المالكي وأزماته إلى أين؟

د. عماد الدين الجبوري

ما أن عاد رئيس حكومة الاحتلال الخامسة نوري المالكي من زيارته إلى واشنطن حتى ضرب عصفورين بحجر، ليصدع العملية السياسية السقيمة بشرخ يزيد من إعتلالها وإضطرابها. فقد وجه إتهامه إلى ما يسمى بنائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي وفق المادة الشهيرة “4 إرهاب”؛ ثم أصدر مذكرة إعتقال عبر القُضاة الخمس المسيسين بأوامره. وكذلك أتجه بعزل نائبه صالح المطلق، طالباً من مجلس النواب سحب الثقة منه، لتتمكن وزارة الداخلية من مسائلته، لأن الأخير أتهمه بالمستبد.
أن ردة الفعل تتشعب سريعاً بين شخوص الاحتلال بحسب فئاتهم وتكتلاتهم، وأن هروب الهاشمي إلى شمال العراق محتمياً بمسعود البارزاني، لها أبعاد أخرى. خصوصاً وأن البارزاني قد صرح قائلاً: “أن الوضع يذهب الآن إلى أزمة حقيقية وخطيرة، وأن الشراكة الحكومية الآن مهددة بالإنهيار”. وفي مؤتمره الصحفي الذي عقده هذا اليوم الأربعاء المصادف 21-12-2011 دعى المالكي كردستان لتسليم الهاشمي للقضاء، وهدد باستبدال وزراء إئتلاف العراقية، وتشكيل حكومة أغلبية سياسية.
ورغم كثرة تلاطم التصريحات والتعليقات، لكننا نود هنا أن نسبر سببية المالكي في هذه الأزمة الكبيرة والجديدة التي أستغرب لها العديد من السياسيين والإعلاميين شرقاً وغرباً. فهل فعلاً يروم إلى تطبيق القانون؟ وهل حقاً لا يساوم على دماء العراقيين؟ أصادقٌ هو بتقديم إستقالته إن لم تُسحب الثقة من صالح المطلق؟ أجادً هو بعدم تراجعه قط؟ 
وفق تصوراتنا عن السنوات الست الماضية لرئاسة المالكي لمجلس الوزراء، فأن أقواله تناقض أفعاله حيال الوطن والمواطنة وما يتعلق بالحرية والمساواة والعدل الخ. ونسرد هنا غيض من فيض:
أولاً: في مطلع عام 2008 قال المالكي أن هذه السنة ستكون سنة محاربة الفساد. وبعد ثلاث سنوات هل تقلص الفساد أم أزداد؟ لو كانت محاكمة وزير التجارة عبد الفلاح السوداني نزية، لقلنا أن المنظمات الدولية التي وضعت العراق في أسفل الدول الضالعة بالفساد المالي وإالإداري، بأنها تبالغ كثيراً. غير أن السوداني الذي سرق مليارين دولار، مسكوه في مطار بغداد قبل هروبه، قد تمت تبرئته وأسقطت محكمة التمييز بتاريخ 2-9-2009 جميع التهم التي وجهتها له لجنة النزاهة في مجلس الشعب. فالسوداني من حزب الدعوة الإسلامي ومقرب من رئيسه الحاج نوري المالكي.
ثانياً: في 23-8-2003 صدرت مذكرة إعتقال بحق مقتدى الصدر مع 13 من أتباعه بتهمة جريمة قتل عبد المجيد الخوئي والكليدار والياسري في صحن الإمام علي بن أبي طالب بتاريخ 10-4-2003. فلو طبق المالكي هذه المذكرة القضائية التي أصبحت ورقتها بالية لا ترى النور، لقلنا يحق له أن يستمر بهذا النهج التشددي من أجل العدالة في الحياة الاجتماعية. لكنه تحالف مع الصدر لكسب المنصب والبقاء في السلطة على حساب دماء العراقيين.
ثالثاً: في 2-8-2010 قامت مجموعة مسلحة بسرقة مصرف الرافدين بالزوية بمنطقة الكرادة في بغداد، بعد أن قتلت الحرس وفجرت الخزينة. وبعد التحقيق تبين أن الفاعلين هم من فوج الرئاسة، وتحديداً هم النقيب جعفر التميمي مع ملازم وجندي تابعين لحماية ما يسمى نائب رئيس الجمهورية عادل عبد المهدي. فلو طالب المالكي إستدعاء المهدي قضائياَ، وحاكم الذين سرقوا وقتلوا موظفين أبرياء، لقلنا أن المالكي له مواقف عادلة. لكن التحقيق أشار إلى المجرمين بأن عملهم شخصي حيث أستغلوا موقعهم ووجودهم في المنطقة. ومن ثم تم تهريب المجموعة المرتبطة بالمجلس الإسلامي الأعلى إلى إيران.
وعليه فأن الأزمة التي خلقها المالكي لا تتعلق بتطبيق القانون أو الدفاع عن حقوق الأبرياء المقتولين. بل تتصل  بالمخطط الصفوي الذي وصل إلى مرحلة متقدمة من التنفيذ. فعندما قال الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد: أن  إيران مستعدة لملء الفراغ بعد الإنسحاب الأمريكي. فأنه قد علِم تماماً أن القوات الأمريكية سوف لن تنجح بفرض الحل العسكري جراء المقاومة العراقية الضارية والباسلة. إلا أنه عمل وما زال النظام الإيراني يعمل على المد الأخطبوطي المتشعب داخل المجتمع العراقي سواء بالميليشيات المسلحة التي تم دمجها بقوات الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية، أو عبر الجمعيات والشركات والمؤسسات تحت عناوين متنوعة: دينية، خيرية، سياحية، مالية، إستثمارية، عقارية الخ. ظناً منهم أن هكذا تغلغل يتجذر رويداً رويدا هو الطريق الأسلم لإحتلالٍ غير مُعلن.
ونكاد نجزم أن التفكير الصفوي الإيراني لا يريد أن يظهر للعراقيين وللعالم بمظهر المحتل العلني، لأن ما فشلت في تحقيقه أقوى دولة بالعالم، لا يمكن أن تنجح فيه حكومة إيران الصفوية. ولذا فأن تحرك المالكي الفجائي والسريع تجاه التصفية السياسية لقادة القائمة العراقية هي عملية مدروسة مسبقاً وفق المخطط الصفوي الإيراني. إذ أن مزيداً من الفوضى والإضطراب يبقي العراق ضعيفاً واهناً، وبالتالي يكون الوضع برمته لصالح إيران بشكل أكفأ وأفضل أقليمياً ودولياً.
ولكن ما ينفذه المالكي من أزمات سياسية حادة ضمن المخطط الإيراني الذي هو مشروع صفوي يمتد إلى مناطق عربية أخرى، فأن المقاومة العراقية التي إلحقت الهزيمة بالقوات الأمريكية، فأنها ماضية أيضاً في مشروعها الجهادي بعملية التحرير. وأن سنوات التسع من مجابهة الاحتلالين الأمريكي والإيراني قد ساهمت بتقوية العزيمة وشحذ الهمة للإرادة العربية التي إنطلقت في ربيعها التاريخي. وهذا يعني أن المستقبل يسير أكثر لصالح المقاومة العراقية التي ستنهي هذا المشروع السياسي العقيم الذي يقود العراق وشعبه نحو هاوية سحيقة وظلمات دامسة ودهاليز مجهولة.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد