في أوجه الشبه بين – الهتلرية – ، و-البوتينية –

صلاح بدرالدين

تجربتان اشكاليتان ظهرتا باوروبا ، يفصل بينهما نحو سبعة عقود ، تجمعهما عوامل مشتركة جوهرية عديدة ، من حيث النشأة ، والدوافع ، والاهداف ، والمآل ،اكثر بدرجات من أوجه الاختلاف الشكلي ، تتمحوران حول دور الفرد المستبد ، الطاغي ، المتعاظم فيي صنع القرار، المتمثل في كل من ( الالماني ادولف هتلر ، والروسي فلاديمير بوتين ) .
اولا – ففي ثلاثينات القرن الماضي اعتمد – أدولف هتلر – الفكر النازي ، في برنامج حزبه ، حزب العمال القومي الألماني ، المناهض بشراسة للشيوعية ، والعامل على عسكرة المجتمع ليشن حربا دموية شاملة لتحقيق طموحات السيطرة على كامل الأراضي الأوروبية ، وترسيخ المجال الحيوي للعرق الألماني – النقي – !.
في عام ٢٠٠١ شكل – بوتين – حزب ( روسيا الموحدة ) الذي استند برنامجه بشكل أساسي على الخطاب المناهض للشيوعية ، والمتدينين من انصار الكنيسة الارثوذكسية ، والمحافظين ، والنخب التجارية – المالية ، واوساط الجيش والأجهزة الأمنية ، والتركيز على دغدغة مشاعر القوميين الروس المتعصبين ، من انصار ” روسنة ” شعوب ، وقوميات الاتحاد السوفيتي السابق ، وإعادة دولها المستقلة بالقوة الى الحضن الروسي ، بدء باوكرانيا كخطوة أولى ، وانتهاء بأكثر من خمسة عشرة دولة مستقلة ذات سيادة .
ثانيا – أصحاب ، ومنظروا الفلسفة النازية الأوائل : – جوتفريد فيدير – ودريكسدر – صاحب كراس ( اليقظة السياسية ) – وايكر – وجميعهم من بايرن جنوب ألمانيا وانطلقت النازية من هناك منذ الثلاثينات وبالرغم من صدامات مع السلطات الا ان الفكرة كانت مقبولة من سكان بايرن بشكل عام .
في روسيا الراهنة – سوركوف – وهو رجل اعمال ، وسياسي روسي ، من أصول شيشانية يعتبر كبير منظري الكرملين والذي كتب مقالا مؤخرا أطلق فيه مصطلح “البوتينية”، حيث أشار سوركوف إلى أن “البوتينية” تمثل اختراقاً سياسياً عالمياً، وهي طريقة فعالة للحكم” ، بالاضافة الى يوري كوفالتشوك، وهو أكبر مساهم في بنك روسيا ويسيطر على العديد من وسائل الإعلام المعتمدة من الدولة ، وكان صديق بوتين المقرب والمستشار الموثوق منذ التسعينيات ، كما يجمع المراقبون على ان ألكسندر دوغين يعتبر أيضاً من أهم منظري فلسفة القومية الروسية والطرح الأوراسي الذي تتبناه روسيا بوتين، والذي يعتبر المحرك الرئيسي وراء غزو أوكرانيا ..
ثالثا – جاءت الفكرة النازية – الهتلرية – بعد هزيمة المانيا بالحرب العالمية الأولى ١٩١٤ – ١٩١٨ ، وتعرضها لشروط مذلة من جانب الحلفاء ، وكان الفكر النازي بمثابة رد فعل لاعادة الاعتبار للشعب الألماني وذلك عبر الحروب ، والابادة ، والدمار .
الفكر – البوتيني – القومي الروسي ، جاء انتقاما لهزيمة روسيا ( السوفيتية ) أمام النظام الراسمالي العالمي ، ورد فعل على إرادة شعوب أوروبا الشرقية في الحرية ، والاستقلال ، ووالخلاص من السيطرة القومية الروسية ، والتي اختارت لها أنظمتها السياسية الجديدة من خلال العملية السياسية الديموقراطية ، المنبثقة عن الانتخابات الحرة النزيهة ، حسب مبدأ حق تقرير المصير .
رابعا – النخبة التي التفت حول هتلر وظلت مخلصة له وكانت عماد النازية تنوعت بين جنرالات عسكريين ، وكوادر إعلامية ، وسياسية ، وامنية مثل : ( هيس – غورنغ – غوبلز – هملر – بورمان – شيرد ) .
رجالات – بوتين – ومجموعته الملتفة حوله غالبيتها من نخب رجال المال والاعمال ، ومن قادة عسكريين ، وامنيين سابقين بينهم النخبة الاوليغارشية : اركادي روتنبرغ – رومان ابراموفيتش – بيتر افين – غينادي تيمشنكو – أليشر أوثمانوف – إيغور شوفالوف، – نيكولاي تيغاريف – والعسكرييون والامنييون : نيكولاي باتروشيف – سيرغي ناريشكين – ألكسندر بورتنيكوف – سيرغي شويغو – بالإضافة الى دبلوماسيين محترفين مثل – سيرغي لافروف ، وديمتري بيسكوف وغيرهما .
خامسا – انطلقت النازية وتوسعت بين كل ازمة وأخرى ، فكانت تعيش على الازمات الخارجية التي تنشب بين المانيا والدول الأوروبية الأخرى ، وكذلك الداخلية بافتعال الصراعات مع الأفكار المناهضة للنازية ، واحيانا هي تختلقها ، وتورطت في تصفية الشيوعيين .
دأبت – البوتينية – وفي غضون عدة عقود من حكمها ، على اشعال الحروب والفتن الداخلية ، ضد الشيشان ، وجورجيا على سبيل المثال ، وكذلك حملات التصفية بالسموم ، والاغتيالات ضد الخصوم السياسيين ، إضافة الى الازمات على الصعيد الخارجي مثل احتلال سوريا ومحاربة الثورة السورية ، وقتل السوريين ، والوقوف الى جانب النظم الاستبدادية الدكتاتورية في العالم ، مثل ايران ، وفنزويلا وغيرهما .
سادسا – النازية أقدمت بشكل مخطط على إبادة اليهود ، والغجر ، وقتل اكثر مايمكن من شعوب بولونيا ، والاتحاد السوفييتي .
البوتينية تبيد الان الشعب الاوكراني بتحشيد كل جيوش روسيا ، واستخدام الأسلحة الفتاكة ، وقامت سابقا كما ذكرنا بالمثل ضد الشيشانيين ، وقبلهم التتريين ، ثم الجورجيين .
سابعا – لعب هتلر على تناقضات المحيطين به ، والمختلفين حول النفوذ ، والمناصب على مبدأ ( فرق تسد ) وذلك بتشجيع غير مباشر منه .
يمارس بوتين النهج ذاته في دب الخلاف بين المحيطين به ، ويستخدم فرق الموت ، والمنظومات الأمنية السرية المرتبطة به في ترويع حتى مؤيديه ، حتى لايفكروا يوما بمعارضته .
ثامنا – كان لهتلر قصور ، ومساكن في اهم مناطق بافاريا ( “جوتيس جارتن” أو “حديقة الإله .) ، وفي سفوح جبال الالب الخلابة ، ولم يكن لديه و،لا لحاشيته حسابات بنكية لا في المانيا ولا في خارجها ، كما اكدت ذلك وثائق محاكم – نورنبرغ – الخاصة بالنازيين .
اما بوتين فبالاضافة الى قصوره ، ومساكنه المعروفة ، والسرية في اهم المناطق الروسية ، ومنتجعاتها ، فله أيضا أملاك وعقارات في مختلف الدول الأوروبية بأسماء افراد العائلة ، والمقربين ، من الاوليغارشيا الروسية اميط اللثام مؤخرا عن سرية بعضها بعد فرض العقوبات ، واعلن ان لبوتين حسابات مالية وباسماء أخرى تفوق على مائتي مليار دولار ، وهو كان سائق تاكسي قبل توليه السلطة .
تاسعا – كان هتلر ينظم الحفلات المشتركة مع المقربين وزوجاتهم ، ويهتم بامورهم ، ويتخذ – ايفا براون – عشيقة من دون ان يتزوجها ، ولم يسمح لها بالظهور كثيرا .
يقال ان بوتين يمارس الأسلوب ذاته مع المقربين منه وعائلاتهم ، ويوزع الأملاك والعقارات ، والأموال عليهم ، كما انه طلق زوجته دون ضجيج ، واتخذ له شابة عشيقة من احدى بطلات الاولمبيا ، من دون السماح لها بالظهور .
بعد كل ذلك ، وامام احتمالات نشوب الحرب العالمية الثالثة بعد اجتياح أوكرانيا ، والتهديد باستخدام السلاح النووي ، هل ستشكل البوتينية امتدادا للنازية في القرن الواحد والعشرين ؟؟

نبذة عن الكاتب

avatar

صلاح بدرالدين ولد في 11 آذار 1945 بقرية – نعمتلي – قضاء – القامشلي – سورية ,ثم عاش مع اهله في قرية – جمعاية - . انتسب مبكراً الى الحزب الديموقراطي الكردستاني - سورية وساهم مع الجناح اليساري القومي عام 1965 في تدشين النهج القومي الديموقراطي في الحركة الكردية . انتسب الى كلية الحقوق بجامعة دمشق واعتقل قبيل التخرج . عاش الجزء الأكبر من حياته ومنذ صيف 1966 في العمل السري والاختفاء بالداخل والهجرة القسرية الى لبنان وكردستان العراق وتونس وألمانيا الديموقراطية والاتحادية فيما بعد وسجن لعام واحد في سجن القلعة بدمشق ، وتم تحويله الى محكمة امن الدولة العليا بدمشق بعد تجريده من الحقوق المدنية . منذ كونفرانس عام 1968 اصبح السكرتير الأول للبارتي الديموقراطي الكردي اليساري في سورية ثم أمينا عاما لحزب الاتحاد الشعبي الكردي بعد تبديل الاسم في المؤتمر الخامس عام 1980. التقى الراحل الملا مصطفى البارزاني قائد ثورة ايلول للمرة الاولى في حزيران 1967 بمنطقه – بالك – في كردستان العراق . اسس في لبنان – رابطة كاوا للثقافة الكردية – كمؤسسة ثقافية في أعوام 1975 – 1978 . ويترأس الرابطة في كردستان العراق منذ عام 1999 . ساهم مبكراً في بناء العلاقات الودية مع حركة التحرر العربية وخاصة الحركة الوطنية اللبنانية وقوى منظمة التحرير الفلسطينية وقلده الرئيس الراحل ياسر عرفات أعلى وسام فلسطيني – درع الثورة الفلسطينية - كما شارك في اقامة عدد من جمعيات الصداقة بين الكرد والعرب وهو رئيس جمعية الصداقة الكردية – العربية . . انسحب طوعا من رئاسة حزبه وكل العمل الحزبي منذ عام 2003 ويمارس قناعاته الثقافية والسياسية بصورة مستقلة . - المؤلفات :1 - الكرد والحركة التحررية الكردية – بيروت – برلين – 1982 ( باللغات الكردية والعربية والألمانية ) .2 -الاكراد شعبا وقضية – بيروت – 1986 3- موضوعات كردية - بيروت – 1987 . 4 - القضية الكردية والنظام العالمي الجديد – بيروت – 1992 . 5 - غرب كردستان – بيروت – 1998 . 6 - القضية الكردية أمام التحديات - أربيل – 1999. 7 - الحركة القومية الكردية في سورية – رؤية نقدية من الداخل ( باللغات الكردية والعربية والانكليزية ) – أربيل – 2003 . 8– الكرد والعرب : اتحاد اختياري وشراكة عادلة - أربيل – 2004 . 9 – غرب كردستان ...الربيع الدامي – أربيل – 2004 . 10 – الكرد بين ارهاب الدولة القومية والاسلام السياسي – أربيل – 2005 . 11 – حوار شامل مع صلاح بدرالدين – أربيل – 2006 . 12 - كردستان من الثورة الى الكيان – أربيل – 2010 . 13 - الصراع في سوريا " النظام – الكرد – المعارضة "- أربيل – 2010 . 14 – نظام اقليمي جديد للتحرر القومي – أربيل – 2010 . 15 – صلاح بدرالدين يتذكر – بيروت – أربيل 2011 . له مئات المساهمات في الصحف والمجلات والمواقع الكردية والعربية .

مقالات ذات صله

الرد