روسيا البيضاء : التمثيل الدبلوماسي العربي، ودور السفارة الإيرانية في التوجيه…!!!

د.خالد ممدوح ألعزي

بعد انهيار الاتحاد السوفيتي في العام 1991 حدث استقلال جماعي للدول التي كانت تنطوي في داخل الاتحاد السوفيتي، وأضحت كل دولة تبني سياسة الخارجية منفردة وتقيم علاقاتها الخاصة وفقا لمصالحها الشخصية التي توفر لها مقاومات اقتصادية وسياسية وأمنية .

في  بداية المرحلة الاستقلالية لم تكن لأي دولة من هذه الدول  المستقلة حديثا تمثيلا دبلوماسيا في أي بلد من دول العالم نظرا للعديد من المشاكل الاقتصادية والدبلوماسية والمالية ،بالإضافة إلى مشكلة أساسية تعود لعدم الخبرة الكافية لهذه الدول ،والتي كانت غائبة عن أجهزة هذه الدول  الجديدة،  لذلك كان التمثيل الدبلوماسي مربوط أصلا بروسيا الفدرالية نتيجة ورثها للاتحاد السوفياتي الدبلوماسية والسياسية والمالية،لقد أقامت كل دول العالم تمثيلها الدبلوماسي مع روسيا التي كانت تدير كل أعمال هذه الدول المستقلة في سفارتها بكل دول العالم ،مما أخر التمثيل الدبلوماسي العالمي في فتح سفارتهالمستقلة في هذه الدول النامية و الجديدة على الخريطة السياسية العالمية، بالرغم من وجودها التاريخي على الخريطة الجغرافية .

لكن الوضع اختلف مع جمهورية روسيا البيضاء التي دخلت في اتحاد سياسي واقتصادي جديد مع روسيا الفدرالية، مما جعل العديد من دول العالم يخفف الاهتمام بتمثيله الدبلوماسي في “مينسك” عاصمة الجمهورية، بالرغم من محاولة مينسك وقيادتها العديدة لفتح سفارات رسمية في دول العالم، بالرغم الحالية الاقتصادية السيئة للدولة ،و عدم الإمكانية المادية التي لا تساعد الدولة على تطوير إستراتجية دبلوماسية  تسمح للدولة بنشر تمثيلها السياسي على خارطة العالم الجديد.يعتبر العالم العربي احد أهدف مينسك المستمرة والتي سعت إليها  دائما لربط علاقات دبلوماسية مع هذه الدول التي لم تتجاوب مع أطروحات بيلاروسيا فالعرب وتحديدا دول مجلس الخليج العربي ومصر لم تلبي دعوات روسيا البيضاء المستمرة لفتح ممثليتها الدبلوماسية في مينسك، بالوقت التي  تلهفت هذه الدعوات دول أخرى عربية وإسلامية،كإيران وتركيا ،وبعض الدول العربية التي سوف نتوقف أمامها في التفصيل،والذي نقصمها إلى قسمين :

1-القسم المستقل الذي يتمثل بالسفارة الفلسطينية.

السفارة الفلسطينية:

فالتمثيل الفلسطيني حاجة ماسة وضرورية لدفاع عن القضية الفلسطينية بنضالها المستمر مع العدو الصهيوني من اجل الوصول بناء الدولة الفلسطينية المستقلة ، فالسفارة التي تم افتتاحها في العام 2000م مارست سياسة مميزة ومنفتحة جيدا على طرح قضيتها في كافة المحافل السياسية والدبلوماسية دون الدخول في أية تحالفات سياسية معينة ،بالرغم من الوجود الفلسطيني الشعبي والاقتصادي والطلابي  القليل ،لكن بفضل حنكة السفير الفلسطيني السابق في العاصمة مينسك  منتصر أبو زيد”ابوجهاد”الذي استطاع إن يجعل من السفارة مكانا سياسيا مميزا في الدولة ليتوصل بدوره ليكون عميد السفراء العرب .

تجربة مهمة للسفير عملية ودراسية مارسها في إدارة السفارة الفلسطينية،والدفاع عن المصالح الفلسطينية الوطنية بالرغم من كل العوائق الذي فرضت عليه وعلى عمله، وخاصة أثناء الانقسام الفلسطيني الداخلي بين غزة ورام لله.

2- القسم الثاني الذي تشرف عليه السفارة ألإيرانية أو كبير السفراء لهذه السفارات العربية، والمتمثلة بالسفارة السورية والليبية والعراقية والقنصلية الفخرية اللبنانية.

السفارة العراقية:

تعتبر السفارة العراقية هي من أقدم السفارات التي تم فتحها في مدينة “مينسك” بقرار شخصي من الراحل صدام حسين في العام ”  ” ،   ولقد تم فنح السفارة لأسباب خاصة بنظام صدام حسين الذي كانت تربطه علاقات جيدة  بالنظام البيلاروسي والذي كان يعتمد عليه في شراء أسلحة روسية تهرب له وكذلك العديد من الوسائل التقنية واللوجستية والخبراء التي كان يحتاجها النظام العراقي المحاصر من قبل أمريكا والغرب. لكن في العام 2003 عندما سقط العراق بيد جيش الاحتلال الأمريكي وتغير النظام،أقفلت السفارة التي كانت ملك العراق وتم بيعها وبيع ممتلكتها وذهب السفير إلى موسكو ليعلن اللجوء السياسية فيها ويعمل في إحدى مراكز أبحاثها. ومع تبدل النظام البعثي المنهار ،ووصل نظام عراقي جديد يكن الولاء والوفاء لإيران جئت الدبلوماسية العراقية مجددا إلى بيلاروسيا لفتح صفارة جديدة في المدينة  بناء علاقات العراق  الدبلوماسية  الجديدة والخاصة ،تم فتح السفارة مجددا بتاريخ  2009 بيد نظام يرتبط سياسيا وفكريا وامنيا مع نظام الملالي في إيران ويتم إدارته من قبل النظام الإيراني .

لتكون هذه السفارة الجديدة نقطة جديدة لتوجهات الخارجية الإيرانية بواسطة كبير السفراءلهذه الدول  في مينسك، فالسفارة  أضحت تقع بشكل كاملة بيد إيران وتوجهاتها السياسية والأمنية الخاصة .

السفارة الليبية:

تعتبر السفارة الليبية التي مازالت موجودة في مينسك من اقوى السفارات العربية والإسلامية نظرا لما تملكه هذه السفارة من إمكانيات مادية كبيرة ،وضعت تحت تصرف جهاز السفارة لتنفيذ مشاريع خاصة بالجماهيرية الليبية وزعيمها العقيد ألقذافي ،من خلال تسليح ليبيا بأحدث الأسلحة الروسية التي يتم شراءها عن طريق دولة روسيا ،وكذلك تدريب قواتها العسكرية في الكليات الحربية البيلاروسية الموروثة عن الجيش السوفيتي السابق،وإرسال الطلبة الليبيين  إلى الجامعات البيلاروسية ،وكذلك بالاستعانة بالخبراء البيلاروس والمدربون العسكريون والخبرات التقنية والفنية والبشرية التي تحتاجها ليبيا من هذه الدولة الغنية بكوادرها الفنيين الذين يعتبرون عملة صعبة للدولة ،لذا أصبحت مينسك تعج بالليبيين الذي أتواإلى بيلاروسيا ضمن بعثات دولة مع عائلاتهم وأطفالهم مما استدعى بالدولة الليبية بفتح أول مدرسة عربية في مينسك لأطفال الكوادر الليبية،وهذا ما سمح بإيجاد فرص عمل كثيرة للعرب المقيمين في روسيا البيضاء مع البعثة الليبية حسب مزاج السفير النظام ،كمترجمين في الكليات الحربية ،ومدرسين في المدرسة الليبية ،وموظفين في سفارة ليبيا، لكن بعد ثورة ليبيا في 17 شباط “فبراير”من هذا العام عملت السفارة على تخفيض ميزانيتها المالية ،وبعدها إرسال الجيش إلى ليبيا ،وصرف المترجمين وأقفلت المدرسة ،وبقى عدد صغير من العائلات الليبية التي رفضت العودة إلى بلادهابسبب الأوضاع الأمنية الخطرة ،مما برروا رفضهم بالعودة بأنهمأرسلواإلى روسيا البيضاء لمتابعة الدراسة من خلال بعثات دراسية مرطبة بجامعات ليبية خاصة وهم لم ينهوا مهمتهم من ناحية والظروف الأمنية التي تعصف بالبلاد لا تسمح اليوم بعودتهم . لكن بعد سقوط باب العزيزية قامت أللجالية الليبية في 24 أب”أغسطس” 2011 برفع علم مجلس الانتقالي بالوقت الذي كانت تخلوا السفارة من السفير والقنصل الذين ارتبطوا مع نظام العقيد ،وجمهورية بيلاروسيا لم تكن قد اعترفت بالمجلس الانتقالي ،لكي يتسلم السفارة الليبية في  مينسك ،فالعلاقة التي تربط النظام الليبي بنظام الثورة الإسلامية التي كانت لها تأثيرا كبيرا على سلوك السياسة الليبية والتي خولت السفير  الإيراني على السفير الليبي،وهذا ما شكل لإيران دعم مادي وسياسي  ودبلوماسي،في مينسك والعالم.ومع انتصار الثورة الليبية وانتهاء حقبة ألقذافي الذهبية بالنسبة لإيران ،تكون السفارة خرجت من قبضة كبير السفراء لتعود إلى حضنها العربي الدفء ،بسبب طي صفحت الماضي وفتح صفحة جديدة دون التأثير الإيراني.

السفارة السورية:

فالسفارة السورية التي تم افتتاحها في العام 2007 في مدينة مينسك لم يكن لها حاجة ضرورية لخدمة الجالية السورية الكبيرة التي تعتبر من اكبر الجاليات الأجنبية في روسيا البيضاء ،فاصل هذه الجالية يعود إلى أيام الدراسة من خلال توافد الطلاب للدراسة ، فالطلاب لم يعودوا لسورية الأسد وبقوا في الجمهورية مع عائلتهم المستحدث من خلال التزاوج العربي الروسي ، فالجالية التي لها معاناتها المختلفة بسبب عدم القدرة للأغلبية من العودة إلى ديار الأهل ،لأنهم أضحوا بالأغلب من المعارضين السياسيين ،بل كان لها دورا بسيط في الخدمات القنصلية ،فالسفارة مكنة مجموعة بعثية صغيرة من الاستفادة ن وجود السفارة الدبلوماسية لتحقيق مكاسب خاصة في الجمهورية ،لكن الهم الأساسي لهذه السفارة كانت مهام أمنية وعسكرية من خلل عقد صفقات تسليح بين الجمهورية أو تمريرها من روسيا ،إضافة إلى عقد صفقات لتامين التقنيات الالكترونية واللوجستية وقطع الغيار لكتائب الأسد ،بالإضافة لاستخدام الطرق الجوية والبرية في عمليات شحن خاصة تعمل بالشحن المثلث المرسل إلى إيران تحت غطاء سوري ،ولتوقيع العقود المالية والمادية المطلوبة من إيران فتكون سورية وبنوكها المتواجدة في سورية أو لبنان لتكون صلة الربط بين هذه الدول وإيران التي تعاني من حصار اقتصادي ومالي خانق،لتكون سورية منافسها ،وبالتالي هناك صفقات سلاح كبيرة عقدتها سورية مع روسيا  بتمويل إيراني ،والتي لم تسلم لها حتى اليوم بالإضافةإلى صفقة صواريخ أس 300 التي كان مفر ضان تسلمها روسيا إلى كل من إيران وسورية عن طريق فتح اعتماد مالي في إحدى البنوك اللبنانية والتي يملك فرعا له في بيلاروسيا ،وبالتالي هذه السفارة لم يكن دورها البعيد عن خدمة السياسة الإيرانية التي يديرها كبير السفراء هذه الدول بالرغم من ممارسة هذه السفارة ممارسة شنعاء بحق الجالية السورية المعارضة لنظام الأسد كباقي سفارات النظام العامة في كافة الدول.

القنصلية الفخرية:

القنصلية الفخرية اللبنانية،هي قنصلية خاصة ولكنها تمارس عملا رسميا ودبلوماسيا ذات التوجهات الخاصة بالإطراف التي ينتمي إليها القنصل الفخري الذي يفرض سياسة الطرف الذي فرضه في هذا المكان بالرغم من ان وثيقة البرتغال التي عقدة في العام 1974 لم تسمح للقنصل الفخري ممارسة اية اعمال قنصلية ودبلوماسية وسياسية ،فالقنصل الفخري تكمن مهمته بإدارة المهام الفخرية من استقبل الضيوف والتوديع لها ،وصرف المال نتيجة الجواز الدبلوماسي والنمر الدبلوماسية التي يتمتع بها القنصل ،لن قنصل لبنان الفخري يمارس العمل السياسي  والإداري بظل الخلاف الذي يسود الجالية اللبنانية في الدولة لتكون القنصلية مكانا مميزا لرابطة أهل البيت التي يعطيها القنصل مكانا دافئ،بالإضافة إلى كون هذه القنصلية مركزا داعما للسياسة الإيرانية التي تتحكم بسياسة العديد من السفارات اللبنانية والقنصلية حسب  انتماء مسئوليها السياسيين ،فالقنصلية اللبنانية هي ليست بعيدة عن تنفيذ سياسة كبير السفراء في دولة بيلاروسيا

فالقنصلية الذي لا يوجد إجماعالا عملها ولا على قنصلها الذي حولها إلى مكان رسمي له ولمساعديه في تنفيذ إعماله الشخصية والاقتصادية التي تشكل له السفارة مكانا وحصنا حصين من خلال الصفة القانونية التي تتمتع بها كافة المراكز الدبلوماسية .

النظام الإيراني يدير هذه السفارات وتساعده هذه السفارات على شراء ما يحتاجه دون أية مضايقة تذكر ، بظل الحصار الدولي الخانق على نظام الثورة الإسلامية،والتي تفرض الحضر على  شراء السلاح والعتاد واستقدم الخبراء والتقنيين ،ومنع شراء أية معدات تكنولوجية ، ودفع أي ميزانية مالية تكون عن طريق شركات هذه الدول التي تخدم نظام الملالي في إيران.

فهذه الدول وفرت لإيران قوة سياسية من خلال الحصول على أصوات هذه الدول في الجمهورية وفرض نفسها بكونها تمثل خمسة أصوات بصوت،إضافة لتسهيل كل حركة المتطلبات الإيرانية المنقولة عن طريق هذه الدول ومن خلال بنوكها وشركها الاقتصادية ،مما ساعد النظام الإيراني على كسر الحصار الاقتصادي الاممي.

ملاحظة :

1- لا تزال السفارة السورية في مينسك دون سفير مقتصرة الإعمال على القائم بالإعمال،إضافة إلى عدم تعين سفير ليبي في الجمهورية منذ سقوط العقيد ألقذافي بمجرد قائم للإعمال يدير الأعمال .

2- من الملفت للنظر بان كميات كبيرة من جرحى الثورة الليبية ضد نظام العقيد يتلقون علاجهم اليوم في مستشفيات جمهورية بيلاروسيا وتحديدا الجرحى الذين أصيبوا في مدينة مصراتة الذين اسقطوا العقيد واعدا موه حيا من كتائب مصراتة ،كتيبة”اسود الوادي”.

باحث إعلامي مختص بشؤون روسيا ودول الكومنولث

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد