مقولات في التغيير وحراكه في مسيرة العراقيات والعراقيين نحو البديل؟

د. تيسير عبدالجبار الآلوسي

في إطار الحركة الاحتجاجية، في العراق طوال السنوات التي أعقبت 2003، كان الحراك منصبّاً على أمور مطلبية من دون أن يتطلع نحو إيجاد وسائل بناء الشخصية الوطنية وتنظيماتها القادرة على تلبية بناء الدولة ووضعها في طريق التنمية والتقدم.
لكن طابع النظام الذي تمت إشادته فُرض فوقيا بصيغة الشرذمة والتشظي ومنح قوى ظلامية الفكر، تتبنى منطق الخرافة وأحاجي ماضوية، منافذ تكريس وجودها بذريعة التعددية لكنها التعددية التي لا تتحدث عن بنى مجتمعية أو بنية دولة تنتمي للحداثة ومنطق العصر ومطالبه..
ومع السنوات العجاف تنامى الوجود المافيوي المنظم مثلما تَكَرَّسَ وجود العصابات المسلحة المنظمة وجرى تحويلها إلى ميليشيات وأجنحة عنفية للبلطجة التي امتلكت السلاح الموازي لسلطة الدولة المنهكة الممزقة بخلفية تشكيلات ما قبل الدولة الحديثة!
وإذا كان معقدا عمل قوى التنوير وعلمنة الدولة أن تنظم نفسها وأن تتصل بطبقات المجتمع فإن البديل ظل قائما على تقسيم المجتمع بين طوائف موجهة بالقوة وعنف السلاح ودمويته نحو صراعات مفتعلة لا ناقة للمواطن فيها ولا جمل..
ومع مصادرة نصف المجتمع ممثلا بالنساء وتشويه بناه الطبقية من شغيلة ومن طبقة متوسطة كادت أن تُصَفَّى نهائيا دع عنك استبدال البرجوازية الوطنية وقوى الإنتاج المختلفة لتحل محلها تكوينات طفيلية وبنى مجتمعية مشوهة احتدم الرفض الشعبي ولم يعد مقصوراً على الأمور المطلبية، بل تنامت المطالب من صغيرها والجزئي في تفاصيل اليوم العادي إلى مطالب وجودية بالمستوى الوطني..
لقد باتت قضية إصلاحات منتظرة هنا أو هناك ليست أكثر من تبديل فاسد بآخر ومجرم بثانٍ وحقيقة السلطة القائمة صارت بفجاجة معبرة عن نظام كليبتوفاشي بوجهيه المافيوي كليبتوقراطيا مع نمو طبقة الكربتوقراط الملتحفة عمامة التدين وجلبابه ومع تكريس سطوتها انتهت منظومة القيم وقوانينها لتسود منظومة تقاسم الغنيمة التي لم تكتفِ بالثروة بمجمل الخيرات المادية بل تطاولت لتمتد نحو استعباد الإنسان بتمكين وكلاء (الله) على الأرض من ممارسة السلطة اللاهوتية الإلهية باسمه دجلا وتضليلا ولكن قسراً وبقوة ما تم إنشاؤه من ميليشيات وأجنحة عسكرية جرى شرعنة وجودها بقوانين النظام المنتمية لمنطق ما قبل الدولة..
بالضبط في هذي الأجواء باتت مقاربة تشبه ثورة سبارتكوس من أجل تحرير الإنسان هي مقاربة ثورة الشعب في أكتوبر تشرين 2019 التي امتدت لأكثر من عام من التضحيات البطولية بمقابل القمع الفاشي للطابع السلمي بذرائع الطرف الثالث ورديف القوات الأمنية وكل مناهج اللاعب بمقدرات الشعب ومصادرة إرادته الحرة..
ولظروف الأزمات العالمية من وراء حدود البلاد ومنها أزمة كورونا وما تلاها من تعقيدات بات الحراك السلمي يبحث عن وسائل وأدوات متابعة حركة ((التغيير)) وهنا بالخصوص عادت محاولات التأثير على (((بعض))) عناصر حركة التنوير لدفعها نحو لعبة التشوش والإيقاع بها بخديعة التضليل بالتحديد في ظروف اصطناع أجنحة طبقة الكربتوقراط بوصفها (أحصنة) طروادة مجمع الإرهاب [الديني] القابع خلف الحدود فيما يمارس سطوته بوساطة أدوات لسانها عراقي لكن هويتها غير عراقية لانعدام وطنيتها وهي لا تجد حرجا بعد كل تلكم التداعيايت من التصريح بمرجعيتها التي تعتاش على تخريب كل ما هو وطني وإنساني!
إنّ وهم قبول هذا الجناح أو ذاك بكل مرحلة [انتخابية] والتحالف معه بمبرر أو آخر أو حتى التوجه لاختيار التحالف بمسميات وطنية أو ثورية من تلك التي تحاول سرقة ثورة الشعب؛ لا تقع بالوهم ومنطقة الخطأ التحليلي، بل هي بفجاجتها وكارثية مآلاتها الاستراتيجية منها والتكتيكية إنما تقع بمنطقة خدمة أعداء الشعب وحركة التغيير التنويرية التي يُفترض أن تتمسك بعلمانيتها وبمنطق العقل العلمي لا لفظا ومن ثمّ ادعاء أجوفا، بل فعليا بالممارسة التي تنتمي لهوية حركة العلمنة والتقدم والأنسنة…
إنّ أبرز ملامح مقدمات نجاح حركة التغيير تكمن في سداد منهجها وسلامة القوى التي تتحمل مسؤولية تنفيذ مسيرته وخطاها..

ولقد خضنا معاً، شخصيات الفكر الديموقراطي وأحزابه، معركة خيار (التغيير) لا (الإصلاح وزيف ترقيعاته)، حتى انتصرنا للنهج وخياره في فرض التغيير وتوظيفه اصطلاحا ومبدأً ونهجاً وأبعدنا عبثية الوقوف تحت مظلة التضليل القائم على اجترار مصطلح الإصلاح بقصد الإبقاء على جوهر النظام وإيجاد ومضات ترقيعية، تحت اسم الإصلاح، لا تسمن ولا تغني من جوع…
لكن (بعض) من اُضطر لإقرار مبدأ التغيير الشامل عن غير قناعة أو بقناعة مناورته بهذا الإقرار وبقاء إيمانه بمنطق (الإصلاح!) عاد ليقع بخطأ الاستدارة بنا ومعاودة التجريب (الإصلاحي) الترقيعي؛ وهذا ليس سوى العبث وأضاليله، إذ يفتح منافذ تسلل خطيرة باحتضانه أجنحة ظلامية الفكر، ما يوقع الحراك الإيجابي الناشئ بمهمة تبييض ساسة الكربتوقراط المجرمين بما يشبه تبييض الأموال، وإن لم يدرك ذلك للوهلة الأولى نتيجة ضبابية المشهد وتعقيد مناورات أجنحة قوى منطق الخرافة وتبادلها الأدوار وممارستها أفعالا يجري تبريرها وكأنها مما يدخل بمصلحة الناس بـ((إصلاحيتها!)).
إن مبدأ شق صفوف الأعداء في ظروف المعارك الوطنية والطبقية لا تبرر قطعا أي شكل للتحالف مع جناح من أولئك بأية صيغة كانت وسيبقى يحوم في مناطق الإيهام والتضليل ويُضعِف حركة التغيير ويمنح أجنحة المافيا الميليشياوية المسلحة مزيد فرص في استغلال الشعب والتحكم به!!
إنه، في ظل اشتداد الأزمة البنيوية واستفحال سطوتها لم يبق للتغيير وقواه اليوم، سوى نهج التغيير بـ((نقاء جبهته المنشودة لإنقاذ الشعب من نظام كليبتوفاشي أعاد الشعب لنظام ماضوي خارج مساق التاريخ الحديث)).
بخلافه سيكون الانحراف الذي يوقع مَن يحيد عن نقاء جبهة التغيير في فخاخ من يتحكم بالمسار منذ 2003 حتى يومنا، الأمر الذي يعني تسهيل مهمة قوى الاستبداد الجديدة بكل معطيات ظلامية فكرها ومنطق الخرافة الذي تعتمده!
فهل سيقبل طرفٌ بتلك اللعبة ويقر سبيل التورط الذي يلتف على خيارات الشعب تلك التي قدم من أجلها آلاف القرابين الغالية من بناته وأبنائه!!؟
إنّ هذا التساؤل يشير إلى من يرفع نداءات التغيير من دون أن يحدد أدواته وقواه ويفتح بواباته على مصاريعها ليمنح قوى الدجل والتضليل ممارسة خداعها علنا و [عيني عينك بوضح النهار] بذريعة توسيع جماهيرية التغيير عبر النزول للشعب من بوابة فوقية تمتلكها قوى الكربتوقراط العراقي المصطنعة في العقدين الأخيرين…
كما أننا من جهة أخرى نرى: أن نضال قوى التغيير لا يتحدد بالوصول لمجلس نواب نظام (تستمر بالتحكم) به قوى مافيوية ميليشياوية ولكن نضال قوى التغيير مفتوح على تطلعات التقدم نحو بناء (البديل النوعي).. صحيح أنه بلا مواقف نهلستية تجاه ومضات إيجاب يلمسها في صراعات أجنحة السلطة الكليبتوفاشية لكن من الصحيح والصائب أيضا ألا ندعمها بصيغ تسمح بالانحدار في منظومةٍ مسخٍ وجب إنهاؤها كليا.. إذ لا أمل ولا صواب بترقيعات تلك القوى بخاصة وهي تنتمي فكرا وسياسة لذات المنظومة وأن انسلاخها لا يكتمل والسلطة للقوى المهيمنة مافيويا ميليشياويا..
إننا لا يمكننا الاتفاق أو القبول بمن يحتفل بتلك الترقيعات وكأنها الانتصار المنشود بينما هي مجرد ذر رماد في عيون الحراك وتضليل للمشاغلة. دع عنك كونه من خطط إدامة النظام بنهجه وعباءة ادعاءاته وعماتها..

على قوى الحراك المجتمعي للتغيير في هذا الإطار والمسار، أن تتنبه على الفوارق بين اعتماد تحالفات أحزاب واضحة النهج وبين ضم (أفراد) أو ما يسمونه [إسقاطا]، شخصياتٍ وطنيةً عند التمعن سنجدها اليوم تعمل بخدمة منظومة تديرها قوى ظلامية بكل مؤسسات الدولة التي تشارك فيها بخلاف إرادة الشعب الذي قاطع تلك المؤسسات لأسباب موضوعية مازالت قائمة؛ لعدم خروجها على تلك السطوة والتشويهات البنيوية ولرفضها الالتزام بقوانين الإرادة الوطنية..
من الصحيح هنا دعم عناصر الإيجاب تلك بصيغ حذرة وذكية، ولكن من الخطل الاحتفال بتلك العناصر والأنكى ضمها لتحالفات التغيير بذريعة عناوينها التي تزعم أنها أسماء لها ومبادئ تنتهجها، فيما أدرك الشعب وفضح حقيقة ما بيع عليه من أوهام طوال عقدين من سلطة تلك العناوين عدا عن كون (الأفراد) أكثر عرضة للتقلبات والخديعة ولأن يكونوا أحصنة طروادة لقوى التخلف ولنهج الكليبتوفاشية المعروف!!
فلتبحث تحالفات التغيير عن نقائها بعيدا عن احتمالات العبث واللعب والخديعة من دون التضحية بأشكال مناسبة لاستثمار صراعات داخل مؤسسات السلطة وقواها الانتهازية الطفيلية
وعليه فإن نداءات تتنامى اليوم من أجل تحالف التغيير بنهج نوعي مختلف عن دعم عناصر في مؤسسات السلطة قد تستجيب ببعض أنشطتها لضغط حركة التغيير ما لا يعني [ذاك الدعم والاستثمار] قطعا تضمّنه إدخال مجموعات من داخل تلك المؤسسات لتحالف التغيير المنشود بنيويا، كما يحدث حاليا مع بعض العناصر باختلاف مسمياتها بخلاف صواب الخيارات!
فلنتنبه ولنتفكر ونتدبر أشكال العلاقات التي تدير معركتنا من أجل البديل ولتكن الخطى مدروسة بعيدا عن أي التباس أو تشوش أو تضليل وخديعة..
وإلا فلات ساعة مندم والشعب ليس بحقل تجارب حتى عند حسن النيات.. ولقمة الجياع لا تأتي بحسن النية ولا تأتي نظيفة غير مسمومة بوجود السلطة ومنظومتها وقواها..
فلنتفكر ونتدبر

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد