الإسلام السياسي والدولة المدنية


محمد محبوب

مازال غبار الربيع العربي لم يهدأ بعد وقد اكتسحت الراديكالية الاسلامية جماعات وحركات المعارضة من الليبراليين والديمقراطيين في البلدان العربية التي شهدت التغيير وتراجعت زعامات ليبرالية وديمقراطية شابة قادت الثورات وبرزت محلها اخرى راديكالية متشدة منغلقة على نفسها ، تمارس الارهاب الفكري باسم الدين على الآخرين ، لا تؤمن بالحوار ولا بالاختلاف ، واذا كانت غير قادرة على ادارة حوار وطني مع مكونات الوطن الواحد ، فكيف سوف تنجح في بناء اسس حوار حضاري وثقافي مع المحيط الدولي.

في عصر هيمنة الخطاب القومي العروبي منذ أربعينيات القرن الماضي، جرى تغييب الكثير من الهويات الثقافية في العالم العربي ، ولاسيما الخصوصيات الدينية والمذهبية للكثير من المكونات الاجتماعية الضاربة الجذور في الارض التي تعيش عليها ، ورغم ان طبقتي العسكرتارية والمشائخية التي استحوذت على السلطة في البلدان العربية وحاولت منذ لك الحين ان تتظاهر بصناعة دولة مدنية ، الا انها عقدت نوعاً من الحلف او التراضي مع المذهبية الدينية المهيمنة والتي تمثل الغالبية العربية ، وكانت انطلاقا من ذلك تشكك دوما بولاء الاقليات ، ومن هنا جاء التصريح الشهير للرئيس المصري السابق حسني مبارك حول انتماء الاقليات الشيعية في العالم العربي لا الى اوطانها وانما لايران ، وهو بذلك اهان الاقلية الشيعية في مصر فضلا عن الاقليات الشيعية في البلدان العربية ، ومنذ سقوط مبارك وفي ظل هيمنة الخطاب الاسلامي الراديكالي على الشارع المصري ، مازالت الهوية الوطنية للبلاد تتعرض لمخاطر جسيمة وقد حصلت العديد من حالات الاحتراب الداخلي واعمال العنف الطائفي بين مسلمين واقباط.

وفي سوريا بدأنا نتابع منذ وقت مبكر توعدات اسلاميين راديكاليين للمكونات الاجتماعية الاخرى من مسيحيين وعلويين واسماعيليين وغيرهم ، وإذا ما سقطت البلاد بيد مثل هؤلاء الذين لايؤمنون بالتعايش السلمي وحقوق المواطنة ، فانه من المتوقع ان تشهد سوريا موجات من الهجرة هربا من الاضطهاد لا مثيل لها ، وقد تابعنا قبل ايام مظاهرة رُفعت بها صور المقبور صدام لابصفته بطلا قوميا هذه المرة ، انما بصفته بطلا طائفيا لكونه ( قاهر المجوس) كما تقول لافتات تلك المظاهرة ، كما توعدت جماعة أخرى بهدم مرقد السيدة زينب عليها السلام في حالة سقوط الحكم بأيديهم.

وفي العراق مازالت مثل هذه الجماعات الظلامية تحاول افشال العملية السياسية الجارية منذ العام 2003 ، وبالرغم من سقوط رهانها على تحويل العراق الى امارة طالبانية ظلامية متخلفة بفضل وعي الشعب العراقي وتنامي قدرات الاجهزة الامنية ، فانها مازالت تحاول ضرب معنويات المواطن من خلال خروقات أمنية بين الحين والآخر ، وتشير معلومات غربية الى ان الكثير من المقاتلين العرب انتقلوا من العراق للقتال في بلدان مثل ليبيا ومصر وتونس واخيرا سوريا وبعضهم يحتل اليوم مناصب قيادية في تلك البلدان

وقد برز الشيخ القرضاوي بصفته مفتيا لثورات الربيع العربي ذات اللون الطائفي ، بالرغم من انه يزعم الوسطية والاعتدال لكنه جعل من نفسه رأس حربة في تأجيج صراعات طائفية في العديد من البلدان العربية والاسلامية ، والواقع ان القرضاوي يمثل امتدادا تأريخيا لتحالف سلطوي طائفي بدأ منذ انشاء الدولة الاموية في دمشق ، ويجد اليوم تمثلاته في بعض ممالك وامارات الخليج العربي ، فضلا عن مشايخ آخرين لعبوا دورا كبيرا في تأجيج الفتن الطائفية وتهديد السلم الاهلي في البلدان العربية مثل عرعور والعريفي وغيرهم.

وعندما أعلنت الامم المتحدة 2001 عاما لحوار الحضارات ، فان القاعدة وهي من افرازات العقل المتشدد هاجمت الولايات المتحدة في ذات العام في 11 سبتمبر/ ايلول والتي ترتبت عليها حروب واحداث واعمال عنف لم يشهدها العالم من قبل وشرعت الابواب امام اعمال ارهابية ارتكبتها جماعات متشددة في مناطق مختلفة من العالم ، كما انها شكلت ضربة قاصمة لقيم التسامح في الاسلام وجلبت مزيداً من الكراهية للمسلمين وشوهت صورة الاسلام في العالم.

واليوم يقف الاسلام السياسي الذي وصل الى السلطة في بلدان الربيع العربي امام امتحان عصيب في قدرته على صناعة دولة مدنية عصرية تسودها قيم العدل والمساواة بين المكونات الاجتماعية كافة دون تمييز على اساس العرق او الدين او المذهب ، وليس امارة طالبانية ظلامية تمارس القمع والاضطهاد على المختلف الفكري وتصادر الحريات العامة للمواطنين وتحول حياتهم الى جحيم.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد