قانون جرائم المعلوماتية.. قانون تكميم الأفواه في العراق

فواد الكنجي

يسعى (البرلمان العراقي) إقرار مشروع قانون (جرائم المعلوماتية) الذي كتب واعد وبات جاهزا بانتظار التصويت عليه؛ علما بان هذا القانون اعد سابقا وسعى البرلمان منذ سنوات إلى إقراره ولكن في كل مرحلة يشهد القانون حملات كبيرة مناهضة له؛ خاصة من قبل أوساط الصحفيين.. والمدونين.. والحقوقيين.. والمدافعين عن حرية الرأي والتعبير؛ باعتبار تشريعه لا يخدم إلا السياسيين والمتنفذين في قرار السلطة بدولة (العراق)؛ بكونه سيكون أداة لحمايتهم من (النقد)، لان قانون (جرائم المعلوماتية العراقي) اعد بما يخدم المسئولين (العراقيين)؛ بكون القانون سيستخدم من قبلهم – أولا وأخيرا– في اتخاذ إجراءات قانونية ضد كل من يوجه لهم (نقد أو اتهم بالفساد)؛ سواء من الصحفيين أو الناشطين الذين ينشرون مقالات ينتقدون تصرفات الغير المسئولة لبعض من مسئولين في إدارة دولة (العراق) .
ففي تموز من عام 2011 قدم هذا القانون إلى (البرلمان العراق) اثر تظاهرات 25 شباط عام 2011 كرد فعل على تلك التظاهرات؛ وجرى مناقشة فقرات القانون؛ وحدث جدل واختلاف بشأنه – آنذاك – وخاصة من قبل منظمات المجتمع المدني؛ بما يترتب عن هذا القانون من تداعيات خطيرة على الحياة الديمقراطية وقيمها في (العراق)؛ لأنها تفتح أبوابا واسعة لعهد جديد من القمع.. وتكميم الأفواه، لان بعض من مواد وفقرات هذا القانون تتضمن سجن وغرامات مالية كبيرة؛ إذ تصل عقوبات السجن فيه إلى حد المؤبد؛ والقانون المؤلف من (ثلاثين مادة) تقريبا وان أكثر من عشرين مادة فيه هي مواد عقابية؛ نصت على السجن أو الغرامة أو كليهما معا؛ إذ تصل الغرامات إلى مائة مليون دينار أو أكثر؛ بينما تصل عقوبات السجن إلى ثلاثين عام أو المؤبد؛ كما إن بعض نصوص (القانون) اعتبرت اغلب (المدونات الالكترونية) تهديدا خطيرا للأمن القومي لدولة (العراق)، في وقت الذي أعطى القانون للسلطات الدولة فسحة التأويل من خلال وجود مصلحات ومفاهيم فضفاضة وقابلة لتأويل؛ وبما لا يتم التفريق بين (الاختلاف) و(الخلاف) وبين النقد والشتم للأفراد أو المؤسسات، لان القانون كمشروح مطروح لإقراره يعالج القضايا التي ترتبط بالإنترنت.. والهاتف المحمول.. وكل القضايا الإلكترونية التي لها علاقة بمواقع التواصل الاجتماعي أو ترتبط بها، ولم يستطع (البرلمان العراقي) إقراره فتم تأجيله؛ علما بان هذا القانون (قانون جرائم المعلوماتية العراقي أو الجرائم الالكترونية) فشل إمراره ولعدة مرات، فبعد إن فشل إمراره عام 2011 ؛ عادت النقاشات حوله عام 2015 بعد حركة احتجاجية واسعة التي عمت كل مدن (العراق) وخاصة الجنوبية، ثم طرح مرة أخرى عام 2018 بعد سلسلة من الاحتجاجات والتظاهرات التي اجتاحت مدن (العراق)، ويربط حقوقيون ومدونون في الآونة الأخيرة بين محاولات تمريره في البرلمان (مجددا) قد جاء بعد الانتفاضة (التشريين) في (تشرين الأول) 2019، لذلك نجد بعد أي حركة احتجاجية في البلاد يعاد إحياء القانون؛ وهذا ما حدث في أكثر من مناسبة؛ لان أغلب تظاهرات التي خرجت في (العراق) تأتي منددة بما يستشري في البلاد من فساد.. وسوء الإدارة.. وسوء الخدمات المقدمة للمواطنين.. وارتفاع نسبة البطالة بين صفوف الشباب.. وارتفاع الأسعار؛ ولهذا فان تشريع القانون ينطلق بالأساس في رغبة بعض الساسة وأحزاب السلطة المسيطرة على (العراق) في تقيد حق الوصول للمعلومة ونشرها؛ وخاصة ما يتعلق بقضايا الفساد والاختلاس وغيرها، لذلك تسعى هذه الكتل السياسية إلى إمرار القانون؛ لان أمره يتعلق بمحاولاتهم التخلص من معارضيهم الذين يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي كسلاح وحيد في مواجهة القوى السياسية، لذلك يعتبر تشريع هذا القانون ضربة قاصمة للحريات في (العراق) بصورة عامة؛ وانتهاك لمبادئ الدستور والقيم الديمقراطية؛ باعتبار إن جميع مواد التي أعدت وأقرت في نص القانون قانون (جرائم المعلوماتية العراقي) ما هي إلا صورة موجهٌ :
أولا.. لتكميم أفواه للصحافة والإعلام.
وثانيا.. لقمع إي نشاط أو تحركات للمعارضين السلطة.
وهذه المؤشرات هي إشارة واضحة لرفع السلطة العصا الغليظة بوجه المعارضين؛ ولكن بشكل مقنن، في وقت الذي لو عدنا إلى نص (الدستور العراقي) فإننا نقرا وتحديدا في المادة (38) و(40) بان (دولة العراق) تكفل حرية التعبير عن الرأي.. والصحافة.. والاجتماع.. والاحتجاج السلمي؛ حيث نصت المادة (38) بان ((تكفل الدولة وبما لا يخل بالنظام العام والآداب.. ما يلي:
أولا : حرية التعبير عن الرأي بكل الوسائل.
ثانيا : حرية الصحافة والطباعة والإعلان والإعلام والنشر.
ثالثا : حرية الاجتماع والتظاهر السلمي وتنظم بقانون. )) .
بينما نصت المادة (40) على ((حرية الاتصالات والمراسلات البريدية.. والبرقية.. والهاتفية.. والالكترونية.. وغيرها وهي مكفولة؛ ولا يجوز مراقبتها أو التصنت عليها؛ أو الكشف عنها؛ إلا لضرورة قانونية وأمنية وبقرار قضائي…)) .
ولكن للأسف فإن (البرلمان العراقي) ورغم تحذير منظمات المجتمع المدني من أخطار هكذا قوانين على حرية التعبير والحياة الديمقراطية وقيمها لأنها تفتح أبوابا واسعة لعهد جديد من القمع وتكميم الأفواه – كما قلنا سابقا – ومع كل هذه الاعتراضات والاحتجاجات على نص قانون (جرائم المعلوماتية العراقي) واصل (البرلمان العراقي) في الآونة الأخيرة؛ القراءة الأولى لمشروع (قانون جرائم المعلوماتية)، الذي يشكل خطرا حقيقيا يهدد حرية التعبير عن الرأي في الكثير من مواده ومضامينه، فهو يتعارض ليس مع فقرات (الدستور العراقي) بل مع العديد من المواثيق والعهود الدولة؛ كـ(الإعلان العالمي لحقوق الإنسان) و(العهد الدولي للحقوق الثقافية والسياسية)، لذلك يبدو أن قانون (جرائم المعلوماتية) المقدم إلى (البرلمان العراق) لإقراره، ينتهك أحكام كل من:
أولا .. العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
ثانيا .. الميثاق العربي لحقوق الإنسان.
وثالثا .. الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
ورابعا.. نص الدستور العراقي.
وهي المواثيق التي تحمي الحريات العامة ومنها حرية التعبير.. وحرية الرأي.. والصحافة.. والإعلام.. وحرية التجمع.. والاحتجاجات.. والتظاهرات.. وتكوين الجمعيات، كما يفرض (القانون الدولي) واجبا على كل دول العالم الحر باحترام حقوق المواطنين في التظاهر السلمي؛ بما في ذلك التظاهر ضد حكوماتهم، وكذلك يقر (العهد الدولي) الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بشكل محدد بالحق في التجمع السلمي .
وعلى هذا النحو يجب على أحزاب وساسة دولة (العراق) أن يكفلوا حق في حرية التعبير وحرية الرأي؛ ولكن قانون (جرائم المعلوماتية) المقترح (لا) تتفق بنوده مع أي من المعايير الدولية؛ والتي يجب أن يكون لها ما يبررها بأن تسير وفقها القيود على حرية التعبير والرأي؛ آي تصبح متفقة مع القوانين الدولية؛ وان أي (قيد) يقرر؛ يجب إن يحدد تحديدا واضحا من قبل (القانون)؛ بمعنى أن (القيد) يجب أن يكون منصوصا عليه في (القانون) وأن تكون (هذه القيود) من أجل هدف (قانوني واضح) وكما هو مبين في (العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية)، شرط إن يتم الحفاظ على (جوهر الحرية) .
وهنا نعطي نموذجا للقيد – على سبيل المثال وليس الحصر – يحظر قانون (جرائم المعلوماتية) المقترح.. ويعاقب بقسوة تداول التعبيرات التي من شأنها المساس باستقلال البلاد ووحدتها وسلامتها أو مصالحها الاقتصادية أو السياسية أو العسكرية أو الأمنية العليا أو تلك التي تعتدي على أي من القيم والمبادئ الدينية أو الأخلاقية أو الأسرية أو الاجتماعية، ولكي يكون (قيد ما) منصوصا عليه في القانون؛ وفقا لهذا الفهم وهذا المفهوم في إطار (القانون الدولي)؛ يجب أن يتفق مع المعايير العامة لإجراءات التقاضي السليمة؛ بمعنى أنه يجب أن يصاغ بدقة كل ما هو منصوص بـ(الممنوع) ليتطلع أفراد المجتمع على هذه (الممنوعات) وليضبط (الفرد) سلوكه وتصرفاته وفقا لأحكام هذه (الممنوعات)، وأن (لا) يمنح المكلفين بتنفيذه حرية التصرف المطلقة على تقييد حرية الأفراد دون سابق إنذار.
علما بان (العراق) لديه التزامات دولية ومواثيق وعهود دولية تلزم البلاد بحماية حرية التعبير، وهذا القانون يتناقض معها بالمطلق، ولهذا فإننا نجد في النص المقترح من أحكام قانون (جرائم المعلوماتية) على العديد من التصنيفات المثيرة للجدل وفضفاضة التعبير وبشكل مفرط؛ وهذا ما يخلق ارتباكا داخل النص؛ لان (النص) يكون قابلا لتأويل وحسب الأمزجة؛ وهذا الأمر في القوانين مرفوض شكلا وتفصيلا، لان كل (كلمة) قابلة لتأويل يجب إن تحدد بالمعنى الأساسي المراد منه؛ ودون ذلك فإننا نترك الأمور تسير بشكل فوضوي مرفوض، بل إننا نجد بعض من نصوص القانون فيها نوع الضبابية والمطاطية؛ حيث هناك عبارات عدة وردت فيه من دون تعريف أو تفسير و – على سبيل المثال وليس الحصر – ورد نص (كل ما يعارض الإخلال بالآداب العامة والأمن العام)؛ وهذا العبارة (لم تحدد) ما هي (الأفعال) التي تخل بـ(الآداب العامة) و(الأمن العام) مما يجعلها خاضعة للأمزجة السياسية وقابلة للتأويل بما يتلاءم مع رؤاهم؛ فضلا عن ورود مفردات أخرى تتعلق بـ(الآداب العامة) والإساءة إلى سمعة البلاد وغيرها من المفردات؛ لذلك فان الكثير من الحقوقيين والصحفيين أشاروا إلى هذا الالتباس لأنه – لحد إعداد هذا المقال – لا يوجد تفسير قانوني لتلك العبارة ويبدو أن تلك هي الغاية الأساسية لكي يستطيع (الأخر) تأويل ما يمكن تأويله وفق مزاج خاص .
وحينما نتأمل نصوص قانون (جرائم المعلوماتية) سنجد بأن الهدف من وراء تشريع هذا القانون هو ضبط بعض تصرفات الغير الأخلاقية؛ لذلك يحاول القانون (شكلا) وليس في (الجوهر) تعريف جريمة (ما) مقدما، لان هناك حقا بعض نصوص المتعلقة بخطاب الكراهية.. والتضليل.. والابتزاز، والتي يمكن لنا إن ندخلها ضمن (الجرائم الالكترونية) وإصدار مثل هكذا قوانين جيد ومعمول بنصوصه في العديد من دول العالم، التي تضع قوانين لمعالجة الجرائم الإلكترونية، لأننا اليوم نجد معظم دول العالم أضافت تعديلات على قوانينها أو وضعت قوانين جديدة وفق ما جرى من تطورات تكنولوجية معاصرة، لمعالجة الجرائم المرتبطة بهذا الأمر؛ ولكن يبدوا بان هذا القانون في (العراق) يأخذ من هذه الفقرات ذريعة لإقرار قانون (الجرائم الإلكترونية) في (تقييد الحريات) وهي الغاية الأساسية من إقراره – إذ ما تم إقراره – لان بإقراره يعطي المسئولين الحكوميين حرية تصرف مطلقة لإصدار أحكام بأثر رجعي حول معاقبة إي نشاط إلكتروني لا يروق لهم؛ لان الغاية الرئيسة لإقرار هذا القانون لا ترتبط بالجرائم الإلكترونية من ابتزاز وخطابات كراهية وتضليل، بقدر تعلقها برغبات سياسية تحاول تقويض حرية التعبير، خصوصا بعد (الانتفاضة التشرينية) الأخيرة، وإذ ما اقر القانون فان كل المؤشرات على ارض الواقع في (العراق) توحي بان سيزج بالمئات المواطنين – في أقل تقدير– في السجون على خلفية قضايا تتعلق بحرية التعبير عن الرأي، و ربما يكون هذا القانون أداة سلطوية لقمع الحريات وليس لمواجهة (الجرائم الإلكترونية) لان الغاية الرئيسة من إعادة المشروع إلى الواجهة مجدد وفي هذه المرحلة تحديدا هي إسكات المعارضين للنظام السياسي في (العراق) .
وقانون ( الجرائم المعلوماتية اوالجريمة الالكترونية) يقصد بالمصطلح الجريمة التي تنفذ باستخدام الشبكات الالكترونية من الموبايل.. واللابتوب.. والحاسوب.. والأجهزة الالكترونية التقنية الأخرى؛ بكون هناك بعض من ضعاف النفوس لديهم مؤهلات وإمكانيات تقنية في عالم الالكترونيات؛ ولكن للأسف؛ يستخدمونها بأساليب غير أخلاقية؛ وذلك بالدخول إلى شبكات الانترنيت خلسة ليرتكبوا جرائم الاحتيال.. والقرصنة.. ولتنصت لأخذ المعلومات.. أو من اجل تخريب وتعطيل للأجهزة الالكترونية.. وترويج للاتجار بالمخدرات والأفلام الإباحية وغيرها.. وكل هذه الأفعال ترتكب من دون إن يكون هناك أي ردع أو قانون يخول جهات ذات صلة بعالم الالكترونيات للقبض عليهم والكشف عن جرائمهم، وهؤلاء المنحرفون يستخدمون الشبكة الالكترونية وفق أسلوب وهوية المستخدم والجاني ومستوى التنفيذ واختلاف الهدف المراد تحقيقه، ونظرا لتقنيات الحديثة في عالم الانترنيت وغياب الضمير وتهور وطيش بعض من ضعاف النفوس وعدم التحكم بالأخلاق والضمير لانحطاط قيمهم الأخلاقية وتراجع مستوى ضبط الذات والضمير عند بعض الأفراد وخاصة من المراهقين وبعض من فئة الشباب الساقط أخلاقيا وانعدام الرقابة الأسرية والبطالة والطمع والجشع والعولمة؛ وكل هذه الأمور شجعت المنحرفين لتحقيق مأرب دنيئة؛ ليقينهم بعدم وجود جهة تحاسبهم؛ أو لقلة الإجراءات القانونية في الكشف عن هوية الفاعل؛ إضافة إلى ذلك وباتساع نطاق العولمة وتراجع القيم وغياب الضمير يودي إلى انخراط الكثير من ضعاف النفوس في هذه الأفعال الغير الأخلاقية؛ من التصنت.. وسرقة المعلومات.. وانتهاك الخصوصية.. وقرصنة البرمجيات والبيانات.. وإفشاء الإسرار.. والتشهير.. والتجسس والسرقة العلمية.. والدخول الغير القانوني لمواقع الأخريين.. والابتزاز الالكتروني.. وسرقة الأرقام والمتاجرة بها والمطاردة والملاحقة، ونظرا لتزايد مرتكبي هذه الأفعال والتي عدت من أفعال (الجريمة الالكترونية) يحاسب عليها القانون وفق ضوابط تحدد كل مخالفة من مخالفات هذه الجريمة أي (الجريمة الالكترونية أو الجريمة المعلوماتية) بشكل واضح.. ودون وضع قانون فضفاض قابل لتأويل أو لتفسير يخرج من أيطار الذي رسم فيه القانون ( قانون الجريمة المعلوماتية)، وذلك لغرض تحصين وحماية المستخدم أو المستخدمين للأجهزة الالكترونية، ولهذا وجدت الدول من الضروري مراجعة القوانين والأنظمة والتعليمات لحد من الظواهر الغير الأخلاقية في المجتمع لحجم المخاطر والأضرار والخسائر التي يمكن أن تنجم عنها؛ لاسيما أن هذه الجرائم تتميز بأنها من جرائم الذكية تنشأ وتحدث في بيئة إلكترونية أو بمعنى أدق في بيئة (رقمية)؛ يقترفها أشخاص يتمتعون بنسبة عالية من الذكاء ويمتلكون أدوات وأساليب تقنية ليس لها حدود – كما ذكرنا سابقا – ومن هذا المنطلق وجدت (الحكومة العراقية) ضرورة لتنظيم استخدام شبكات المعلومات وأجهزة الحاسوب.. والموبايل.. والأجهزة.. والأنظمة الإليكترونية الأخرى؛ من اجل توفير الحماية القانونية لمستخدمي هذه الأجهزة ومعاقبة مرتكبي هذه الأفعال التي تشكل اعتداءا على حقوق مستخدميها، لذلك قامت الجهات الرقابية في (الحكومة العراقية) بكتابة مسودة القانون سمى (قانون الجرائم المعلوماتية) ليوفر القانون عقوبات على استخدام أجهزة الحاسوب بالأنشطة الممنوعة، مثل الاحتيال المالي.. والاختلاس.. والتحريض على الفسق والفجور.. أو أية برامج أو معلومات أو صور أو أفلام مخلة بالحياء أو الآداب العامة أو دعا أو روج لها؛ أو لمعاقبة أي آراء تشكل تهديدا لمصلحة الدولة الأمنية.. أو النظام العام.. أو الإساءة إلى سمعة البلاد.. أو إساءة دينية.. أو لإثارة النعرات المذهبية أو الاجتماعية.. أو نشر أو إذاعة وقائع كاذبة ومضللة بقصد إضعاف الثقة بالنظام المالي الإليكتروني أو الأوراق التجارية والمالية الإليكترونية أو كل ما يأتي في حكمها.. أو الإضرار بالاقتصاد الوطني.. وغيرها من هذه المحظورات التي هي مقبولة عند الجميع ولا اعتراض، (ولكن) يفضل إن تدرج هذه الممنوعات ضمن قوانين (تعدل نصوص العقوبات) كما وردت في قوانين (الدستور العراقي)؛ من دون الحاجة إلى تشرع قانون خاص بهذه الأفعال من أفعال اعتبرت فعلها (جريمة الالكترونية) ليصوت في (البرلمان العراقي) ليكون القانون خاصا بذلك ونافذا، لان هنا فرق من إدراج هذه المخالفات وفق ما نص في قوانين (الدستور العراقي) وبين إن يشرع قانون بفقرات مستقلة عما ورد في الدستور، لان الدستور يقر بالحريات المدنية؛ بينما تشريعه تحت قبة البرلمان؛ بعيدا عن نصوص الدستور؛ فان القانون بإمكان تأويله والتلاعب بفقرات القانون وفق أمزجة خاصة والتجاوز على الحريات العامة، لان هناك جهات سياسية وحزبية ومسئولون (عراقيون) سيستغل هذا القانون لتنفيذ أجنداتهم الخاصة؛ فيستخدمونه لقمع حرية التعبير والرأي؛ لخنق أي صوت للمعارضة أو لمعارضي على أداء (حكومة العراق)؛ لان أحكام هذا القانون (قانون الجرائم المعلوماتية أو جرائم الالكترونية) باستخدام الحاسوب والأجهزة الالكترونية الأخرى؛ ستجرِم بنطاق واسع الكثير من الأنشطة التي يتم تعريفها بشكل فضفاض لعدم وجود قواعد أو أي معايير محددة تخضع لها؛ لتعطي ذلك مبررا للسلطات) العراقية) بمعاقبة الأفراد بهذه الطريقة؛ أو يمكن للسلطات أن تستخدم القانون لمعاقبة أي آراء يزعمون أنها تشكل تهديدا لمصلحة (حكومة العراق) .
لذلك فان الغاية من تشريع مثل هكذا قانون في ظل عدم استقرار الأوضاع السياسة في (العراق) وسيطرة أحزاب وميلشيات مسلحة على مقدرات الدولة؛ فان تشريع مثل هكذا قوانين – لا محال – يتعارض مع (القانون الدولي) و(الدستور العراقي)، وإذا تم تطبيقه؛ فسوف يشكل تحجيم حق (العراقيين) في حرية التعبير والرأي؛ لان الساسة وأصحاب السلطة في الدولة سيمنعون وبكل الوسائل المشروعة والغير المشروعة أي انتقاد يصدر من قبل المتظاهرين السلميين والمحتجين أو من قبل الصحفيين والإعلاميين الذين ينددون بالأوضاع القائمة من تفشي الفساد وانتشار جرائم القتل والخطف بحق الناشطين والصحفيين وكثرة البطالة بين صفوف الشباب الذين يطالبون بمطالب مشروعة في تظاهراتهم السلمية وينددون بسياسة الفاشلة للمسئولين وبسياسة إدارة الدولة .
لذلك يبدو (قانون الجرائم المعلوماتية) المقدم لتشريعه في (البرلمان العراقي) هدفه الأساسي هو لقمع المعارضين الذين يتظاهرون ويحتجون على الأوضاع القائمة في البلد؛ عبر تجريم كل أنشطتهم الشرعية والتي تشمل المشاركة في تواصل المعلومات والتواصل مع الآخرين؛ وليس كما صور القانون بأنه شرع من اجل حماية المواطن من الاستغلال والتصنت والابتزاز وسرقة معلومات شخصية، لذلك فان تشريع هذا القانون في الوقت الذي أصبح فيه استخدام الإنترنت ووسائل الإعلام الاجتماعية من قبل الصحفيين ونشطاء المدنيين ونشطاء حقوق الإنسان هاما في نقل الخبر وحق التجمع والتظاهر السلمي الذي اقره (الدستور العراقي)؛ ونظرا للدور الرئيسي لتكنولوجيا وأجهزة الاتصال المعاصرة وشبكة المعلومات في الصحافة ونشر المعلومات والآراء الحرة؛ فان تشريع هذا القانون يعتبر تهديدا جسيما لوسائل الإعلام وخاصة المستقلة منها؛ لان قانون (جرائم المعلوماتية) يعد قيدا من القيود على الحريات الأساسية في (العراق)، لذلك يجب على (مجلس النواب العراقي) عدم الإسراع في تشريعه.. أو إعادة النظر فيه فيما لو تم تشريع هذا القانون؛ ويجب مراجعة القانون مراجعة قانونية ووفق أنظمة وقوانين دولية وبما يتعلق بالحريات العامة؛ حتى يتسنى للمواطن (العراقي) إن يعرف مسبقا ما هو السلوك المحظور والخاضع للعقوبة وللرقابة؛ لان هذا القانون (قانون جرائم المعلوماتية) تشريعه يجب – أولا وأخيرا – إن يتوافق مع المعايير الدولية ومع متطلبات القانون الدولي و(الدستور العراقي) .

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد