في اليوم الدولي لمكافحة كل أشكال الرق وإنهائه.. مهمات كبيرة بانتظارنا

د. تيسير عبدالجبار الآلوسي

في اليوم الدولي لمكافحة كل أشكال الرق وإنهائه.. مهمات كبيرة بانتظارنا

تيسير عبدالجبار الآلوسي

اتخذت الأمم المتحدة القرار 317 في الثاني من ديسمبر كانون أول 1949 (كما ورد في موقع الأمم المتحدة الذي نشر اتفاقية الأمم المتحدة بشأن إنهاء الاتجار بالأشخاص واستغلال بغاء الغير). إن ذلك لم يكن البداية ولكنه كان استمراراً ومواصلة للنضال ضد العبودية وأشكال الرق والقنانة في عصرنا.
إنّ أشكالا ومظاهر مختلفة باتت اليوم تظهر للعبودية وقيودها؛ منها: حالات استغلال ظواهر الفقر والعازة أو الحاجة المادية باستعباد المدين؛ وكذلك ولادة نظام السخرة في كنف استغلال الفقر والبطالة وتحوله إلى نظام قنانة مستبد؛ كذلك ظواهر الاتجار بالبشر سواء بغرض سرقة الأعضاء للاتجار بها أم الاستغلال الجنسي والاتجار ببغاء الآخر.. فيما يشكل استغلال ظواهر الحاجة أبشع حالاته عندما يقع على ابتزاز العوائل الفقيرة وانتزاع الأطفال منها ليقعوا تحت طائلة تشغيل الأطفال بأعمال قاسية، الأمر بل الفعل الإجرامي المدان قانوناً. وتضمنت اتفاقية إنهاء الرق وإلغائه مكافحة ظاهرة التزويج القسري، الذي يصل مستوى بيع المرأة و-أو بيع الزوجات، فضلا عن ظاهرة وراثة الأرامل أي تزويجهن من ورثة الراحل أخوته مثلا.. من أشكال العبودية اليوم ظاهرة التجنيد القسري للأطفال واستغلالهم في الصراعات المسلحة بخاصة التجنيد في الميليشيات المصطرعة دموياً..
تشير الإحصاءات الواردة بموقع المنظمة الدولية إلى وقوع حوالي 21 مليون امرأة وطفل ورجل تحت نير العبودية والرق في أنحاء العالم. وهناك محاولات أممية عديدة لتحرير الإنسان واستعادة حقوقه منها على سبيل المثال اعتماد منظمة العمل الدولية بروتوكولا ملزما في جهود القضاء على العمل القسري، الأمر الذي دخل حيز التنفيذ في نوفمبر هذا العام. فيما تستهدف حملة “50 للحرية” إقناع 50 دولة كحد أدنى للتصديق على بروتوكول العمل الجبري بحدود عام 2018.
لكن ماذا بشأن العراق من بين دول المنطقة الملتهبة عنفاً وانفلاتاً أمنياً واضمحلالا للدولة ولسلطة القانون؟ ألا نلاحظ تمكنا من قوى الفساد إلى حد ولادة نظام متكامل هو نظام الطائفية الكليبتوقراطي؟ ألا نلاحظ التوجه الشره إلى تبرير تجنيد الأطفال بالفتاوى المستندة للتبرير الديني المزعوم؟ وألا نلاحظ شرعنة الميليشيات وسنّ القوانين التي تكرس نظام الطائفية على حساب نظام الدولة الحديثة أو الدولة المدنية، دولة العدالة الاجتماعية؟
إنّ النضال من أجل تحرير افنسان واستعادة حقوقه في ظل هذه التوجهات سيكون أكثر تعقيداً.. فالدولة العراقية وقعت وتوقع كثيرا من الاتفاقيات الدولية الحقوقية منها بالتحديد ولكنها في ظل شرعنة نظام الفساد الطائفي، تكرس ظواهر الفقر والبطالة المتفاقمة إلى درجات قياسية في التاريخ العراقي الحديث حيث فجوة فقر خطيرة بنسبها ومستوياتها بمعنى ظاهرة الفقر المدقع ضف إلى ذلك حالات التعطل عن العمل المنتج والبطالة بأشكالها فضلا عن ملايين الأرامل واليتامى والنازحين والمهجرين قسرياً.. كل هذا الجيش من البشر يقع تحت طائلة الاستعباد والابتزاز حيث الذل والمهانة وانتهاك كل حقوق الإنسان العراقي…
إن الاتجار بالكلمات والخطب والشعارات سواء منها المتسترة بالدين والمذهب أم المتخندقة خلف متاريس الصرصاعات الطائفية المختلقة هي الغمامة التي تحاول التعتيم والتضليل على أبشع جرائم العصر حيث تضييع الحق بين جناحين يتبادلان الاتهام في أسباب ما يجري وكلاهما يدعي أنه ممثل الله على الأرض ويفرض هراوته على قسطه من الغنيمة الممثلة بـ(رؤوس) البشر يستعبدونهم ويستذلونهم ثم يرسلونه إلى محارق الهلاك!
المواطن المبتلى في ظل التجهيل لن يعي السبب الحقيقي لاستعباده مع أنه يعيش ويحس ما فيه من ظروف الاستعباد المهينة لكرامته المستغلة لقواه إلى حد استغلاله روحيا جسديا والاتجار ليس بطاقته حسب بل بأعضاء جسده وبجسده للجنس وغيره وأخيرا لإلقائه في أتون نيران الحروب الطائفية..
إن ((الإحساس)) بمهانة الفقر ليس هو ما يمكن أن يحرك الفقير لرفض اسباب فقره وتغيير وضعه ولكنه ((الوعي)) بتلك الأسباب والتعرف إلى طابع النظام الذي يضعه في أتون الاستغلال ومحارقه هو ما يلزم للتعرف إلى آليات التحرر والانعتاق من عبودية نظام الطائفية الكليبتوقراطي
وطالما اختفت الاستراتيجيات التوعوية، سيبقى المستعبد أسير جهله بالحقيقة من جهة وقناً بلا إرادة يدور في فلك من يستعبده ويذله ويمتهنه وينتهك وجوده الإنساني..
إن الواقع العراقي، فتح أسواق النخاسة والاتجار بالعراقيات والعراقيين ليس بسوق نخاسة الدواعش الإرهابيين حسب بكل فجاجة الجريمة وبشاعتها وما وقع على العراقيات الأيزيديات والمسيحيات وغيرهنّ، إن الواقع العراقي فتح سوق النخاسة مذ نهبت ثروات البلاد وتم تعطيل مشروعات غعادة الإعمار وتخريب كل شكل للتنمية وتحديدا بتخريب التعليم وإفساد القضاء الأمر الذي صنع الفقر والبطالة وأوجد بيئة الاتجار بالبشر تحت ضغوط الحاجة واشكال التضليل الفكري السياسي المتستر بالدين والمذهب..
إن مكافحة ظاهرة الاتجار بالبشر عراقياً تبدأ من نزع اسباب ظاهرة الفقر وإنهاء منطق الاقتصاد الريعي والانتقال إلى مرحلة تنمية شاملة يرافقها ثورة على نظام الطائفية الكليبتوقراطي بالانسحاب من عضوية أحزاب الطائفية التي تمثل الغطاء السياسي للميليشيات وعنفها وبلطجتها..
وكل من يبرر لوجود السلاح خارج سلطة القانون يمالئ نظام العبودية والرق السائد اليوم.. ومن هنا وجب التثقيف والتوعية بمعنى وجود العراقيين في أحزاب الطائفية والإسلام السياسي بكل أجنحتها وتمظهراتها ومحاولاتها تلميع أسمائها واشكالها…
نحن بحاجة لحركة شعبية شاملة ضد مهانة العبودية والاسترقاق وانتهاكها إنسانية العراقية والعراقي وإلا فإن وجود معذب مستعبد واحد في البلاد هو إشارة صريحة وخطيرة إلى تكريس العبودية في البلاد بأي ذريعة أو تبرير تمظهرت.. لربما من بينها المازوخية وأمراض كثيرة ترافق حال التجهيل ونشر وباء التخلف حتى بين بعض المتعلمين لمعارف وظيفية مهنية ولكنهم بخواء روحي ثقافي فاضح…
ندائي في اليوم الدولي لإنهاء الرق إلى جميع العراقيات والعراقيين بنزع قميص الانتماء إلى زعامات نظام الطائفية الكليبتوقراطي (المفسد) واستعادة الإرادة بوعي لما يجري بحقهم ولا تغيير في شعب لم يغير الأبناء ما بأنفسهم من مرض تفشى كالوباء..
بالوعي وامتلاك الإرادة والانسحاب من قشمريات الدجل والتضليل يمكن الانعتاق والتحرر وإنهاء العبودية.. وإلا فلات ساعة مندم!

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد