الأولوية لاعادة بناء الحركة الكردية السورية

صلاح بدرالدين

نحن الكرد السورييون ومن حيث خصوصيتنا القومية في الاطار الوطني العام ، فقدنا منذ عقود أداتنا النضالية المنظمة الموحدة التي تتجسد في حركتنا القومية الديموقراطية ، التي تقود نضالنا بجانبيه القومي ، والوطني منذ ظهور حركة – خويبون – في منتصف عشرينات القرن الماضي مرورا ببدايات قيام الدولة السورية ، وحتى الان ، نعم لقد تراجعت الحركة ، وتفاقمت ازمتها منذ ان صادرت اكثر من مائة حزب اسمها ، وتحولت بعد التشتت ، والانقسام مادة يراد استثمارها لمصالح فئوية ضيقة خصوصا بين أحزاب طرفي الاستقطاب ( ب ي د و ب د ك س ) .
بحسبة بسيطة يمكن التأكد من وجود غالبية وطنية مستقلة خارج الأحزاب الكردية ضمن صفوف كرد سوريا بالداخل والخارج ، من النساء والرجال ، تنتمي جغرافيا الى مختلف المناطق ( عفرين – كوباني – الجزيرة – حي الاكراد بدمشق ) ، تضم مفكرين ، ومثقفين ، وسجناء سياسيين سابقين ، وأصحاب خبرة ، وتجارب النضال السري ، ومن كانوا منتمون سابقا الى مختلف التيارات السياسية من اليسار ، واليمين ، والوسط ، اكثريتهم هجرت العمل الحزبي تجاه مفهوم ( الكردايتي ) المستقل العام .
وبالرغم من اختلاف المنشأ ، وتعدد التصورات ، فان الجميع يتفق على الأمور التالية : ١ – ضرورة حل ازمة الحركة الكردية السورية ، بإعادة بنائها ، واستعادة شرعيتها ، وتوحيدها بالطرق المدنية الديموقراطية . ٢ – فشل الأحزاب الكردية في توحيد الصف الكردي ، وحل القضية الكردية ، وإنجاز المهام القومية ، والوطنية . ٣ – عجز الأحزاب الكردية من طرفي الاستقطاب في العمل المشترك تحت لواء مشروع وطني كردي سوري يحقق الطموحات ، ويعيد للكرد دورهم ، ويوحد حركتهم ، ويحفظ استقلالية قرارهم ، ويصون شخصيتهم المميزة ، وهذه الثوابت كافية لتحاور المؤمنين بها ، وتوافقهم على خطوات لاحقة .
فقد بات من المعروف في الساحة السياسية الكردية السورية ، ان قيادات أحزاب طرفي الاستقطاب ( وليس كل أعضائها ) تنتهج موقف التجاهل لرغبة الغالبية الوطنية المستقلة ، في تصوراتها المطروحة لحل الازمة الناشئة بإعادة بناء الحركة ( كما في مشروع حراك ” بزاف ” ) عبر بوابة المؤتمر الكردي السوري الجامع ، وكذلك المحاولات الأخرى الفردية الفكرية ، والثقافية ، المشابهة من جانب مثقفين ، وناشطين ، واذا كان الطرفان الحزبيان يتهربان من الحوار الشفاف ، والعلني حول مصير الشعب ، والقضية ، والحركة ، لاسبابهما الخاصة المعروفة ، فلماذا يسود التباعد ، والحذر ، والمواقف السلبية المسبقة ، بين صفوف الداعين الى التغيير من المستقلين ؟ .
ليس تعصبا لحراك ” بزاف ” ولكنه الاقدم ( منذ ٢٠١٢ ) في مجال الدعوة الى إعادة بناء ، وتوحيد ، وشرعنة الحركة ، والأكثر وجودا في الداخل ، والشتات ، والاغزر عقدا للقاءات التشاورية ، والمنابر النقاشية ، والوحيد الذي يمتلك مشروع البرنامج المتكامل بشقيه القومي ، والوطني كمنطلق استراتيجي ، وكذلك النظام الداخلي لتسهيل ، وتكامل العلاقات ، والنشاطات ، ولديه العديد من المبادرات المرحلية ، والتصورات ، والعشرات من الوثائق ، كما لديه تواصل ( غير رسمي لانه ليس حزبا ، ومازال حراكا فكريا ، ثقافيا ، سياسيا في طور التشكل التنظيمي ) مع معظم الأطراف المعنية بالملفين السوري ، والكردي .
حراك ” بزاف ” لديه وضوح الرؤيا بحكم الخبرة ، والعلاقات الديموقراطية بين لجانه التنسيقية ، ويختلف عن البادئين حديثا ، فهو بدأ بالبد اية طارحا عبارة او صرخة مالعمل ؟ وبمرور نحو عشرة أعوام ، امتلك الجواب ، الذي نعتبره مازال مشروعا قيد الدراسة ، والتعديل يمكن التحاور حوله في كل زمان ، فاالبادئون حديثا من الناشطين يشبهون الحراك قبل عشرة أعوام ، بدلا من أداء نفس التجربة لعقد من الزمن لماذا لا يتعاملون مع وثائق ” بزاف ” الجاهزة حتى لو بشكل نقدي بناء ؟ هذا تساؤل جوهري يحتاج الى جواب مقنع ، من جانب اشقائنا ، وشركائنا في عملية الإنقاذ .
حراك ” بزاف ” يستقبل اطروحات بعض المثقفين ، والناشطين الكرد السوريين من اجل الإنقاذ ، وحل ازمة الحركة الكردية برحابة صدر ، واستحسان ، ويجد فيها تحقيقا لما نصبو اليه جميعا ، وانتصارا لمشروعه ، ولاشك سيتحقق اللقاء ات المثمرة معا عاجلا ، أم آجلا ، وسيحقق الجميع سوية شروط الانتقال الى مرحلة متقدمة في العمل السياسي ، والتنظيمي ، والبناء الفكري ، الثقافي ، أتساءل بكل صدق هل بيننا نحن دعاة التغيير وإعادة البناء ، والمؤتمر التوحيدي المنشود موانع ، وحواجز يستحيل تخطيها ؟ .
من المعلوم اننا جميعا لدينا مآخذ حقيقية على أداء أحزاب طرفي الاستقطاب ، وقد نحملها المسؤلية الأكبر في ماوصل اليه شعبنا لان طرفاها يستحوذان السلطة ، والمال ، والمسلحين ، والدعم الخارجي ، ومن ضمن ملاحظاتنا المشتركة علي قياداتها ، تهربها من الحوار ، وتجاهل الاخر المقابل ، والاهتمام فقط بالقشور أي باتفاق الأحزاب ، وليس بإعادة بناء توحيد الحركة الكردية ، ونحن او البعض في صفوفنا الساعين الى التغيير ، وحل الازمة ، يمارس النهج ذاته بالقطيعة ، والتجاهل ، واثارة الشكوك حول البعض الاخر أحيانا ، وقد تختلف الأسباب ، ولكن المبدأ واحد !!؟؟ .
بحسب معرفتي ، واطلاعي ، فان ” البزافيين ” لم يتصوروا ولو للحظة ان الآخرين يجب ان يلتحقوا بهم ، بل ينتظرون بشغف الحوار الشفاف المتكافئ ، والتواصل ، وإزالة الحواجز ، والتعامل مع البعض الآخر على أساس الأفكار ، والسياسات ، والمواقف ، وليس الأشخاص الا وسائل لنقل أفكار النقاش ، والمشتركات الجامعة ، على مبدأ : الحركة باقية ومستمرة ، والأشخاص لهم قيمة ، واعتبار ، واحترام ، ولكنهم زائلون .
لدينا في الساحة الكردية السورية بالداخل ، والخارج قامات وطنية مستقلة ، ومناضلون مجربون مضحون ، ومثقفون ملتزمون بقضايا شعبهم ، ووطنهم ، يعملون بمنظمات ، وجمعيات ، او بشكل فردي ، وهم جميعا مجال الفخر ، والاعتزاز ، ولكن أقول بكل اسف مازلنا جميعا وبصورة متفاوتة ، لم نتخلص تماما من عاهات الماضي ، ومن نوع من الثقافة الدخيلة الانتهازية الوصولية ، التي زرعتها أنظمة الاستبداد الحاكمة وأجهزتها القمعية ، ودعمها المال السياسي ، ورسختها العقلية الحزبوية السائدة المخترقة ، المستندة الى نهج التبعية ، وعدم الاستقلالية ، ومفاهيم وافدة متخلفة غريبة بتخوين الاخر المختلف ، والمواقف المسبقة ، والاعلام الديماغوجي ، ولاننسى هنا دور بعض التيارات في كيانات المعارضة السورية في الاساءة للحركة الكردية ، وتشجيع انتهازيين من أصول كردية واغرائهم بالاموال لينقلبوا على قضايانا ، ويظهروا وجه حركتنا بصورة مشوهة .
في الأزمنة الراهنة نعيش في نعم خدمات التواصل الاجتماعي ، ويمكن الاستفادة من كل دقيقة لمصلحة قضايانا عبر الحوار ، والنقاش من اجل التفاهم ، والتقارب ، والعمل المشترك حول مشروع متفق عليه ، فلنبتعد عن – الانا – السلبية ، وعن الشكوك ، والمواقف الشخصية المسبقة ، ولنتعاون من دون ان يتبع احد بآخر ، كلنا سنلتحق بقضايانا ، وثقوا جميعا انه لا دور لكرد سوريا الان في ظل المعادلة الراهنة ، ولن يستطيع طرف واحد ، او فرد واحد تبديل المعادلة ، وليس امامنا الا الاجتماع ، والاجماع كسبيل للتغيير ، وإعادة الأمور الى المستوى الأفضل لتحقيق الأهداف .
فهل نعجز جميعا ان نتوافق مثلا على اختيار مجموعة موسعة من الوطنيين المستقلين من بين بنات وأبناء شعبنا ، ليقوموا بدور هيئة ، او لجنة تحضيرية في انجاز خطوات عملية نحو توفير الشروط ، والأسباب اللازمة ، لانجاح عملية انقاذ الحركة ، وتوحيدها ، واستعادة شرعيتها ، وتحقيق أهدافها ؟ .
كل وطني كردي سوري معني بهذه القضية التي أثرتها ، ومنتظر منه ان يدلي برأيه حولها ، ولنعمل جميعا على استعادة مكانة ودور حركتنا ، وصيانة الشخصية الوطنية الكردية السورية ، ونستعيد وديعة ” احمدي خاني ” منذ اكثر من اربعمائة عام ،التي كانت صرخة مدوية ، مازال صداها يلاحق الأجيال ، لتحقيقها على ارض الواقع .

نبذة عن الكاتب

avatar

صلاح بدرالدين ولد في 11 آذار 1945 بقرية – نعمتلي – قضاء – القامشلي – سورية ,ثم عاش مع اهله في قرية – جمعاية - . انتسب مبكراً الى الحزب الديموقراطي الكردستاني - سورية وساهم مع الجناح اليساري القومي عام 1965 في تدشين النهج القومي الديموقراطي في الحركة الكردية . انتسب الى كلية الحقوق بجامعة دمشق واعتقل قبيل التخرج . عاش الجزء الأكبر من حياته ومنذ صيف 1966 في العمل السري والاختفاء بالداخل والهجرة القسرية الى لبنان وكردستان العراق وتونس وألمانيا الديموقراطية والاتحادية فيما بعد وسجن لعام واحد في سجن القلعة بدمشق ، وتم تحويله الى محكمة امن الدولة العليا بدمشق بعد تجريده من الحقوق المدنية . منذ كونفرانس عام 1968 اصبح السكرتير الأول للبارتي الديموقراطي الكردي اليساري في سورية ثم أمينا عاما لحزب الاتحاد الشعبي الكردي بعد تبديل الاسم في المؤتمر الخامس عام 1980. التقى الراحل الملا مصطفى البارزاني قائد ثورة ايلول للمرة الاولى في حزيران 1967 بمنطقه – بالك – في كردستان العراق . اسس في لبنان – رابطة كاوا للثقافة الكردية – كمؤسسة ثقافية في أعوام 1975 – 1978 . ويترأس الرابطة في كردستان العراق منذ عام 1999 . ساهم مبكراً في بناء العلاقات الودية مع حركة التحرر العربية وخاصة الحركة الوطنية اللبنانية وقوى منظمة التحرير الفلسطينية وقلده الرئيس الراحل ياسر عرفات أعلى وسام فلسطيني – درع الثورة الفلسطينية - كما شارك في اقامة عدد من جمعيات الصداقة بين الكرد والعرب وهو رئيس جمعية الصداقة الكردية – العربية . . انسحب طوعا من رئاسة حزبه وكل العمل الحزبي منذ عام 2003 ويمارس قناعاته الثقافية والسياسية بصورة مستقلة . - المؤلفات :1 - الكرد والحركة التحررية الكردية – بيروت – برلين – 1982 ( باللغات الكردية والعربية والألمانية ) .2 -الاكراد شعبا وقضية – بيروت – 1986 3- موضوعات كردية - بيروت – 1987 . 4 - القضية الكردية والنظام العالمي الجديد – بيروت – 1992 . 5 - غرب كردستان – بيروت – 1998 . 6 - القضية الكردية أمام التحديات - أربيل – 1999. 7 - الحركة القومية الكردية في سورية – رؤية نقدية من الداخل ( باللغات الكردية والعربية والانكليزية ) – أربيل – 2003 . 8– الكرد والعرب : اتحاد اختياري وشراكة عادلة - أربيل – 2004 . 9 – غرب كردستان ...الربيع الدامي – أربيل – 2004 . 10 – الكرد بين ارهاب الدولة القومية والاسلام السياسي – أربيل – 2005 . 11 – حوار شامل مع صلاح بدرالدين – أربيل – 2006 . 12 - كردستان من الثورة الى الكيان – أربيل – 2010 . 13 - الصراع في سوريا " النظام – الكرد – المعارضة "- أربيل – 2010 . 14 – نظام اقليمي جديد للتحرر القومي – أربيل – 2010 . 15 – صلاح بدرالدين يتذكر – بيروت – أربيل 2011 . له مئات المساهمات في الصحف والمجلات والمواقع الكردية والعربية .

مقالات ذات صله

الرد