الأولوية لأي من الحلين.. القومي أم الديمقراطي؟

عبدالغني علي يحيى


عبدالغني علي يحيى

لعقود خلت، قدمت القوى السياسية العراقية، حل قضية الديمقراطية على القضية القومية الذي عبر عنه شعار (الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكردستان). إلا ان افراغ العهد البعثي للحكم الذاتي لكردستان من محتواه، أرغم الكرد على تصعيد مطاليبهم القومية الى الفيدرالية التي اقرها برلمان كردستان عام 1992. وفيما بعد تبين ان الحكومات الشيعية لم تتعدى رؤيتها للقضية القومية الكردية رؤية البعث لها، في تهربها من تطبيق المادة 140 والاحصاء السكاني وامور غيرهما مثل ابقاء نفوذ الحكومة الكردية الأقليمية في الحدود الأدارية للمحافظات اربيل والسليمانية ودهوك وحرمانها من بسط نفوذها على المناطق الكردستانية الأخرى المشمولة بالمادة تلك، مادفع بالكرد الى تكثيف المساعي لأجل الاستقلال عن العراق الذي صار حديث الساعة في هذه الايام، وشجع من تكثيفها عجز الحكومة المركزية عن تحقيق الديمقراطية والاستقرار وتوفير الخدمات .. الخ.
لما تقدم، نفهم أن لا حل لقضية الديمقراطية من غير أن يسبقها حل للقضية القومية، اثنية كانت أم دينية أم مذهبية واحياناً مناطقية. وكما  نعلم انه من افغانستان شرقاً والى المغرب غرباً هنا لك (16) قومية وطائفة دينية ومذهبية ومناطقية مغلوبة على امرها لم تحظى الى الأن بعناية الحكام العرب والمسلمين. ليس هذا فحسب انما نجدهم يتنكرون لها، ومن  بينهم حكام البلدان التي  شهدت وتشهد(الربيع العربي) ما يعني فشل هذا (الربيع) في تحقيق اماني شعوبها وتجاهله للقضايا الملتهبة ذات الهويات المتباينة. ففي ليبيا مثلاً، يشكل الأمازيغ ال :22% من السكان وليس 5% كما يروج لها الحكام الليبيون.  عدا الأمازيغ الذين يقطنون غرب ليبيا، هناك مكون اجتماعي اخر هو (التبو) الذي اتهم الحكومة الليبية بالوقوف الى جانب القبائل العربية ضده وترددت في حينه اشارات الى رغبة (التبو) بتقديم شكوى الى الأمم المتحدة. وفي شرق ليبيا فان  صراعاً ذوهوية مناطقية يدور فيه بدليل مطالبة سكانه بالفيدرالية. لقد احتج الامازيغ على النظام (الربيعي العربي) الحالي في ليبيا عندما شعروا بخية امل لما وجدوا حكومته خالية من وزير يمثلهم. وهكذا تبقي ليبيا على صفيح ساخن مالم تقدم حل القضايا القومية .. الخ على الحل الديمقراطي الذي لن يتحقق ايضاً بسببه.
القول نفسه ينسحب على اليمن، ففي جنوبه حراك انفصالي مناطقي، وفي شماله شيعي حوثي مذهبي، ويظل وسطه الحاكم بين نارين وليس في الأفق ما ينبئ عن حل يفضي الى الاستقرار في اليمن. وهكذا فان إسقاط نظم القذافي وبن علي ومبارك وصالح لا يعني حلاً جذرياً منشوداً، فالحل يكمن في الغاء الاقصاء وتهميش الهويات المقهورة أولا ثم الشروع في الديمقراطية. ومن الان يبدو ان حكام سوريا المستقبل، يسيرون على النهج عينه للذي يسير عليه رافضو الحل الاثني و الديني والمذهبي والمناطقي، فبرهان غليون مثلاً، احرق الامال العريضة ل(3) ملايين كردي سوري يوم قال: لا فيدرالية أو حكم ذاتي لكرد سوريا، ولا من كردستان سورية.. الخ من اللاءات، ولا شك ان اخرين من المكونات يتقاسمون مع الكرد تلك الخيبة، وهي : الاشوريون و التركمان والمسيحيون، وسينضم العلويون اليهم بعد ازاحتهم عن الحكم.
وفي العراق الذي يفخر حكامه بأن بلدهم كان سباقاً الى ( الربيع العربي) ولكن من غير ان يستوعبوا الدرس ويعطوا الاولوية للحل القومي.. الخ، فأنه على يدهم راح مشروع تقسيم العراق يقوى ويتجذرباتجاه تأسيس (3) دول شيعية وكردية وسنية عربية، علما ان هنا لك تقسيماً على الأرض لم يعلن عنه الى الأن، وبسبب من تعنت حكومة المالكي، فان العراق بشهادة الجميع مقبل بوتائر سريعة على التقسيم وكما افاد به المجلس الأسلامي الأعلى قبل أيام.
وتعاني الدول العربية كالجزائر والمغرب والسودان و السعودية والبحرين وموريتانيا والدول الاسلامية مثل مالي وايران وتركيا وباكستان وافغانستان المشاكل نفسها لدول (الربيع العربي) فهنالك الأمازيغ في تونس وليبيا والجزائر والمغرب..الخ اضافة الى الطوارق، وفي السودان ثمة حركات تحررية مثل حركة تحرير دارفور تلح على حقوقها وعلى الاستقلال وفي البحرين لم يعد ممكناً تعايش الشيعة والسنة تحت قبة واحدة. كما ان ايران لن تستقر داخلياً وخارجياً مالم تنفكك وتنهض فيها دول بلوشية وكردية وعربية واذرية.. الخ والشيء نفسه بالنسبة الى تركيا التي تواجه حرباً مع كردها لأكثر من عقدين ونصف العقد.
لقد توصل الغرب الديمقراطي المتحضر الى الحقيقة موضوع البحث وتوصل قبل عقود الى ضرورة الاقرار بحق شعوب مستعمراته في تقرير المصير. ففي اوائل الستينات من القرن الماضي تشكلت في الأمم المتحدة (لجنة تصفية الاستعمار) وتحررت بواسطتها عشرات الشعوب وانشأت دولها، وبهذا تم قطع الطريق امام حروب كثيرة، واستطاع (المتروبول) ان يحتفظ بافضل العلاقات مع مستعمراتها السابقة. وتكررت التجربة بنجاح بعد اطلاق روسيا الاتحادية الحرية لشعوب (15) جمهورية سوفيتية سابقة اي مجموعة الدول المستقلة حالياً. وفعلت جيكوسلوفاكيا حسناً حين وافقت على انفصال السلوفاك عن الجيك، وفي يوغسلافيا حصل الشيء نفسه وظهرت فيها جمهوريات عدة.
لو القينا نظرة على البلدان المبتلية بالحروب منذ سنوات لوجدنا هذه الحروب بين الأمم المهيمنة في العالم الثالث وبين شعوب مقهورة اصطلح على تسميتها ولو بشكل ضيق الى الان (العالم الرابع). لقد اختفت الحروب الطبقية  الشيوعية واخرى من اجل التحرر من الاستعمار التقليدي وحلت محلها حروب لاجل التخلص من ظلم حكومات العالم الثالث. لذا نجد لزاماً على المجتمع الدولي انهاء هذه الحروب بأي ثمن كان وتشكيل هيئة لتصفية هيمنة دول في العالم الثالث على العالم الرابع. جدير ذكره ان عدد الشعوب التي لم تحصل على  مقاعد لها في الأمم المتحدة يفوق عدد التي حصلت عليها، واذا امعنا النظر في الحروب الحديثة لتوصلنا الى قناعة وهي، ان الحكومات والشعوب المتحضرة هي الاكثر استجابة لمطاليب الشعوب المقهورة ، اي الحكومات الأوروبية والغربية، مايعني الوجه الأخر لهذا التوصل ان حكام شعوب العالم الثالث غير متحضرين. لذلك فان جزءاً كبيراً من السبب يكمن في جهل اولئك الحكام و حكوماتهم وحتى شعوبهما ويحضرني هنا قول الرسول (ص): (كما تكونوا يولى عليكم).
والانكئ من كل ذلك، ان حكام العالمين العربي والاسلامي على وجه  الخصوص في الوقت الذي يدعون فيه  الوطنية ومقارعة الاستعمار واسرائيل، نراهم يطبقون عن وعي أو لاوعي سياسة الاستعمار واسرائيل ازاء حركات الشعوب التحررية التي ترسخ من( الوحدة القسرية) في  بلدان العالم الثالث، وبفضل هذه الوحدة القسرية يصون الغرب واسرائيل مصالحهما. فمنذ نحو نصف قرن أو يزيد يواجه الغرب واسرائيل اتهامات من جانب الدول العربية مفادها انهما يسعيان الى تقسيم البلدان العربية، الا ان الحقيقة عكس ذلك، فما يحققه(وحد تسد) للغرب واسرائيل لا يحققه (فرق تسد) لهما. ولم يتم الى الان تقسيم ولو بلد عربي واحد باستثناء السودان الذي حصل فيه التقسيم برغبة من حكومته، كما ان الخرائط السياسية للدول العربية لم يطرا عليها تغيير، واذا اراد الغرب، تغيير وتعديل هذه الخرائط. لاستطاع بسهولة، لكنه لن يقدم على ذلك طالما كان(وحد تسد) أنفع له واجدى، ولا ننسى انه يرمي من وراء تلك الخرائط دفع الحكومات العربية والاسلامية الى المزيد من قمع شعوبها للحيلولة دون تنفيذ الخرائط (الوهم). عدا ذلك، لاتخلو السياسة الغربية المشار اليها من المضامين العنصرية، فهي تنتصر للحركات الاستقلالية المسيحية في الدول الاسلامية (علما ان لا ذنب لهذه الحركات في تلك السياسة)، مثال ذلك انفصال(تيمور الشرقية) المسيحية عن اندنوسيا المسلمة، ثم استقلال جنوب السودان المسيحي عن شماله المسلم، في حين نجدها بالمرصاد للحركات الاستقلالية الانفصالية للأقليات المسلمة المضطهدة من الدول الاسلامية. وهنا بودي طرح السؤال: لماذا انتصرت امريكا وحليفاتها الغربيات واسرائيل لأستقلال جنوب السودان المسيحي ولزمت الصمت وما تزال حيال سعي شعب دارفور المسلم عن السودان المسلم؟ وفي أوج صراعها (امريكا، اسرائيل، اوروبا) مع إيران، نلقى سكوتاً منها تجاه الطموحات القومية للكرد والبلوش والعرب و الأذريين للاستقلال عن ايران، ويعلم الكل ان مجرد دعم تلك الطموحات من جانب ذلك الثالوث من شأنه اسقاط النظام الايراني وافشال برنامجه النووي، وقد ينبري احدهم مفنداً لما قلته معترضاً على  بمثالي كوسوفو وكردستان العراق اللتان بفضل الغرب، نالت الاولى استقلالها والثانية حصلت على حقوق واسعة. الجواب، ان المشكلة الكوسوفية الحقت اضراراً بأوروبا المسيحية، الأمر الذي لم يقبل به الغرب، ثم ان حلها اضعف من النفوذ الروسي هناك.. الخ من اسباب اخرى ، أما بخصوص كردستان العراق، فأن حل الغرب للقضية الكردية جاء ناقصاً عندما ابقت على (مناطق متنازع عليها) بين بغداد واربيل، قابلة للأنفجار والمواجهة المسلحة في أية لحظة.
على الحكومات في العالمين العربي والاسلامي التوقف عن التمسك ب(وحد تسد) وتنفيذ المخططات الاستعمارية الغربية والاسرائيلية عن قصد أو دون قصد، والكف عن تقديس الجغرافيا، ولا تنسى ان عظمة الشعوب والأوطان لاتقاس بالعدد والمساحة وحتى الثروات. ان حكومات العالمين العربي والاسلامي اعجز من ان تستطيع تلبية حتى مطاليب الامم المهيمنة والتي تمثلها، ومع هذا لاتكتفي بالتوقف عند هذا العجز وتمد سلطتها لاحتلال اوطان شعوب اخرى. ولتعلم هذه الحكومات والدول، انها تظل الاكثر ابتلاء بالتخلف والفقر والمحن اذا واصلت احتلالها للشعوب المظلومة المقهورة، ويوماً بعد يوم تتشكل جبهات عريضة لشعوب العالم الرابع (الكونكرس الامازيغي العالمي) و(الاتحاد الكلداني العالمي) وحراك الملايين من الاقباط والكرد والطوارق .. الخ لأنهاء استعمار العالم الثالث للعالم الرابع، وهيهات ان تتحقق الديمقراطية في العالمين العربي والاسلامي ما لم يقدم حكامهما الحل القومي على الحل الديمقراطي. 
•    رئيس تحرير صحيفة راية الموصل – العراق

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد