ماذا يجري في العراق؟

معارج


وليد الزبيدي

استمعت خلال الشهرين الماضيين إلى آراء لمشاركين رئيسيين في الحكومة العراقية ومن أقطاب العملية السياسية، التي انبثقت في ربيع عام2003تحدث هؤلاء في حوارات وندوات تلفزيونية وصحفية، ولم أسمع من هؤلاء سوى النواح

على ما يجري في العراق، لدرجة أن الذي يستمع إلى كلام المسؤولين الكبار والبرلمانيين، الذين يحتلون المناصب العليا، يتصور للوهلة الأولى أنه أمام معارض خطير للحكومة والعملية السياسية الجارية في العراق، لما يتحدث به هذا المسؤول وذاك المستغيث، من أثقال الهموم كما يتخيل المشاهد له والمستمع لأحاديثه، أما الذي يعرف شخصية الناقد الناقم على الوضع القائم في العراق، ويعرف عنوانه الحكومي والبرلماني، فإنه سرعان ما يعتقد، بأن المتحدث بهذه اللغة الانتقادية الهائلة، سوف يختتم حديثه بإعلان انسحابه الكامل من هذه العملية، التي وصفها بـ(الفاشلة والهزيلة والخائبة والمدمرة)، إلا أن جميع الذين يوجهون رشاشات مدافعهم الكلامية من كبار المسؤولين والبرلمانيين الحاليين، يودع المذيعة أو المذيع بابتسامة شفيفة تكشف عن حقيقة دواخله، دون أن يفهم أن خاتمة الكلام أمام العدسات غالبا ما تذهب بالمتحدث إلى عالم آخر، وينسى المشهد التمثيلي الذي تلبسه قبل قليل، ليبعث برسائل إلى من يعتقد أنهم قطيع من السذج الذين ذهبوا مهرولين لانتخابه، ويمتزج عند السياسي والمسؤول العراقي الواقع تحت سطوة الحلم، الذي لا يلامس الألم الذي يعيشه العراقيون، في حين يغرق هؤلاء في رفاهية مطلقة، أما بقية خلق الله من العراقيين فليذهبوا إلى الجحيم وإلى ألف جحيم.
أحد العناوين والركائز المهمة في العملية السياسية الحالية في العراق، وصف ما يجري في بلاد الرافدين بما أسماه المشهد غير المألوف عند العراقيين، وذكر في إحدى الفضائيات، أنه شاهد مجموعة من الفتيات والنساء في الطائرة المغادرة قبل العيد بيومين من العاصمة العراقية إلى إحدى الدول العربية، يقول رأى أكداسا من المجوهرات (الألماس) غالية الثمن تجلل أيدي الصبايا والسيدات، واستغرب السياسي لأن المجتمع العراقي لم يألف ارتداء الألماس، ويميل إلى الحلي المصنوعة من الذهب، كما أثار انتباهه هذا الكم الهائل من المجوهرات، وبعد أن استفسر بطريقة ما، تبين أن عائلة المجوهرات التي كانت على متن الطائرة، هم أفراد أحد كبار المسؤولين في العراق، ولو كان هذا المسؤول من العوائل المعروفة بالثراء لما تحدث السياسي بهذه الطريقة، ولو كان الوضع في بلاد الرافدين أفضل من الجحيم الحالي لما وصف المنظر بهذا الحجم وبهذه الطريقة، ولو وجد هذا السياسي طريقة أخرى للحديث عن الفساد المرعب في العراق، لما اختزن منظر المجوهرات التي أفزعت الشريك السياسي لحجم المبالغ، التي تسلمها المسؤول الكبير وحولها إلى مجوهرات، في حين يتلظى العراقيون بحرارة الشمس اللاهبة ومرضاه بلا أدوية، وأطفاله بلا مدارس، وقراه ومدنه بلا ماء صالح للشرب.
مسؤول كبير في العناوين الحكومية ظهر ينوح ويبكي ويكاد الدمع ينهمر من عينيه، وهو ينتقد كل شيء في الحكومة، وأغرب ما قاله وهو (المسؤول الكبير جدا) أنه قد يلجأ إلى المظاهرات لإسقاط الحكومة، وقد تكون هذه سابقة في أنظمة الحكم في العالم، التي يعلن فيها المسؤول عن خطة لإسقاط الحكومة وهو أحد مرتكزاتها الرئيسية، وهذا الأمر يطرح أسئلة عن حقيقة ما يجري في دهاليز الحكم بالعراق، وماذا يقول الأميركيون عن هذه المسرحية الهزيلة، التي نصبوها في العراق، ويواصلون إخراجها بطريقة لا يمكن وصفها إلا بالممجوجة، وبدون أدنى شك أن الأميركيين يرصدون كل شاردة وواردة يقولها العباقرة، الذين اختاروهم لتنفيذ برامج إبراز الديمقراطية الأميركية في العراق، ولكن لا نعرف إذا كانت المراقبة في حدود توجيهات العم سام لأدواتهم في المنطقة الخضراء، أم يتجاوز ذلك للتباهي بأداء هؤلاء؟
برلمانيون ومسؤولون آخرون يتحدثون في مجالسهم وأمام الكثيرين، عن فشل ذريع بكل شيء في العراق، ولا يستطيع مسؤول واحد الحديث خارج حقيقة واضحة يعرفها العراقيون، تؤكد الفشل في جميع مفاصل الحكومة والعملية السياسية، طبعا لا بد من استثناء بعض المتحدثين الرسميين الذين يخرجون بملابس أنيقة ويختارون كلماتهم بأناة عالية، وهم يعلمون قبل غيرهم أن الرأي العام العراقي يسخر من كل عبارة يطلقونها، ولا يصدق كلامهم حتى عوائلهم وأقرب الناس إليهم، فهم يبشرون بالأمن كلما تأكد فشلهم في المعالجات الحقيقة، وبدلا من توفير العلاج والرعاية للجرحى وتقديم الرعاية لعوائل القتلى، يسارعون للفتك بعوائل أخرى، ليصدروا بيانات يتباهون بها باعتقال المخططين والمنفذين والمقربين والبعيدين.
الجميع ينتقدون السرقات التي تطول يوميا مئات الملايين، وتذهب إلى جيوب الحيتان الكبيرة والصغيرة، والكل يتحدثون عن المزورين الذين يحتلون المناصب الكبيرة، ولا أحد يجرؤ على التصرف خارج إطار ذلك، والمسؤولون والبرلمانيون يشاهدون الأجهزة الأمنية التي تمارس التعذيب والإهانة للعراقيين، ويعرفون أماكن السجون السرية والعلنية، ويكتفون بانتقاد ذلك، وما زال العراقيون يتذكرون الفيلم التلفزيوني الذي بثته قناة تابعة للحزب الذي يرأسه المسؤول الكبير جدا، ظهر فيه داخل بعض السجون من بينهم أطفال لا تتجاوز أعمارهم العاشرة والثانية عشرة، قالوا إنهم في السجن منذ سنوات ويتعرضون للتعذيب والانتهاكات، انتخى لهم المسؤول الكبير جدا أمام شاشة التلفزيون، واستبشرت العوائل خيرا، إلا أن السنوات مرت والأطفال ما زالوا تحت الاعتقال والتعذيب في السجون الحكومية، والمسؤول الكبير جدا عاد بنفس مركزه الكبير جدا، وهو الآخر لا يتردد بتوجيه الانتقادات اللاذعة للحكومة والعملية السياسية، إلا أنه يصر على البقاء أداة لهلاك العراقيين في جحيم الحكومات المتعاقبة والعملية السياسية الحالية أعتقد أن الكثيرين من أهلنا في الوطن العربي وفي العالم، لا يتخيلون ما يجري في العراق الآن، لأن حجم المأساة أكبر بكثير من العبارات والمقالات.

 

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد