الشيوعية العراقية اللاارضوية والنطقية العظمى/ ملحق ب2

عبدالامير الركابي

لتاريخ الشيوعية في العراق قراءتان، احداهما يمكن ان ننعتها بالافتراضية الايديلوجية القصورية النقلية، تعتبر الفكرة المشار اليها “واقعا” تاريخيا، وافرازا موضوعيا، لافكرة منقوله، لابل هي تصادر المجتمع نفسه لتلحقه بالنظرية، فتجعل منه “مجتمعا طبقيا” بين ليله وضحاها، معتبرة ظهور عمال وجدوا لاغراض احتلالية برانيه، مثل مشروعات السكك الحديد، والنفط، دالة يؤخذ بها على نشوء”طبقة عاملة”، من نوع الطبقات العامله في الدول العصرية (1)، كما يرى اصحاب هذا المنحى الاسقاطي الاكراهي، بالمقابل كان المفترض ان تنشا قراءة اخرى ترى ان الشيوعية الماركسية فكرة حديثة، نشات في القرن التاسع عشر في اوربا، مستندة لواقع تاريخي ومتغير انقلابي عضوي، تولد عنه احتدام اصطراعي طبقي ابان ذروة المصنعية، ودخول الالة الكثيف في العملية الانتاجية.
وفي مجتمع منشطر طبقيا تكوينا وبنيه تاريخيه كالاوربي، وعند لحظة انقلاب طبقي آلي كالذي عرفته اوربا، كان من المتوقع والمتفق مع الاشتراطات على المستويات المختلفة ان تظهر نظرية من نوع تلك التي ارسى اسسها ماركس وانجلز، لينسباها “للبروليتاريا”، الطبقة الجديدة الصاعدة في مجتمع تلك هي بنيته التي لاوجود لها، ولمايماثلها في العراق، بغض النظر عن حضور الانكليز واحتلالهم الذي ليس بمقدوره تغيير البنية المجتمعية للبلدان التي يحتلها، وان سعى لتحويرها بما يتلائم ومصالحه الهيمنية الاقتصادية، الامر الذي قد تتولد في غمرته، ومن خارج البنيه المجتمعية التاريخيه للبلدان المنوه عنها، والياتها، مجموعة من “العمال”، لاينطبق عليهم وصف” الطبقة” التي هي شرط بنيوي تكويني، ضمن مجتمع بنيته التاريخيه “طبقية”.
مثل هذا الافتتاح الافتراقي عن الاسقاطية البرانيه، لم يكن في حينه ممكنا ولا مماتتوفر اسبابه الاعقالية، فالامر لهذه الجهة يتطلب انتقالا تاريخيا مؤجلا وغير متحقق نحو “وعي الذات”، في موضع من المعمورة، البنية المجتمعية فيه تتعدى المتاح من الطاقة الادراكية للعقل البشري، وهي ظاهرة قصورية لازمت العقل البشري الى اليوم اجمالا، فمنعته من ان يواكب ويسبر اغوار ومنطويات الظاهرة المجتمعية، بما في ذلك النهضة الاوربية الالية البرجوازية الحداثية الراهنة، ومع انها قد اشرت لهذه الناحية، وحاولت ان تحقق ماهو مطلوب بخصوصها من دون فلاح، بغض النظر عماقد تحقق في المجالات المختلفة، العلمية التطبيقية والتفكرية وقتها من منجز ضخم متقدم وشامل.
واذا كان مانشير له يخص الظاهرة المجتمعية بالعموم، فان مايخص العراقية منها هو الاعقد والاكثر بعدا عن الاحاطة، حتى بالنسبه لمن هم ابناء المكان، والمنغمسين فيه الذين يتحصلون على كينونتهم في غمارحركته، فما كان لهؤلاء في افضل الحالات، بلوغ مايتعدى الحالات الحدسية وتعبيرها النبوي السماوي، وابرز وقمة تحققه، الابراهيمه، من دون بلوغ الادراكية العليّة السببيه، ومما زاد في وطاة غياب هذا الجانب من جوانب الوعي الضروري الغائب والمؤجل، كون العراق يوم نهض الغرب، الى ان حضر الانكليز عند بداية القرن العشرين، كان يعيش تحت وطاة حالة انقطاعية من حالات وخاصيات تاريخه التناوبي بين الدورات والانقطاعات، ومنذ 1258 يوم سقوط بغداد عاصمة الدورة الثانيه الامبراطورية، واثر الانقطاع مستمر، على الرغم من الانبعاث الثالث المبتدء في ارض سومر الحديثة كما هو معتاد ومتفق مع قانون الازدواج المجتمعي لهذا الموضع من المعمورة، فتشكلية ارض السواد الحالية قامت هي الاخرى بلا نطقية، ومع انها كاليات بقيت فعليا منحصرة داخل ارض السواد، بينما استمرت بغداد والقسم الاعلى اي “عراق الجزيرة”، برانيا، خاضعا كدلالة على الانقطاعية لتوالي وطاة السلالات والجماعات، واشباه الامبراطوريات، التي ظلت تتعاقب على عاصمة الدورة الثانيه المنهارة، فتحتلها، من هولاكو الى العثمانيين، وبعدهم الانكليز، مع ان كل هؤلاء بالاحرى لم تتعد سلطتهم اسوار المدن التي يتحصنون داخلها، يمارسون حلب الريع الزراعي العسير نواله، بالغزوات والحروب الداخلية ضد مجتمع مسلح لايخضع لغاز، قانون وجودة / الحرية او الفناء/، طبيعة وكينونة.
وفي موضع غاية في الاعقالية التاريخيه التاسيسية والوسيطة، كما تجلى حضورا كونيا عبر دورتين، الاولى السومرية البابلية الابراهيمه، والثانية العباسية القرمطية الانتظارية، ماكان من العرضي او المستبعد تماما للمعاين المنتبه، ان يرى في اللحظة التي مر بها العراق اليوم منذ مجيء الانكليز، جانبا ابعد من نطاق المكان، لاشيء يمنعه من ان تكون له تداعيات ونهايات ليست اقل شمولية ونوعية على مستوى المعمورة، من تلك التي مثلتها الظاهرة الاوربية الحديثة في حينه، لولا طغيان هذه الاخيرة الكاسح، لجدتها النوعية الانقلابيه من ناحية، ولان الرد عليها ان وجد، كان لابد موضوعيا ان يتاخر، بانتظار مايتمخض عنه انتشارها وتفاعليتها على مستوى المعمورة من نتائج تصادميتها مع غيرها.
لهذا السبب على الاقل، وللاسباب التي اخرت النطقية المابين نهرينيه الى الساعة، ماكان واردا وقتها ان تظهر سردية تستقبل الحضور الغربي اجمالا، والنظرية الماركسية، الا منقولة “بصندوق”، وكما هي، حيث لاامل ولامن مجال يمكن ان يجعل لها تاريخا وسردية “عراقية” تاخذ عناصرها من كينونة المكان وبنيته الازدواجية، اولا، لتلاحظ بان الشيوعية ظهرت ابتداء في الاعلى في بغداد عاصمة الدورة الثانيه المنهارة، والمستمرة بحال انهيار، وان هذا الشكل من الظاهرة الجديده، ماكان يمتلك اية اسباب تبرره، او تجعل منه ظاهرة او حركة فعالةلامتناع الموضع الذي ظهرت ضمنه، وفقدانه للديناميات البنيوية والحديثة التشكلية، وهو ماقد توفرت اسبابه لاحقا في ارض السواد، وفي الموضع الذي بدات عنده اليوم ومجددا الانبعاثة الراهنه الثالثة التاريخيه في ارض المنتفك/ سومر التاريخيه، وهو مالم يكن يوسف سلمان يوسف “فهد”، ولا استاذه فاسيلي المبعوث الروسي الى جنوب العراق، المتخفي بصورة خياط في مدينه الناصرية، يدركانه، او يمكن ان يقاربانه وعيا باية حال، فالعراق اذا حدث وفكر هؤلاء به من هذه الزاوية، سيكون بالنسبه لهم بداهة كيانية عادية، مثلها مثل اي كيان اخر معروف على مستوى المعمورة.
وفي احسن الاحوال يمكن افتراض كون فهد، او حتى غالي الزويد، المتبقي في المكان توارثا من ثورة الزنج ايام العباسيين، والذي يعمل في مضايف المنتفج، وكان اول الشيوعيين في الناصرية، وثم في البصرة، كان على علم بويرلند(2) ونظريته التي سيجري اعتمادها من قبل جميع الحداثيين يسارا ويمينا، كسردية استعمارية تاسيسية ل ” العراق الحديث”، الذي لاوجود له سوى في العقل الاستعماري الاسقاطي الاساس، مقابل الانبعاثية الحديثة، والتي تعود للقرن السادس عشر، اي السابقة زمنيا حتى على ظاهرة الغرب الحديث، الواقعه بين دورتين عراقيتين، الثانيه المنتهية في القرن الثالث عشرمع سقوط بغداد، والثالثة الراهنه.
والاهم من كل هذا مما هو غائب كليا عن النظر وموجبات الفحص والتدبر،، استمرارغياب النطقية الذاتيه، والعجز دون الكينونة البنيوية المجتمعية لارض مابين النهرين، اللاارضوية التاريخيه، مافوق الارضوية، المحكومة من دون المجتمعات البشرية كافة، لاشتراطات ” العيش على حافة الفناء” بيئيا، والذاهبة الى مابتعدى الحلم الارضوي “اليوتوبي” واقعا وتحققا مساواتيا مطلقا، بما يسقط من الاحتساب مقولات انجلز وماركس عن الملكية الخاصة والدولة والطبقات، فالمجتمعية الاساس والمنطلق على مستوى المعمورة، هي مجتمعية سومر وارض السواد، المستمرة واقعا بلا افصاح، لتعديها الطاقة الاعقالية البشرية نوعا، والذي هو “الارضوتوبيا” (3) كما وجدت في الدورة الاولى الكوراجينيه والثانية، القرمطية الاسماعيلية الخوارجية، والاخوان صفائية، الحلاجية المعتزلية، الانتظارية التشيعيه، والتي هي واقع ونمط مجتمعي اساس وكينونه، لها كامل المقومات والاسباب التي تجعلها ماهي، بمقابل كل اشكال المجتمعات الاخرى الارضوية الاحادية، ومنها اعلاها دينامية المنشطرة “طبقيا” الاوربية.
وكما هي العادة، وكما يحدث دائما وتكرارا، فان ماعرف بالشيوعية في عراق اليوم، كان حالة من اعادة التشكل بناء على الاشتراطات المجتمعية اللارضوية الجنوبية، وجودها هنا لايحتاج نظرية ماركس اولنين، التي هي بالاحرى منظومة تفكر ادنى بنيه من حيث الكمال اليوتوبي والتحقق، مما قد حضرت اليوم ضمن ظروف خاصة، لكي تتفاعل معه وتكتسب خاصياته، وهو ماكانت بررته ومنحته الاسباب الموجبه لاحتلاله مكان القيادة السابقة الانتظارية النجفية، الحاحية الحاجة الى وسيلة من نفس نوع وطينه الطرف الابادي الاستعماري، ومن ذات بنيته، في الوقت الذي صار المركز النجفي اقرب الى العجز، محاصرا بدعوى العصر والحداثة والتمدن، فماعاد قادرا على المجابهة بوسائله الانتظارية المعتادة والمعتمدة (4).
ـ يتبع ـ ملحق ج
علم اجتماع اللاارضوية وحداثة الغرب/ ملحق ج
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لايفرق هؤلاء طبعا بين “عمال” يظهرون لاسباب برانيه، وبين “طبقة عامله” تكون افرازا موضوعيا في مجتمع طبقي، فيرى احد ابرزهم متحدثا عن ” بداية تكون طبقة عاملة لها مقومات الطبقات العامله العصرية بعد البدء باستخراج النفط وانشاء السكك الحديد” كامل الجادرجي/ مذكرات كامل الجادرجي وتاريخ الحزب الوطني الديمقراطي/ دار الطليعة / بيروت صص 22 ـ23 .
(2) الضابط الانكليزي الملحق بالحملة البريطانيه / فليب ويرلند/ فبرك عراقا تعود نشاته الى القرن التاسع عشر، مع الاحتلال التركي الثالث عام 1831، وصار معتمدا من قبل الحداثيين بمجموعهم، يساريين ماركسيين وليبراليين وغيرهم بلا اي توقف، او حتى بعض من تلبث تستوجبه الضرورة، فكان هذا لازمة وقاعدة من قواعد الاستعمار البريطاني الاساس، والتي يستبعد كليا من دونها تبرير الاداة الاخرى المباشرة “الدولة الحديثة” كما يطلق عليها، مع انها لاتتوفر اطلاقا على اي من مقومات الدولة المرتكزه بالضرورة للنصاب المجتمعي، واكتمال التشكل التاريخي.
(3) يراجع / ارضوتوبيا العراق وانقلاب التاريخ: من الابراهيمه الى ظهور المهدي هكذا يرد التاريخ العراقي على التحدي الامريكي/ دار الانتشار العربي/ بيروت 2008/ عبدالامير الركابي.
(4) عام 1923 قام رئيس الوزراء عبدالمحسن السعدون يتسفير مجموعه من مراجع النجف الى ايران، بعد تعديل اجراه على قانون العقوبات يجيز تسفير الاجانب، وكان هؤلاء قد افتوا بتحريم الانتخابات التي دعت لها الحكومه، قبل هؤلاء كان الشيخ الخالصي قد سفر الى الحجاز، ومنها غادر الى ايران، وقد اضطر هؤلاء، ماعدا الخالصي، من اجل العودة للنجف، للتعهد بعدم ممارسة السياسة، وبعثوا برسائل الى الملك دالة على ضعف مهين، وتلك كانت افصح دلالة على تراجع موقع النجف ودورها في حينه./ وفي 1/7 /1923م تولى مدير شرطة كربلاء صالح حمام تسفير المراجع والعلماء الذين يحملون الجنسية الايرانية وكانوا تسعة ابرزهم السيد ابو الحسن الاصفهاني والميرزا حسين النائيني (رض) والشيخ جواد الجواهري (رض) والسيد علي الشهرستاني (رض) والسيد مهدي الخرسان (رض) وغيرهم من العلماء نقلوا الى خانقين ومن هناك ذهبوا الى قم وكانت احتجاجات في المدن العراقية وبخاصة الحلة واعتقلت السلطات الشيخ محمد سماكة امام المسجد الكبير في المدينة، وكان في وقتها متصرف لواء الحلة ناجي شوكت./ مواقف المرجعية الدينيه العليا في النجف الاشرف في مواجهة احتلالين ـ مركز فخر عاشور الثقافي/ ويضع “عادل رؤوف” من وحي الحادث كتابا تحت عنوان / عراق بلا قيادة/ يعالج فيه تراجع موقع المرجعية في حينه، ماادى لاحقا لبروز ظاهرة الحزبية الاسلاميه الحديثة.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد