لماذا لا يدافع مثقفو كردستان عن نفطهم؟

صائب خليل


صائب خليل

حين هم المتآمرون على نفط العراق بالهجوم عليه تنفيذا لمخطط وضع قبل الحرب بسنوات، وتقديم قانون نفط وعقود نفط مشاركة إنتاج لصوصية، هب عدد من مثقفي العراق وناشطيه وعدد من السياسيين والبرلمانيين الأشراف ووقفوا بوجه ذلك المشروع وسجلوا إنتصاراً عظيماً بمجرد صمودهم وإعاقة تنفيذ ذلك المشروع الخطير، سعياً لإنقاذ ثروات أجيالهم القادمة من استغلال بشع كان يراد لها. ولعب بعض الناشطين اليساريين العالميين دوراً أساسياً رائعاً سيذكره لهم تاريخ العراق وأجياله، وفي نقطتين خطيرتين. الأولى فضح تلك المخططات والإتفاقات السرية وكشفها أمام العالم وبذلك جعل تنفيذها أكثر صعوبة، والثانية إيصال تلك المعلومات الى ناشطي الشعب العراقي للإستفادة منها وتأسيس مقاومة شعبية لها.

وفي عمل وجهد جبار، وتنسيق رائع، قام خبراء النفط العراقيون بالإستفادة من تلك المعلومات وإضافة معلومات أخرى خطيرة تمكنوا من الوصول إليها، بشرح وإيضاح ما تعنيه تلك العقود، في دراسات ثرية بالأرقام والبيانات والأسماء والتواريخ وربطها بالحقائق التاريخية عن قطاع النفط الذي يعرفونه أكثر من أية جهة أخرى ويعرفون تفاصيله بشكل لا يستطيع أحد إنكاره أو نفيه أو دحضه. 

تناول عدد من الصحفيين العراقيين تلك الدراسات بالقراءة والتلخيص واستنباط النتائج النهائية، ووضعها في صيغة مبسطة قادرة على إيصال الحقائق الخطيرة إلى الشعب ، فصارت عبارة “عقود مشاركة الإنتاج” و “عقود الخدمة” وحتى بعض تفاصيلها الأكثر تعقيداً، متداولة على كل لسان، وشعر الناس أنهم يفهمون أساسيات المعركة التي تستعر حول نفطهم، الذي هو في الحقيقة أملهم ومستقبل أجيالهم، واستطاعوا المشاركة فيها وساندوا سياسييهم الذين وقفوا بوجهها، وبثوا الخوف في المتآمرين منهم من عقوبة الفشل في الإنتخابات التالية، وأطاحوا بعملاء الشركات الأجنبية الكبار مثل أياد علاوي ومثال الآلوسي من الذين وضعوا كل ثقلهم في خندق الشركات النفطية، بل كانوا أكثر منها تطرفا في وحشية أحلامهم في سرقة تلك الثروة.

إلا في كردستان!…
مثلما صارت كردستان مرتعاً آمناً للصوص منذ حازم الشعلان، واللصوص على أشكالها تقع، فإننا لم نسمع صوتاً كردياً يشارك في معركة النفط، ولا نعلم إن كان ذلك قصور في سمعنا أم أن الأصوات كانت خافتة بالفعل.
المهم، أنه بالنتيجة لم يعرف لصوص كردستان أية إزعاجات تذكر، فلم يجد أشتي هورامي مشكلة في أن يصرح بأنه يوقع عقدين جديدين كلما قالت الحكومة المركزية “غير قانوني”، ليوقع عدداً هائلاً من العقود بلا تمحيص ولا مفاوضات وكان مستعجلاً كأنه لص يلملم أغراض البيت وقد لاحت من الشباك، خيوط ضوء النهار الفاضحة. ولم يتعرض للمساءلة البرلمانية أو الحكومية أو الشعبية حين كشف الناشطون العراقيون أنه نقل حقل طقطق، من قائمة الحقول النفطية المكتشفة، وكان مكتشفاً منذ السبعينات، إلى قائمة الرقع الإستكشافية ليبرر إعطائه للشركات الأجنبية بعقود مشاركة الإنتاج غير المنصفة لبلاده!

في كردستان، لم يجرؤ أحد على إزعاج اللصوص…ولم ينبس “المناضلون” ولا “الرموز” بكلمة!

حينما شكوت المثقفين الكرد لشعبهم في أربعة من المقالات المتسلسلة، أشار صديق كردي عزيز لي أن الكردي البسيط، وبعد كل ما جرى لنهب من ثروات بلاده، يفكر أنه إن كان ولابد من سرقتها، فليسرقها كردي، لعل تصله بعض فائدة منها، كأن يبني هذا اللص لنفسه فندقاً في كردستان، أو يفتح معملاً فينشط الحراك في المنطقة.
ربما يفكر الكردي البسيط بهذا الشكل، منطلقاً من أنه لا مفر من سرقة ثروته، لكن كيف يفكر المثقف الكردي، خاصة وأن الوضع تغير، وأصبح بإمكانه بشكل أو بآخر أن يدافع عن ثروة بلاده أمام كل لصوصها، وهو يعلم بحقوقه ويعلم أنه يفترض أن تعود تلك الثروة كلها، أو أغلبها، إليه كمواطن.

ولكن، حتى لو تناسينا أسئلة الضمير، فأن الإفتراض (اللامبدئي!) بأن هؤلاء اللصوص سيكتفون بسرقة “الآخرين” فقط، والأمنية بأنهم سيكونوا نشالين مع العرب، وشرفاء مع مواطنيهم الكرد، أمنية لا أساس لها. ومثلما كان ضمير السياسي والمثقف ميتاً تماماً حين تمت رشوة أياد علاوي الذي وضعه الإحتلال عنوة على رأس السياسة العراقية، وجعله يوقع اتفاقاً باعتبار سكان الإقليم يزيد مرة ونصف على نسبتهم في أية إحصائية سابقة، كان هذا الضمير يلفه الصمت عن سرقة النفط الكردستاني نفسه ومثلما صمت على سرقة لصوصه للعرب، صمت على سرقة نفس اللصوص، لمواطنيهم الكرد!

لماذا لا يقفز أحد منكم حين يسمع أن “نسبة العائد الداخلي لعمر المشروع للشركات بالنسبة لعقود كردستان قد تصل إلى ضعف ما هي في عقود الحكومة”، حسب الأستاذ فؤاد الأمير، أو يسمع “إن الشركة المتعاقدة مع الاقليم تجني ربحا يقدر بأربعة أمثال ما تحققه من حقل مماثل فى الجنوب، بموجب حسابات القيمة الحالية”، وفق الأستاذ كامل المهيدي، أو أن عوائد الشركات الأجنبية من عقود المشاركة بالإنتاج الموقعة من قبل حكومة الإقليم: “عالية جداً مقارنة بالمقاييس السائدة”. حسب محلل النفط بيتر ويلز؟
وكيف تكون عوائد الشركات “عالية جداً” دون أن تكون عوائد الشعب الكردي واطئة مقارنة بالعقود السائدة في العالم؟ من اين تأتي الأرباح المضاعفة أربعة مرات للشركات إن لم تكن من حصة الشعب الكردي؟ فأين دفاعكم عن حصة الشعب الكردي؟ لماذا تقبلون بعقود “سرية” لا تعلن حتى على البرلمان الذي يمثلكم؟
لماذا يحاول عراقيون عرب أن يمنعوا الحكومة من عقود أكسون موبيل باعتبارها غير مناسبة وغير لازمة ولا تجد عقودكم الأسوأ كثيراً على نفطكم من يعترض عليها منكم؟
لقد دافع شخص واحد عن حق وحصة الشعب الكردي في نفطه في هذه المرحلة، ولم يكن كردياً….كان الشهرستاني!
لست متفقاً مع الرجل في الكثير من الأمور وسبق ان انتقدته بحدة في سياسته النفطية وموقفه السلبي من تشويه سمعة وزير الكهرباء السابق بلا وجه حق، لكن الحق يقال، وكما ينتقد الرجل في خطئه، يشار إلى محاسنه.

قبل أربعة أعوام بالضبط كتبت في مقالة لي: “اما وزير النفط العراقي، حسين الشهرستاني والذي وافق مؤخراً على طلبات الشعب المستندة الى تقارير ودراسات خبراء العراق بالإستمرار في قانون النفط القديم وتوقيع عقود خدمة وعقود تطوير كما يفترض، فقد تعرض الى حملة محمومة اقل ما يقال عنها انها كانت قليلة الأدب شارك فيها العديد من اعضاء الحكومة الكردستانية وممثلى كردستان في البرلمان العراقي. لقد تم تصوير الأمر وكأنه معركة شخصية بين آشتي هورامي والشهرستاني، الذي تم تهديده بصفاقة متناهية. تحدثوا عن عدم الإستعداد “للجلوس معه” وضرورة “تغييره” ، “إذا ما أصر على سياسته ضد شركات النفط الأجنبية المتعاقدة مع حكومة الاقليم”، فيبدو ان هذه الشركات صارت لها قدسية وهيبة من هيبة الإقليم التي يجب عدم المس بها. وبلغت التهديدات في حالة د. حسين بلو مستوى رجال العصابات: “سوف تظهر في الأسبوعين القادمين أنباء جديدة حول تغيير الشهرستاني”!…”

يخوض الشهرستاني اليوم من جديد معركة ساخنة مع إكسون موبيل، وليس مستحيلاً أن تتمكن هذه الشركة من “تغييره”، خاصة في حكومة يسود سياستها الغموض والمفاجآت، ولكن هل سيكون هذا “التغيير”، إن حدث، لصالح الشعب الكردي، أم صالح لصوصه؟
أيهما أشرف في قضية النفط بالنسبة للشعب الكردي، موقف الشهرستاني أم أعضاء حكومة وبرلمان كردستان، ومن يضع نفسه محامياً عنهم من “المثقفين” العرب، أو مرتشي “العراقية” في مجلس النواب ولجنة الطاقة؟ بل أيهما أشرف موقفه أم موقف شرفاء الكرد الصامتين؟ لماذا عندما يقف حسين الشهرستاني دفاعاً عن تلك الحصة، فأنه يترك لذئاب الحكومة الكردستانية تنهشه وأنتم صامتون، بل لماذا شارك بعضكم في نهشه وتصويره بأنه عدو الشعب الكردي؟

إنني أتساءل يا أصدقائي الكرد، عندما يتحقق حلمكم في إنشاء وطنكم القومي، وهي أمنية لكم (ولنا أيضاً…”بفضل” رموزكم وقادتكم الذين وقفوا منذ أكثر من نصف قرن في خندق الشركات النفطية وإسرائيل والمؤامرات، منذ عبد الكريم قاسم وحتى اليوم)، أتساءل: عندما يتحقق ذلك الحلم، ألن تحاربوا الفساد واللصوص؟ فلماذا لا تفعلون ذلك الآن؟ لماذا لا تبدأون بتنظيف أرضكم منهم منذ الآن حيث يمكن لنا أن نقف معكم في نفس المعركة، وقبل أن يستفرد بكم هؤلاء عند إقامة دويلة أشبه بدويلات الخليج التافهة التي تبذر نفطها بلا وجع قلب، وتضع نفسها في خدمة المؤامرات على شعوب المنطقة، لايميزها عنها سوى استبدال العكال والدشداشة بالملابس الكردية؟

إن كان الحلم الكردي لديكم هو إنشاء دويلة يسيطر عليها اللصوص ويخضعونها بالكامل لإرادة إسرائيل وأميركا ولحسابات شركاتها، وأن تلعب كردستان في المنطقة دور إسرائيل ومكانتها في أميركا كما صرح يوماً قادة اللوبي الكردي في أميركا، فأنتم على الطريق الصحيح، وإن كان الحلم الكردي غير ذلك فأنبهكم إلى أن هذا الحلم يتدحرج في طريقه إلى هذا المصير!

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد