة , وكان شابا طموحا يضمن مستقبله بأن يكسب قضية أعدامنا كي يتقدم في الحزب والجيش ! وهكذا مع كل القضايا الباطلة زوراً وبهتاناً ..
وبجانب عواد البندر شخصيتين عسكريتين برتب عالية جدا , عقداء أو عمداء , يجلسان معه في اللجنة واحد على يمينه والآخر على يساره وكأنهم شهود وليس قضاة !! وبالأحرى يشبهان بومتان مخيفتان !! حينما أتذكرهما الآن أضحك فعلا .. و يجلس في مكان أوطأ منهم شخصا عسكريا برتبة (( نائب ضابط )) أعتقد هو (( كاتب الضبط))الذي يدون كل الأقوال . في وجهه الكئيب نظارة طبية سميكة (( كعب أستكان )) وأمامه الة طابعة وأوراق .
عند باب قاعة المحكمة الخلفي الذي يلاصق ظهورنا تقريبا ,عدد من جلاوزة النظام واقفين مدججين بالسلاح والهراوات بالقرب من مكان وقوفنا !.منهم إنضباط عسكري أيضا !
وقت المحكمة :
محكمة عواد البندر سيئة الصيت دامت أربعة وعشرون دقيقة فقط، حصيلة كل واحد منا ثلاث دقائق فقط ..
قضية دام فيها التحقيق سنتين متتاليتين وأكثر , كنا نعيش فيها تحت الارض , ومنها في أقبية وسراديب أرتفاعها نصف متر تكسر الظهر و مع أنواع التعذيب والأهانات والإستجواب , في زنزانات موحشة باردة وحارة إسمنتيه , حسب المناخ والفصول , ((مرعبة حقا )) لاتصلح للحيوانات , لا أقول غيرهذا فقط ..
جاء دور المناضل حسين يوسف نعمة مخرب , بعد أن تاكد من أسمه, وإسم الوالدة , توقف عند إسم جده الرباعي وقال له فعلا أنت مخرب !! مع مفردات ساقطه تعبر عن تربيته .
رد عليه أبو سلوان : هذا أسم لجدي قديم ليس له علاقة بما نحن فيه الان !
صمت البندر ثما بدءالحوار :

الجلاد البندر: أنت متهم ..
المناضل حسين يوسف : أنا بريء .. إن العمل السياسي كفله دستور نظام حكم حزب البعث نفسه .. وإننا بذلك لم نقترف جرما يستوجب الحكم علينا بموجبه .
هذا الرد أغضب الجلاد عواد البندر فرد بعصبية وبسرعه :
إنكم عملاء للأجنبي ! وخاصة إيران .. وأنكم لا تتصفون بصفة الوطنية العراقية.
فأجابه أبو سلوان قائلا :
إن – الحزب الشيوعي العراقي – لم يتعامل ولن يتعاون مع أية قوات أجنبية إطلاقا وهذا معروف للجميع ! وتاريخه مشرف !
ثم أكمل دفاعه قائلا للجلاد : (أنتم بعتوا مناطق شاسعة من أرض العراق للدول المجاورة، ضمانا للحفاظ على حكمكم).
ومنها إعطاء نصف شط العرب لإيران حسب اتفاقية سنة 1975 مقابل القضاء على الحركة الكوردية !
وأخذ يسترسل في بيان المناطق التي منحت للدول المجاورة.

هنا فقد السيطرة على اعصابه الجلاد البندر رئيس المحكمة بإيقاف الحوار ومنعه من الكلام بمفردة سوقية أيضا قالها بعصبية (( إنجب )) !
ولكن (ابو سلوان) لم يتوقف عن كلامه ثم قال جملته المشهورة التي قالها في التحقيق حينما سأله المحقق في شعبة (( مكافحة الشيوعيه)) ويدعى (( المجرم نهاد الحديثي )) حينئذ:
لو نتبادل الأماكن ووقعت بقبضة حزبكم الشيوعي ماذا ستفعل معي ؟
قال حينها أبوسلوان له :سافعل معك مثلما فعلت معنا ولكن باسم الشعب !
ثم أكمل الرد على عواد البندر والمحكمة : بأنه سيأتي يوم سيحاكم الشعب العراقي نظام البعث على ما أقترفوه بحق العراق والعراقيين من ظلم , وجور وإضطهاد ..
غضب رئيس المحكمة الجلاد ومنعه من الإستمرار في حواره ..بعدد من الكلمات البذيئة التي تعبر عن معدنه وتربيته أن كان أخذ جزءا من التربيه من أهله !
بعدها تم إصدار الأحكام الجائرة التي شملت الجميع ((بالإعدام شنقا حتى الموت )) ولم ينفع طلب العفو والرحمة ، وكانت ثواني هي لحظات الفراق لنا جميعا ..
حدثت الصوله الغير متوقعة , صرخنا جميعا ضد النظام والمحكمة , وبهذه الأثناء واللحظات الحاسمة تفردت الشهيدة (( سناء عبد الساده عثمان أم سلوان زوجة الرفيق أبو سلوان )) بمحاولة جريئة مباغته حين
((خلعت النعال من قدميها )) وضربت بل رجمت عواد البندر به وكان ( النعال اللاستيك القوي ) جاءفي رأسه ،
علما إن الشخصين الجالسين على يمينه ويساره أخفضا رأسيهما تحت الطاولة خوفا من نعال آخر !!

ثم تم الهجوم الكاسح علينا من الخلف من قبل هذه المجموعة بالهراوات والكلبشات من قبل رجال الإنضباط العسكري والأمن العام والمخابرات بالسلاسل إقتادونا الى (( سيارات الموطا )) التي كانت تنتظرنا خارج بناية المحكمة , متوجهين بنا لقاطع الإعدام !

هناك لعلب السردين , لصناديق الموتى !!
مواقف أخرى ..

*وقد نال المقبور عواد البندر جزاءه العادل حينما تم إعدامه مع المجرم برزان التكريتي في يوم 15 يناير 2007

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد