كوريا الشمالية استفزاز لتحقيق المكاسب واستعادة زعامة مفقودة

د. خالد ممدوح العزي

من الشرق الاوسط الى شبه الجزيرة الصفراء يتصاعد لهيب التوتر من خلال رفع شعارات استفزازية لدول شمولية لإبقاء انظمتها الدكتاتورية سائدة معتمدة على اجهزة استخباراتية واسلحة تدميرية. فالازمة الكورية تعود الى الواجهة من جديد لتحتل مكانة في وسائل الاعلام العالمية.

كيم جونغ اون ذو الثلاثين ربيعا تربع على عرش كوريا الموروث عن الاسلاف في كانون الثاني من العام 2011، في ظل صراع حاد بين جنرالات المؤسسة العسكرية صاحبة القرار الرئيسي في صناعة ورسم السياسة العامة لكوريا. يحاول الزعيم الشاب تحقيق مكاسب صغيرة بظل الازمات التي تعاني منها بلاده. اتبع سياسة والده القائمة على ان الجيش اولا، وذلك لتبرير استغلال الموارد في بلد يعاني مشاكل اقتصادية صعبة، ليسخر كل الوسائل لخدمة المؤسسة العسكرية وللاستقواء بها. يبلغ عدد الجيش الكوري نحو مليون وثلاثمئة الف جندي ونحو تسمعئة الف عسكري احتياط لبلد يبلغ عدد سكانه الخمسة وعشرين مليوناً تقريباً!

الزعيم الشاب يحاول تثبيت مكانته في بلد يعاني ازمة اقتصادية وغذائية وغيابا للديمقراطية وتسليط العسكرعلى الدولة، هي من الاسباب التي تدفعه الى سلوك طريق المواجهة مع الغرب، فالمواجهة العدوانية الحالية التي يسلكها الفتى تعود الى الضغط الحاد من قبل الجيش على رسم سياسته، مما يساهم برفع مستوى التوترات من خلال اطلاق التصريحات الملتهبة بسبب ضغط الجنرالات والنخب العسكرية في بلاده.

كيم جونغ اون القادم الى الحلبة السياسية منذ العام 2011 يمارس ممارسات استفزازية ضد الوجود الأميركي في كوريا الجنوبية ويعلن بأن لديه صواريخ بعيدة المدى محملة برؤوس نووية تصل الى المدار الأميركي، وأشرف شخصيا على خط الجبهة، بالتلويح باستخدام ترسانته الصاروخية والنووية لتحقيق مكاسب سياسية ومساعدات مالية للضغط على الغرب وأميركا، فالقدرات الصاروخية لكوريا الشمالية تشكل التهديد الاكبر للعالم بالرغم من غياب الكثير من التفاصيل عنها، لكن سياسة الاستفزاز التي يتبعها القائد المغامر لن تساعده بدفع واشنطن والغرب لتقديم المساعدات والتودد والتنازلا ت كما في السابق والرئيس اوباما منذ وصوله الى البيت الابيض عام 2009 اصر على مراقبة المساعدات الغذائية لعدم وصولها للجيش.

فالتهديدات التي يطلقها الفتى المغرور بضرب أميركا بعد تدريبات عسكرية أميركية مع الجارة الجنوبية، ومن ثم مسارعته الى الغاء اتفاقية الهدنة التي اقرت في العام 1953 والتي انهت الحرب في شبه الجزيرة الكورية. بالرغم من المراهنة الأميركية السابقة على سياسة الشاب القادم الى الحكم والاعتقاد بانتهاج سياسة الانفتاح من خلال عقلية جديدة تنقذ كوريا وتأسس الى عقد اتفاقية سلام في المنطقة. لكن الرئيس الشاب انتهج نهجا عدائيا للخارج من اجل تحقيق مكاسب داخلية وللتأثير الكامل على الشعب الكوري الشمالي وكسب ود جيشه الكبير والضخم وللالتفاف حول سياسته من خلال ايجاد عدو خارجي يتهدد كيان بلده محاولا بذلك تثبيت نفسه داخليا خارجيا وانه يستطيع رسم معالم السياسة الخارجية، وهذه هي استراتيجيات الدول الدكتاتورية.

يستفيد كيم جونغ اون من هذا التصعيد والتوتر الملتهب في قلب الجزيرة بتماسك الجبهة الداخلية حوله بالرغم من معاناتها من ازمات كثيرة، ولشد انتباه العالم وأميركا خاصة الى وجوده القوي في هذا المحور، والتي بدأت معالمه تتبلور عند زيارة اوباما اليه وحاول ان يظهر للعالم بانه يحصر دور الولايات المتحدة في منطقة المحيط الهادئ الواعدة بنمو اقتصادي مذهل وخاصة بعد الازمة المالية والاقتصادية العالمية التي عصفت بالعالم وتركت اثارها على الغرب وأميركا واليابان حليف أميركا الاساسي في المنطقة.

وفي ظل الاوضاع السائدة والتغيرات الجذرية التي يعيشها العالم حاليا، يرى العديد من زعماء العالم وتحديدا كوريا الشمالية وصديقتيها ايران وسوريا. يمكنهم اليوم تحقيق مكاسب جيو – سياسية خاصة بهم من خلال التصعيد الاستفزازي ضد الولايات المتحدة الاميركية وبسبب دعمهم اللامحدود من قِبَل خصوم أميركيا روسيا والصين الهادفتين الى تغير القطبية الاحادية العالمية وبناء قطبية متعددة في العالم.

فالسياسة التي ينتهجها الرئيس باراك اوباما في العديد من الملفات العالمية وخاصة مع كوريا وسوريا تشجع دولاً كثيرة على ممارسة عدائيتها حيث تعتبر ان اوباما في مرحلة ضعف. فالرئيس الكوري يحاول اقناع العالم بوجود ازمة في المنطقة تهدد الامن والسلم العالميين ويحاول ان يرسل لأميركا رسالة مفادها بان بلاده تمتلك استراتيجية دفاعية تمتد لعقود في حرب استنزاف مفادها انها قوة عظمى في المحور الاسيوي.

وبظل استمرار مسلسل التصريحات السياسية الاستفزازية التي تمارسها بيونغ يانغ يوميا وبأن الردع النووي يضمن للبلد النصر الاخير، والتي لم تسفر هذه السياسة عن تحقيق اي نتائج ملموسة او حوافز جديدة تعوّم دور وموقع الرئيس من اجل التفاوض بتعليق برنامج بلده النووي دفعت بالصين بانتهاج سياسة تبريد حدة التوتر وتخفيف لهجة الزعيم المتهور المتعطش للحرب، فالقرار الذي صدر عن مجلس الامن بتاريخ 8 اذار 2013 الذي ايدته كل من الصين وروسيا بتشديد العقوبات الاقتصادية على بيونغ يانغ وضع النقاط على الحروف.

الصين ذات الاقتصاد الصاعد في المنطقة والتي تربطها بأميركا علاقات اقتصادية ومالية كبيرة جدا لا تريد زعزعة الامن والاستقرار في منطقة تتصارع مع أميركا لتولي القيادة فيها.

الصين ومسؤوليتها في لجم صديقها المتهور في المحور:

ترجح وسائل الاعلام الصينية من خلال الترويج لفكرة أن كورية الشمالية تود العودة الى طاولة المفاوضات السداسية حول نزع برنامجها النووي، فالزعيم الكوري ابلغ الرئيس الصيني تشي جينبنج بعرض من خلال رسالة سلمها مبعوثه الشخصي عضو المكتب السياسي للحزب والمسؤول عن لجنة الشؤون العسكرية الجنرال فان تشونغ لي، فالرسالة تهدف الى ابرام معاهدة سلام رسمية مع كوريا الجنوبية من اجل تعزيز السلام والاستقرار في شبه الجزيرة الكورية بدلا من الهدنة الموقعة منذ نهاية الحرب الكورية. فالزيارة اتت سريعة للمسؤول الكوري الى الصين بعد الصعوبة في العلاقات الكورية الصينية ولتخفيف اللهجة الصينية تجاه سياسة كوريا التي ازعجت الصين، فالصين تعتبر الممول الرئيسي لكوريا الشمالية والحاضنة لها سياسيا ودبلوماسيا.

الصين تنتهج سياسة دبلوماسية هادفة الى حل النزاعات واضفاء جو من الثقة لتحقيق هدف نزع الاسلحة النووية ولحماية السلم، وبناء لخطورة سياسة التهور الذي يمارسها زعيم الامة الكورية الشمالية جعلت الصين تتدخل مباشرة للضغط على بيونغ يانغ لسحب فتيل الازمة المتصاعدة من خلال اللقاء بالمسؤول الكوري الذي يمهد لزيارة قريبة للفتى المحارب. وعلى الصعيد الاخر وجهت الصين دعوة للرئيسة الكورية الجنوبية لزيارة الصين اواخر حزيران القادم،من اجل البحث الجدي للتوصل الى اتفاق هدنة بين البلدين وانهاء التوتر في منطقة خط العرض 38.

فالرئيسة الكورية التي تصر على ان التواصل مع بكين هدفه الاساسي ايجاد حل سلمي لكوريا الشمالية لانها ترى بان الامن والسلام في المنطقة يغيران حياة المواطنين وخاصة في البلدين وبالرغم من التهديدات التي تطلقها بيونغ يانغ باستمرار، وتعتبر بارك غسون هاي اول رئيسة لكوريا الجنوبية 60 عاما والتي تسكن البيت الازرق عن حزب سنيوري الحاكم في كوريا الجنوبية وهي ابنة الزعيم “الدكتاتور “الذي حكم بلده وانتشلها من رماد الحرب الكورية والذي حولها الى قوة اقتصادية عملاقة مقابل الشمال الذي يرزح اهله وجيشه تحت خط الفقر والعوز وحكم شمولي دكتاتوري.

كوريا الشمالية دعت جارتها كوريا الجنوبية للتوقيع على اتفاق هدنة يحل محل اتفاق الهدنة السابق والعودة الى فتح مجمع “كايسونج” الصناعي المغلق منذ نيسان 2013 بعد التصعيد الشمالي، فالمجمع الصناعي فتح لمساعدة كوريا الشمالية ماليا ويعمل فيه 53 الف عامل شمالي في 123 شركة كورية جنوبية.

كوريا الشمالية تبدي استعدادها لقبول مقترحات بكين الهادفة الى بدء الحوار السياسي مع الدول المجاورة لتحقيق الاستقرار في شبه الجزيرة،اضافة الى العودة لاحياء الحوار مع الدول الكبرى اي السداسية من اجل اخلاء الجزيرة من سلاح القتل الجماعي، فهل تكون مؤشرات بيونغ يانغ ايجابية ومضمونة لحل المشكلات العالقة والعمل مع كل الاطراف؟ ام تمارس سياسة تقطيع الوقت كما تفعل الجمهورية الاسلامية الايرانية لتنفيذ مشروعها. لايزال السلام غير مضمون بالرغم من عودة البرنامج النووي للواجهة مجددا، وبظل تشدد أميركي وعدم رضوخ للتصعيد الكوري الاستفزازي مما دفع أميركا الى تعزيز وضع حلفائها في المحور”اليابان كوريا الجنوبية والفليبين ” واصرارها التام الدفاع عنهم وعن قواعدها العسكرية التي تهدد، مما دفع واشنطن بالرغم من الليونة التي تبديها هي وحلفاؤها مع كوريا الشمالية لدفعها بالجلوس على طاولة المفاوضات والتخلي عن برنامجها التدميري بتعيين قائد جديد لقواتها في كوريا الجنوبية وهي الادميرال ليزا فرانشيتي نائب وزير البحرية الأميركية والتي تكون لاول مرة في تاريخ أميركا قائدة محور امرأة. الا ان الرئيس اوباما سينجح بفرض استراتيجيته في المحور الاسيوي وستتمكن ادارة اوباما من اقناع الكونغرس بطلب المزيد من الدعم المالي لاعادة الترسانة العسكرية في شبه الجزيرة. فالصلح المؤقت في الجزيرة يصب في مصلحة الولايات المتحدة الأميركية الذي سيحقق لها إضعاف كوريا.

فالسؤال الذي يُطرح هل تتمسك بيونغ يانغ بترسانتها العسكرية لتحقيق مكاسب سياسية وتنازلات مالية بظل الدبلوماسية الصينية الهادفة لعقلنة كوريا ومع لهجة أميركا غير القابلة للتنازل.

لكن الذي يتفق عليه المحللون السياسيون والمختصون بشوؤن البحر الاصفر ان كوريا الشمالية تطلق نوعا جديدا من الحروب هي حرب الاستنزاف والحروب المحدودة والحرب الاعلامية.

حرب الاستنزاف تستند الى ممارسة ما يعرف في حقل نظريات العلوم السياسية الدولية بنظرية المباريات او استراتيجية اللعب في العلاقات الدولية، فهناك خليط في مفاهيم الصراع والتصعيد الدائر في العالم وتحديدا في شبه الجزيرة الكورية وسوريا وايران من خلال مفهوم القوة التي يتصدرها القوميون الجدد في تلك الدول والمدعومة من التعنت والمراوغة الروسية في محاولة لاعادة سيطرتها الدولية.

كاتب صحافي وباحث مختص بالاعلام السياسي والدعاية

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد