الخلاف بين الإقليم والمركز، سياسي أم لصوصي؟ لنسأل الوثائق…

صائب خليل

صائب خليل

عندما نبحث عن حل لمشكلة، فأن أول واجباتنا أن نفهم طبيعتها، والمشكلة القائمة اليوم بين إقليم كردستان والحكومة العراقية ليست أستثناءاً، ورغم ذلك يجهد الساسة والكتاب في البحث عن “حل” لها دون مناقشة طبيعتها. ومن الطبيعي أن أحد طرفي المشكلة قد لا يناسبه أن تعرف طبيعة تلك المشكلة. من صالح الجانب الكردي أن يفهم الناس أن القضية “قومية”،

فلقد كان الكرد لعقود طويلة ضحايا “قضايا قومية”، وبالتالي فأن تعريفها كقضية قومية يعطي فريق القيادة الكردستانية أفضلية “اللعب في بيتها”. ولذلك أكثر البرزاني من الكلام عن اضطهاد الكرد وحرمانهم من ثرواتهم مدى التاريخ، وكأنه كان يسعى للحفاظ على ثرواتهم! لكن هذا الطرح يجعل مناصري الجانب المقابل يزداد تمسكاً به، باعتباره مدافعاً عن مصالحهم القومية.
فكرة قد تبدو أنسب، أن نجعل القضية شخصية! ففي مقابلته مع صحيفة كردية، قالوا للمالكي “هناك أنطباع عام في كردستان بأن الخلافات بين حكومة المركز والأقليم أخذت طابع شخصي”.(1)
ونلاحظ هنا أن القضية كانت قد صممت من قبل لتكون ذات طابع شخصي بين اشتي هورامي والشهرستاني، وكال التحالف الكردستاني هجمات هي أقرب إلى الشتائم للشهرستاني، ربما بأمل الرد بالمثل لتضيع القضية في “قضية شخصية”.
وعندما وجد مثال الآلوسي الجو ملبداً بالغيوم بعد عودته من رحلته المخزية الثانية إلى إسرائيل، سارع بإثارة الآخرين نحو معركة بالأيدي، فظهر بمظهر الضحية التي تكالب عليها الآخرين، وضاع في الضجة عمله اللاأخلاقي وتحولت القضية إلى “قضية شخصية” ولم يجد عدد من المثقفين ما يخجلهم من التوقيع على احتجاج على البرلمان دفاعاً عن “حق مثال الآلوسي في زيارة إسرائيل”! 
وحين كشف كاتب هذه الكلمات فضيحة فراس الغضبان الإرهابية، سارع بعض مجهولي الأسماء إلى شتيمتي بأمل الرد بمثلها، ورغم أني لم أفعل، إلا أنهم أكملوا الخطة وسدوا النقاش الذي كان يهدد بفضح الكثير، باعتبار أن الموضوع أصبح شخصياً، وأننا لا نريد الشخصنة..

كل هذه الطروح تقدم خدمة كبيرة للطرف الذي ليس الحق في جانبه، لكن مشكلتها أنها غير مقنعة بشكل كاف، لذا يفضل أختيار صورة أكثر إقناعاً، حتى لو كانت أقل فائدة في الصراع. صورة يسهل إقناع الناس بها: أن القضية هي “خلاف سياسي”!
لكن هذه الصورة تتلاشى كتزييف آخر للواقع متى ما نظرنا إلى المشكلة بتأن، كأن نبدأ بتجزئة عناصر الخلاف: هل توقيع عقود سيئة خلاف سياسي؟ هل تهريب أحد الطرفين النفط الذي يخص الطرفين خلاف سياسي؟ هل الإمتناع عن تسليم الحكومة مبالغ الكمارك خلاف سياسي؟ هل الإستيلاء على أراضي المحافظات المجاورة بقوة السلاح، وتسليم حقولها للشركات الأجنبية خلاف سياسي؟ هل استغلال لحظة نحس بوجود مرشو وضيع على رئاسة حكومة بلاده ليتفق معه على زيادة 50% من حصة الإقليم في المالية وأصوات البرلمان، خلافاً لكل الإحصاءات المتوفرة، فيصبح لكل كردي ما لكل عربي ونصف من أموال وتأثير سياسي، هل هذا خلاف سياسي؟

ما الذي يطالب الإقليم به؟ أن يسمح له بتوقيع عقود سرية لا تعرض على شريكه، فأية شراكة هذه، ومن يقبل بها؟ من لديه استعداد أن يتشارك مع شخص في مشروع، يطالب شريكه أن يسمح له بأن يبيع منه بعضه بعقود سرية ثم يقول له أنه باعها بكذا دينار، وتفضل هذه حصتك، وعليه أن يقبل حتى لو شك بالصفقة ووجد السعر دون سعر السوق بكثير؟ أي شريك ذليل هذا الذي لا يعترض على هذا ولايعتبره مشروع سرقة صريحة؟

في دراسة نشرها قبل أيام الأستاذ فؤاد الأمير (2)  حول “عقود أكسن موبيل مع حكومة إقليم كردستان، والتطور النفطي في الإقليم” كشف الكثير من الحقائق، وقد وردتني إضافة إلى ذلك بعض الوثائق التي أدرجها في هذه المقالة والتي تؤكد صحة ما جاء به الأستاذ فؤاد الأمير، حول خطورة تخندق ساسة إقليم كردستان مع شركات النفط الأمريكية العملاقة من أجل سرقة نفط العراق في وضح النهار.

بدأت المشكلة عندما أعلنت حكومة إقليم كردستان في أواخر العام الماضي أنها وقعت مع شركة أكسن موبيل ExxonMobil ستة عقود من نوع “مشاركة التنقيب والإنتاج” سيئة الصيت، لست رقع استكشافية. وحاولت الشركة الضغط على السيد حسين الشهرستاني للموافقة على مثل هذه العقود بعد التوقيع مع حكومة الاقليم، و كذلك أدخل السفير الأميركي في بغداد في الموضوع.

رفض الشهرستاني ذلك وخير أكسون موبيل بين عقود الإقليم وعقود الجنوب الضخمة، مهدداً بإلغائها.
ولنلاحظ هنا، أن المسؤول العراقي يؤجه الضغط إلى الشركات الأجنبية وليس لحكومة إقليم من أقاليم بلاده، وهذا بحد ذاته يؤشر عمق المهزلة التي وصل إليها حال البلد. فالرجل لا يأمل أن يقنع قادة إقليم في بلاده بالإمتناع عن المشاركة في تلك السرقة لثروة شعبهم، لكنه يأمل أن تمتنع الشركات الأمريكية عن المشاركة في تلك السرقة تحت التهديد بخسارتها لعقود أكثر قيمة!

ثم ظهر أن اثنتين من الرقع الاستكشافية الستة، تقعان في محافظة نينوى، وثالثة في “المناطق المتنازع عليها” في كركوك. ورفضت الشركة الإجابة على اي من رسائل الوزارة، واكتفت الوزارة بتهديدات ضعيفة ، ولا يستبعد أن تتراجع عنها تحت ضغط خندق الشركات وإقليم كردستان والعراقية، و “التيار الديمقراطي”, وسمح للشركة بالفعل بشراء وثائق مزايدات دورة التراخيص الرابعة، وبالدخول في مزايدات بيع النفط العراقي. هذا الموقف الضعيف، شجع شركة توتال الفرنسية على التعاقد مع حكومة إقليم كردستان للتنقيب والتطوير لأربع رقع استكشافية بعقود مشاركة بالإنتاج، إثنتان من تلك الرقع تقعان في مناطق “متنازع عليها”ولا يستبعد أن تلجأ شركات أخرى إلى ذلك إن استمر الموقف الضعيف للحكومة بفضل شركائها.
ويلاحظ فؤاد الأمير أن المشروع النفطي العراقي كله مهدد بالإنهيار بسبب هذا الموقف العدائي للشركة العملاقة، التي من الطبيعي أن تبحث عن مصالحها، ولها قدرات هائلة للضغط على الحكومة خاصة بوجود دعم من بعض الجانب العراقي في الأمر، بل يمكنها التدخل في القرار السياسي العراقي. وبالفعل فأن الأمير يلاحظ أن “الشركة دخلت كطرف في الخلافات السياسية العراقية الداخلية، حيث تعاقدت على مناطق متنازع عليها، وداخل محافظة نينوى.”

ويلاحظ أن الحكومة الأمريكية السابقة قد نأت بنفسها عام 2007 عن فرض مثل تلك العقود على العراق عندما أعلنت كل من حكومة الإقليم وشركة “هنت أوف دالاس” الأميركية أنهما وقعتا عقد مشاركة بالإنتاج لتنقيب وتطوير رقع استكشافية، لأن قسماً من المنطقة المتعاقد عليها وقعت ضمن “المناطق المتنازع عليها” في محافظة نينوى. وأثير الموضوع في حينه في الكونغرس الأميركي، وتنصل الرئيس بوش ومعه الحكومة الأميركية من الصفقة، وبينوا عدم معرفتهم بها أو الموافقة عليها، وبين الرئيس بوش: “إن السفارة الأميركية في العراق كانت قد بينت قلقها من هذه الاتفاقية”.
وحول الصراع الأخير قالت فيكتوريا نولاند، المتحدثة باسم الخارجية الأميركية: “إن الولايات المتحدة حذرت شركاتها كافة، ومنها أكسون موبيل، بأنها تخاطر مخاطرة سياسية وقانونية كبيرة إذا ما وقعت على تعاقدات مع أي طرف في العراق قبل إقرار اتفاق وطني”

فأي شركاء هؤلاء الذين لا يخجلون مما خجل من فرضه، الإحتلال نفسه؟ ومن يشاركون في الحقيقة، بقية العراقيين أم شركات النفط، التي يتحمسون لمصالحها أكثر مما تتحمس له أو حتى تتقبله حكومات دولة تلك الشركات؟

ويؤكد الأستاذ فؤاد الأمير من خلال شواهده، أن: أولاً من مصلحة الحكومة العراقية إلغاء عقودها مع إكسون موبيل، فهي لم تكن مناسبة وغير لازمة، وثانياً أن من حق الحكومة الشرعي القيام بذلك، وانها ستكسب القرار حتى لو لجأت الشركة إلى التحكيم الدولي. وهذا الرأي مخالف لما ردده رئيس وفد الشركة حين التقى الدكتور حسين الشهرستاني ووزير النفط، وكرر ما يقوله ساسة كردستان بأن الدستور العراقي يسمح بمثل هذه العقود، وأن ليس للحكومة الاتحادية حق الاعتراض! وهو غير صحيح حسب قانون النفط القديم الذي لم يغير في العراق، وأن للحكومة أن تستند إليه لإلغاء عقود أكسون موبيل لأنها تتضمن فقرة توافقها مع القانون العراقي، إضافة إلى ان عقود “مشاركة الإنتاج” التي تتبعها جميع عقود كردستان، مناقضة للدستور لأنها تفقد الشعب العراقي السيطرة على ثروته لصالح الشركة.
ويرى الأستاذ الأمير ضرورة إحراج الحكومة الأمريكية بطلب موقفها ومساعدتها، ويتساءل عن جدوى معاهدة الصداقة الإستراتيجية مع أميركا، إن لم تستطع أن تحمنا من إبتزاز الشركات الأمريكية مثلما لم تقدم لنا أية مساعدة للخروج من الفصل السابع، مشيراً إلى “أن شركة أكسن موبيل من الممولين الرئيسيين للحزب الجمهوري” ومذكراً بقول دونالد ترمب، أحد مرشحي الحزب الجمهوري لانتخابات الرئاسة الأميركية “إن على الولايات المتحدة أن تستحوذ على أي نفط ينتج في العراق لأنها كانت القائد لغزو العراق”.

ليس كردستان هو الوحيد الذي يقف مع الشركات في معركتها، بل تقف معهما كتلة العراقية بكل قوة! ويلعب النائب عدنان الجنابي من تلك الكتلة، ورئيس لجنة الطاقة والنفط والموارد الطبيعية في مجلس النواب دوراً خطيراً في المعركة، فهو المسؤول عن مسودة قانون النفط والغاز سيئة الصيت، التي بين الأستاذ فؤاد الأمير سوءها في نفس الكتاب المشار إليه أعلاه. المسودة “الأتعس” ، والتي صيغت خصيصاً لغرض إعطاء مشروعية قانونية لكل عقود حكومة الإقليم. وعندما فشلوا في تمرير القانون تحركت الشركة “العظمى” لتدخل المجابهة مباشرة. لقد “دخلت في معترك الأمور السياسية العراقية الداخلية وهي لا تزال في أول الطريق، فيا ترى ماذا ستفعل في المستقبل في طريق زرع الفتنة بين مختلف الطوائف والقوميات؟!” كما يتساءل الأستاذ فؤاد الأمير، ويضيف: ” إن دخول شركة أكسون موبيل غالبية الرقع الاستكشافية التي تعاقدت عليها تقع في داخل المناطق المتنازع عليها أو في داخل محافظة نينوى، كما وأنها تتحدى علناً الحكومة الاتحادية وتهديداتها.”

لا غرابة في ذلك، ما دامت الشركة تجد كل ذلك الدعم من داخل مكونات العراق ومؤسساته الأساسية. فنجد هذا النائب، صاحب المسودة المشبوهة، يكرر تماماً نفس عبارات موقف الشركات وكردستان من معظم أجزاء تلك المشكلة، رغم أنه يحاول أن يبدو كـ “وسيط” بين الجميع. فهو يهتف: “لا يحق لبغداد من الناحية القانونية فسخ عقد نفطي كبير مع أكسون موبيل رداً على عمل الأخيرة في منطقة كردستان شبه المستقلة”، وأيضا: “لا توجد قوائم سوداء في البرلمان”! فهل انتخب البرلمان ليمثل الشعب العراقي أم ليكون وسيطاً بينه وبين الشركات؟
وفي محاولة النائب فرض مسودته السيئة أشار إلى “إن العقود الموقعة من قبل الحكومة المركزية والمنطقة الكردية ليست دستورية تماماً. نحتاج إلى إقرار قانون النفط لتشكيل المجلس الاتحادي الذي يمكنه حينئذ أن يقر كل العقود”. و “ليس من حق وزارة النفط وضع شركة في القائمة السوداء”.

وحتى لو فرضنا أن هناك شكوكاً في حقوق وزارة النفط في مجابهتها للشركة، ألا يفترض أن يقف هذا النائب مع الحكومة ويدفع باتجاه تقوية أوراقها؟ فنائب عن من هذا الرجل، وأين نرى “عراقية” الكتلة التي ينتمي إليها؟ ولماذا يتصرف كأنه محام للشركة يبحث في القوانين عما يدعم موقفها؟ من الذي يدفع راتبه، مجلس النواب “العراقي” أم مجلس إدارة أكسون موبايل؟

ومن الواضح أن حكومة الإقليم مصممة على فرض سيطرتها على ما تسميه اليوم “مناطق متنازع عليها” بالقوة . فيؤكد وزير الموارد الطبيعية في حكومة إقليم كردستان، الدكتور أشتي هاورامي أن مناطق العقود جزء من كردستان فـ “نحن ندير المنطقة، وفيها انتخابات (للإقليم)، ونحن ندير كل شيء من كردستان…” و يقول أيضاً: “أن ليس له علم بأنها مناطق متنازع عليها… ونحن لا نملك شيئاً في المناطق المتنازع عليها، وأن كل ما وقعناه هو في كردستان”!!. وهذه “الإدارة” تم الإستيلاء عليها بعد عام 2003 بقوات البيشمركة حينما كانت وحدها في الساحة، وليس بإحصاءات أو أنتخابات.
لقد رأينا موقف الإدارة الأمريكية أعلاه من هذا الأمر، وكذلك يرى يوست هلترمان من مجموعة الأزمات العالمية ” أن كردستان تحاول أن تخلق واقعاً على الأرض”!
هذا “الواقع على الأرض” يعني حسب قراءة الأستاذ كامل المهيدي في دراسته التي نشرت مؤخراً بعنوان : “قراءة في عقود أقليم كردستان النفطية- مقارنة مع عقود وزارة النفط”:
“ان الرقع الاستكشافية الممنوحة لشركة اكسون يقع  بعضها في مناطق مختلف عليها. وأن الأراضي المختلف عليها، حسب المصادر الأمريكية، تشمل كل شمال الموصل، وتمتد جنوبا- لتشمل كل محافظة كركوك ومعظم ديالى وصولا  الى محافظة واسط. بمعنى أن المخطط، ان نفذ، فأن مساحة كردستان تكون ضعف ما عليه الآن، وان العراق يخسر حدوده مع تركية ويفقد منفذه التاريخي الى أيران عبر خانقين.”

الفرق بين أرباح الشركات في عقود إقليم كردستان، وعقود الحكومة الاتحادية

ويقول الأستاذ فؤاد الأمير أن عقود حكومة إقليم كردستان هي عقود مشاركة بالإنتاج، وهي بالنتيجة خصخصة النفط العراقي وإعطاء حصة كبيرة للأجنبي، وتمثل ضرراً جسيماً للعراق، لذلك يجب رفضها أصلاً. ويشرح بأن في مثل تلك العقود تكون “للشركات حصة في النفط تعتمد على النسبة المقررة في العقود. أما عقود الحكومة الاتحادية فهي تمثل عقود خدمة فنية، وتتمثل أرباح الشركات بـ”الحافز” الذي يعطى للشركة، وهو اعتيادياً قليل إذ يصل إلى حوالي 2% من أسعار النفط الحالية. ثم يحسب”نسبة العائد الداخلي لعمر المشروع” للشركات بالنسبة لعقود كردستان قد تصل إلى ضعف ما هي في عقود الحكومة، والتي يرى أن نسبة العائد فيها مرتفعة ومغرية بأكثر مما يكفي للشركات، حسب المقاييس العالمية.
ويتفق الأستاذ كامل المهيدي وفق حسابات من زاوية أخرى، فيقول : “واذا تصفحنا هذه العقود نلاحظ ان جميعها من نوع عقود مشاركة الانتاج (PSC)” و”إن الشركة المتعاقدة مع الاقليم تجني ربحا يقدر بأربعة أمثال ما تحققه من حقل مماثل فى الجنوب، بموجب حسابات القيمة الحالية”.
محلل النفط بيتر ويلز ان قد قام بدراسة اقتصادية عن عوائد الشركات الأجنبية من عقود المشاركة بالإنتاج الموقعة من قبل حكومة الإقليم: “إن هكذا عائد للشركات عال جداً مقارنة بالمقاييس السائدة”.
لذا لا مفر من أن يتساءل المرء: “لماذا يجاهد سياسيوا كردستان من أجل إعطاء الشركات أرباحاً أكبر بكثير بعقود مشاركة الإنتاج، وهم يستطيعون توفير تلك الأرباح لبلادهم بمشاركة الحكومة الإتحادية التوقيع على عقود خدمة، خاصة بعد أن برهنت الحكومة الإتحادية أن الشركات لن ترفض مثل تلك العقود إن وضعت أمامها كخيار وحيد؟

ولكي يفهم المواطن العراقي ، والكردي خاصة، عمق المؤامرة على ثروته نشير إلى مثال حقل (طق طق) المكتشف منذ السبعينات في كركوك، والذي قام أشتي هورامي بنقله إلى قوائم الرقع الاستكشافية (أي غير المكتشفة بعد) لتبرير تقديمه للشركة التركية Petoil Petroleum ، كعقد مشاركة بالإنتاج. ويشرح فؤاد الأمير أن “مثل هكذا عقود تكون لرقع استكشافية وليس لحقول معروفة ومحددة، وهو ما أثار استغراباً كبيراً لدى الدوائر النفطية العراقية، فالحقل مكتشف سابقاً وكان قد حفر فيه ثلاث آبار في أواخر السبعينيات من القرن الماضي، وتم تقييمه وتقييم نفطه وتقرر الاستمرار في حينه بالحفر فيه لطبقات أعمق.”!

ثم نأتي إلى قضية سرقة النفط العراقي، الذي هو ثروة مشتركة في كل مناطقه حسب الإتفاق المجحف أساساً الخاص بحصة الـ 17% التي أعطيت بعملية ابتزاز ورشاوي كما يبدو، لـ 12% من السكان، حسب جميع الإحصاءات المتوفرة.
وتتم هذه السرقة بشكلين، الأول هو تهريب النفط الخام من كردستان بدون الإعلان عنه، وبأسعار زهيدة، وقد وصلت فضيحة ذلك التهريب إلى أفغانستان، والثانية بتصديره بعد تصفيته في مصاف غير معلن عنها، “ولقد كان الحديث في السنتين الماضيتين عن أرقام هائلة لعددها والذي تجاوز (100) مصفى!!”

وقدم الأستاذ فؤاد الأمير في دراسته ما بين أن كميات النفط المستلمة من قبل الحكومة الاتحادية من نفط الإقليم ولأغراض التصدير تذبذبت، بلا مبرر فني بين 69 ألف برميل/اليوم معدل شهر شباط 2011
إلى183  ألف برميل/اليوم في أواسط 2011 ، وحتى 9  ألف برميل/اليوم معدل شهر كانون الثاني 2011، فأين يذهب هذا الفرق؟ وكيف استطاعت حكومة الإقليم تزويد الحكومة الاتحادية (183) ألف برميل/اليوم في يوم واحد في  شهر حزيران 2011، ولم تستطع المحافظة على تلك الكمية أو ما يقاربها لاحقاً؟ هل من تفسير له سوى أن تلك الكمية تتذبذب وفق مؤشر المعركة بين الحكومة العراقية وخندق كردستان – العراقية – الشركات؟
أخيراً يحتسب الأستاذ فؤاد الأمير من حساب الفرق بين الإنتاج، وما تستلمه الحكومة الإتحادية “أن التهريب يعادل (79) ألف برميل/اليوم (بضمنها البيع الداخلي في السوق السوداء).”، والتي هي ملك للشعب العراقي كله وليس لكردستان وحدها حسب الإتفاق.

وتأكيداً لكل هذا، قال المالكي في لقاءه مع صحيفة كردية قبل أيام:
” واقول لكم سبق وان عرضت على احد المسؤولين الكرد صورا لصهاريج النفط التي تهرب من حقول نفط خانة (خانقين) وايده بكل قوة واشار الى الجهة التي تهربه، ولما اردنا منعه بارسال فوج لحماية الابار من التهريب كادت تحصل معركة مع قوات جاءت من الاقليم.”(1)
فهو إذاً ليس لصوصية فقط، بل “سطو مسلح”!

قبيل انتهائي من هذه المقالة وردني الخبر التالي،(3) الذي يفيد وفق السيد حسين الشهرستاني نائب رئيس الوزراء العراقي لشؤون الطاقة بأن اكسون موبيل أبلغت بغداد أنها لن تبدأ العمل في امتيازات نفطية في منطقة كردستان قبل موافقة الحكومة المركزية على العقود”. ثم أعلنت وزارة النفط أن شركة اكسون موبيل قد استبعدت من جولة التراخيص الرابعة.(4)

ومن الواضح أن ذلك يعتبر تقدماً في المعركة القائمة لصالح الحكومة، لكننا نلاحظ مرة أخرى أن خطاب الشركة لم يكن حاسماً بإلغاء العقد مع كردستان، وأنها تترك الباب مفتوحا للمزيد من الضغط على الحكومة من خلال حكومة كردستان والعراقية، فهي تتعهد بأن لا تحسم المعركة ، لكنها تتركها مستمرة. كما أن استثناء الشركة من الجولة قد يتم التراجع عنه في أية لحظة مقابل تنازلات جزئية من قبل الشركة، ومازال هناك ثلاثة اسابيع لتجد الشركة طريقاً، أما عن طريق الإقناع أو الضغوط السياسية.

لو عدنا أخيراً بعد كل ذلك إلى سؤالنا ألاساسي: هل الخلاف بين الحكومة العراقية وكردستان، خلاف سياسي – إقتصادي، أم هو موضوع سرقة واضحة بين لصوص كبار وشركات نفطية عملاقة من جهة، ومن يحاول الدفاع عن حق بلاده في عقود نزيهة من الجهة الأخرى؟ فأن الجواب يبدو لي قد صار أسهل وأوضح.

إن مثل هذا السؤال لن يطرح طبعاً على المستوى الحكومي لأسباب سياسية ودبلوماسية، وطالما تم تجنب الأسئلة خوفاً من الأجوبة. لكننا كمواطنين لسنا ملزمين بتشويه الحقائق وفق الضغوط السياسية والدبلوماسية، ويمكننا أن نقرر بأنفسنا طبيعة ما نراه، ونتخذ على اساسه موقفاً واضحاً قدر الإمكان لندفع بالمسؤولين الذين يقررون ثروات أجيالنا القادمة في كل من العراق وكردستان في الإتجاه الذي نراه صحيحاً، وبعيداً عن كل المشاعر القومية والعاطفية.

يرى الاستاذ فؤاد الأمير أنه “..من الضروري جداً إنهاء عقودها مع الحكومة الاتحادية وبأول فرصة، وذلك في حال عدم انصياعها لأوامر الحكومة الاتحادية، بالانسحاب الكامل من العمل في إقليم كردستان. إن قرار الحكومة الاتحادية هذا يجب أن يكون واضحاً وحاداً وعلنياً وسريعاً ولا يحتمل أي تأويل آخر (مثل التجميد أو ما شابه ذلك)، ويعلن للشعب العراقي وللشركات العاملة في العراق.
إن عدم اتخاذ الحكومة الاتحادية لمثل هذا القرار لن يعرضها فقط لأضرار مالية، وإنما الأهم سيقلل من هيبتها واحترام الجماهير لها، وسيؤدي إلى تفكيك العراق، وخلق موضوع الأمر الواقع على الأرض والقبول به بخنوع وذلة، ومضرة كبيرة للعراق ووحدته.”

المشكلة من الجانب العراقي يجب أن ترى على أنها معركة مع الشركات الأمريكية على ثروات البلد النفطية، وليس صراع مع الجانب الكردستاني والعراقية، رغم أنهما وضعا نفسيهما هراوات مجانية في ايدي الشركات، لكن التركيز على تحطيم تلك الهراوات ليس هو الهدف. فمن المحتمل أن يتم التوصل إلى اتفاق مع الشركات، يضر بكردستان دون أن يمنع الشركات من تحقيق معظم أهدافها، كأن يتم التنازل لأكسون موبيل عن المزيد من الأرباح أو بعض الشروط في الجنوب، مقابل تركها العمل في الإقليم، وهذا يجب تجنبه.

الشيء الآخر الذي يجب تجنبه هو رفض الإستماع إلى كل ما يقوله الجانب الكردي، باعتبار أنها أكاذيب تتطلبها المعركة. فهناك اتهامات بتهريب النفط إلى إسرائيل، يجب التحقيق بها. فالتفسير الوحيد المنطقي لدي باضطرار الحكومة إلى دعم حكومة الأردن نفطياً في هذه الظروف، هو أما قرب حكومة الأردن من إسرائيل، أو أن هناك تهريب فعلي للنفط العراقي من خلال الأردن إلى إسرائيل، ولولا ذلك لما حصلت هذه القضية الغريبة على هذا الغموض الغريب والإصرار العجيب من جميع السياسيين بلا استنثناء على تجنب الخوض فيها!
كذلك نريد أن نعرف حقيقة اتهام الحكومة للإقليم بتهريب النفط إلى إسرائيل، وهذا ليس مستغرباً أبداً، عندما نراجع العلاقة الودية غير الطبيعية بين الطرفين، والتي أضطر الساسة الكرد إلى تحاشي الحديث عنها في المدة الأخيرة بسبب ما كلفتهم في الفترة الأولى بعد الإحتلال.

متى ما رأينا بوضوح، كشعبين، عربي وكردي، أن القضية ليست قومية وليست سياسية وليست شخصية، بل قضية لصوصية بحتة، وواجهنا هذه الحقيقة بشكل مباشر فإننا نكون قد وصلنا إلى نصف الحل.
أما النصف الآخر منه فهو أن نتمكن من تجاوز كل تلك الخدع، وأن نعامل اللص الكبير بنفس ما نعامل به اللص الصغير من أحتقار، وأن نطالب الشرطة أن تجرجر الوزير اللص بنفس ما تجرجر به نشالاً في الشوارع من إهانة وإذلال، دون أن نترك لموقعه أو قوميته أو ثرائه أو ملابسه أن تؤثر على حكمنا عليه، إن لم تزدنا احتقاراً له.

لقد طارد الناشطون الغربيون ساستهم الذين خدعوهم مطاردة مهينة في الشوارع، فهذا رامزفلد يخشى أن يذهب لأي مطعم عام، وهذا جورج بوش يلغي زيارة لسويسرا، وجدير بنا أن نتعلم من هؤلاء الناشطين معاملة الساسة المخادعين.
ليس الأمر بحلم بعيد، فهاهي العدوى الجميلة تصل إلينا، فيطارد ناشط مصري اللص بطرس غالي في شوارع لندن ويجعله يتلفت كالفأر هارباً لا يدري إلى أين. فلننظر إلى هذا الفلم (5) ولنتعلم منه كيف نعامل لصوصنا، وعملاء الشركات التي تسعى لنهب ثروتنا، كرداً كانوا أم عرباً، في العراقية أو في الحكومة، فهؤلاء لا ينفع معهم غير ما يستحقه نشالوا الجيوب من احتقار.

(1) http://www.pmo.iq/ArticleShow.aspx?ID=522

(2) دراسة الأستاذ فؤاد الأمير:” الجديد في القضية النفطية العراقية

http://www.yanabeealiraq.com/article/fqa/fqa150412.html

(3) http://www.qanon302.net/news/news.php?action=view&id=15355

(4) http://www.shafaaq.com/sh2/news/economy-news/39759–47———.html

(5) http://www.youtube.com/watch?v=hkvZ9_QX_-k

ملحق: وثائق عن انتاج النفط من كردستان يمكن حساب منها كمية التهريب

 

http://saieb.me/wpa/wp-content/uploads/2012/04/page-001.jpg

http://saieb.me/wpa/wp-content/uploads/2012/04/page-002.jpg

http://saieb.me/wpa/wp-content/uploads/2012/04/page-01.jpg

http://saieb.me/wpa/wp-content/uploads/2012/04/page-02.jpg

http://saieb.me/wpa/wp-content/uploads/2012/04/page-1.jpg

http://saieb.me/wpa/wp-content/uploads/2012/04/page-2.jpg

 

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد