مخدرات للمالكي قبل نهاية العالم


سرمد الطائي

لقد اقلعت عن الكتابة والتدخين بفرمان طبي، ثم سمحوا لي بمقال واحد في الاسبوع شرط ان اخفف “الجدية والتوتر”. لذا سأناقش مواضيع باردة واحاول تجربة “اشياء بيزنطية” تتخلى عن “الكياسة” قليلا. كيف ستنتهي سنتنا هذه وهل تصدق نبوءة الهنود الحمر؟ وما علاقة قاسم عطا بمخاوف منطقة اليورو؟ وكيف سيعوض المالكي الغطاء الجوي بحكمة مكتوبة بخط النستعليق؟

راحت جريدة العالم مؤخرا تفكر بجردة حساب عراقية للسنة المنتهية وركضت وراء القطاع الخاص ولجان البرلمان والفيالق المنسحبة، وحاورت خبراء النفط والصحة والنشر واصحاب المولدات.. ومدراء المصارف والفنادق والخطوط الجوية والمقاولين.. لتسألهم: بأي نتيجة سينتهي هذا العام؟ لكن ما فهمناه ان الشهور تنتهي بغرابة، فمثلا لم تقم لجنة النفط والغاز بزيارة اي حقل بترول، وهي لا تمتلك خط انترنت. بينما لم يتبق من معسكرات الاميركان سوى صناديق تفاح وكرفانات محروقة. والمالكي يؤكد اننا لسنا بحاجة اليهم رغم ان حليفه في وزارة الداخلية يؤكد اننا خسرنا الغطاء الجوي في “المحافظات البعثية” ما اصاب قواتنا بالعمى وجعلها عاجزة عن رصد حركة المسلحين بعد خسارة اسناد سلاح الجو الاميركي. وهذا اجمل اعتراف لنهاية السنة. لكن تفاؤل المالكي الذي اعمانا في 4 “محافظات بعثية”، لم يجعله يفلت زمام الامور اذ انه يعوض الغطاء الجوي، باعتقال ثمانمائة شخص بتهمة الانقلاب. “حين تعجز عن مراقبة البعثيين من السماء، فإن عليك اعتقالهم في الارض” كما تقول حكمة مكتوبة بالفارسية على بوابة القصر الجمهوري. اما الحكمة الاخرى التي دونها بخط غير مقروء، ضابط مجتث في مكتب بابكر زيباري، فتقول “حين تعجز عن بناء استخبارات فتشدد في اجراءات التفتيش”، ورغم تشدد اوقف السير الاثنين فإن انفجارا رهيبا ضرب كراج البرلمان. “لقد احس قلب المالكي بالمؤامرة لكن التفتيش لم يكن دقيقا بما يكفي!” هكذا سيكتب ربما حسن السنيد في مذكراته بعد ان يتقاعد.

ان نهاية 2011 لم تعد تعنيني بقدر ما ستثيرني بداية السنة المقبلة. حضارات الهنود الحمر والاباتشي والموهيكانز، التي تحتفي بالزقورات وجلود الثيران وطقوس التبغ… تتحدث عن نهاية هذا العالم بعد بضعة شهور. لكن للنهايات معاني كثيرة، فليس بالضرورة ان يضرب نيزك كبير قارة افريقيا وتنزلق هذه الكتلة لتصطدم بمضيق باب المندب. تخيلوا كيف يمكن ان تنزلق القارة بهدوء وتلغي المسافات بين الشواطئ، فتلتصق دبي بميناء مبارك المزعوم، وتروح علينا فتحة ام قصر المحدودة، وتدمر مشروع الفاو الذي يحلم به بشكل مختلف، هادي العامري وجوزيف حنا الشيخ.

ويمكن لنبوءة الهنود ان تكون اخف، اي مثل اشكال النهاية التي فاجأتنا في 2011 بغرابة لا نظير لها منذ تفكك نظام النبلاء بعد الثورة الفرنسية. الرؤساء العرب تبخروا، لكن الجديد ان شباب وول ستريت يشتبكون مع “لواء حماية اوباما”. المالكي يصر على انسحاب فيالق اوباما من العراق لا لترضية طهران، بل لمساعدة لواء الحماية في وول ستريت، فليس من المعقول ان يسترخي الجنود الاميركان في شتاء بعقوبة وبسماية الدافئ، بينما تدوخ شرطة نيويورك بشباب الفيسبوك. وقد تزعم “مجرشة العالم” ان بغداد اقترحت على البيت الابيض، اعارة خدمات الفيلد ماريشال قاسم عطا الى الانتربول، كي يساعد في تهدئة منطقة اليورو المفلسة.. لكن عطا اشترط على المصرفي الكبير روكفلر، قرضا لاحد النواب يستثمره في ترميم بناية المطعم التركي المطل على نصب غامض لجواد سليم.

المهم ان لا احد فهم 2011 كفاية. وحين سألنا قائمة اياد علاوي واسامة النجيفي عن تقييم وزرائها لهذه السنة قالت انها لم تلتق بهم سوى مرتين، فقد كانوا منهمكين في احلام اخرى بعثية وغير بعثية.

وكتعويض عن الجهل بالعام المنصرم، سأحاول التنبؤ بالعام المقبل. وبعد ان تركت التدخين 60 يوما، حاولت تنشيط خيالي فجربت ان ازور غرفة الانعاش. وبقيت صاحيا هناك لساعات قبل 10 ايام. كنت افكر بمآلات الصيدلاني ابن البيطار الذي اطلق اسمه على هذا المستشفى. الآلام (التي فهمت بعد شهرين من العذاب، ان سببها تقرح المريء المعدي الارتدادي)، هدأت بجرعة “بيثادين”. انه مخدر ساحر لا يخلصك من الالم فحسب بل يمنحك شعورا عميقا بالسعادة. انا الذي ازور الانعاش لاول مرة، بقيت سعيدا احدق في “تخطيط قلبي العربي وسونار عقلي الاسلامي واشعة مريئي البصراوي..الخ”، والنتائج تلمع على شاشة خضراء، تذكرني ببداية المنطقة الخضراء ونهاية الكتاب الاخضر ومصير حقول جدي المبادة في حروب القرن العشرين. رحت انصت حتى الصباح الى أنين “القلوب العراقية” وأتخيل نهاية كل شيء. تحت تأثير المخدر، رأيت الحكيم.. اليوناني ذيمقرطيس، يقف الى جوار جهاز الصعق الكهربائي المودع بجانب سريري، ويقول: “امنحوا الدنيا جرعة بيثادين.. اجمعوا القبائل في غرفة انعاش بحجم الكون لتتخلص من الالم وتشعر بسعادة عميقة، عند نهاية العام.. او العالم”.

وعليكم ان تعذروني فهي مقالة كتبتها بـ”مريء” تحبطه 60 يوما مرت بلا اي لذة حسية. لكنه ايضا مقال يلتزم بنصائح الطبيبين الكبيرين اميرة شبر وهلال الصفار، رغم ان نصيحة الحكيم (اليوناني)، تشجع المالكي (العراقي) على تجربة المزيد من “البيثادين”. انا متأكد انه اكثر رؤساء الحكومات سعادة بنهاية 2011.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد