ماهية الصراع بين “الإستثمار الأحمر” و”الإستثمار الأخضر”

الدكتور زاحم محمد الشهيلي

ماهية الصراع بين “الإستثمار الأحمر” و”الإستثمار الأخضر”

بقلم:  الدكتور زاحم محمد الشهيلي

تؤكدُ الوقائع التاريخية للحروب، بدءاً من الحروب الصليبية في القرون الوسطى وانتهاءً بالحرب الروسية الأوكرانية، بان الغرب، حامل لواء المعسكر الرأسمالي، يسعى دائما الى استكشاف القارات والدول بهدف استعمارها، واستعباد وقتل شعوبها، وفرض الهيمنة المطلقة على مواردها الاقتصادية، وتحجيم دورها السياسي، والعمل على تخلفها في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وجعلها مرتعاً للأمراض والأوبئة، تعصف بها النعرات الطائفية والعرقية، ويفتك بها الارهاب الدولي صنيعة الامبريالية العالمية، لتكون تابعة لها ومنقادة لأمرها.

وخير دليل على ذلك، الحروب التي خاضها الغرب بقيادة الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا تحت مسميات مختلفة في الشرق الاوسط ومناطق النفوذ التي تسيطر عليها الولايات المتحدة الامريكية حالياً، حيث تمارس سياسة “الاستعمار الأحمر” أي سياسة الارض المحروقة، حين تحتلُ البلدان وتدعها تكوى بنار المشاكل والأزمات، بعد أن تتم مصادرة مقدراتها الاقتصادية، وقتل وتهجير مواردها البشرية، أو أن تعطيها هبة لمن تشاء كما حدث ويحدث مع دولة فلسطين المحتلة، أي انها “تهب ما لا تملك” على غرار استيلاء الاوربيين البيض على قارة امريكا الشمالية بعد الفتك بسكانها الاصليين.

وعليه يمكن تصنيف، أو وصف تلك السياسة، وذلك الاستعمار الغربي بـ”الاستثمار الأحمر” – المصطلح الرديف “للاستعمار الأحمر” – والذي يمكن تعريفه على إنه إستثمار وحيد الجانب قائم على الاستعمار، والتدمير، والعبودية، ومصادرة وتبذير الموارد الاقتصادية للدول ذات السيادة وجعلها متخلفة، لكي يمكن السيطرة عليها حين تكون تابعة لها ومتحكمة بقراراتها، تيمناً بالشعار القديم للمستعمر الانجليزي “جوع كلبك يتبعك”، ودعه ينهش بلحمه حتى يموت.

والاستعمار الأحمر، او ما يسمى بـ”الاستثمار الأحمر”، قائم على ثلاث ركائز: الاولى سياسية، تهدف الى عدم تمكين ان تكون هناك كفة سياسية في شرق الكرة الارضية راجحة على كفة الغرب، خاصة في منطقة الشرق الاوسط الإسلامي، قادرة على المساهمة في رسم السياسة العالمية. والثانية إقتصادية، تهدف الى خلق الاسواق العالمية لتصريف البضائع ذات المردود المالي الاكبر المتمثلة بترسانات الاسلحة التقليدية، وذلك من خلال العمل على اقامة واستدامة الصراعات والحروب الداخلية والاقليمية والدولية باستمرار. أما الركيزة الثالثة، فهي ثقافية- دينية، قائمة على النبوءات الدينية في التوراة والإنجيل، هدفها توفير اسباب الانتصار الديني في نهاية الدنيا.

لذلك لا يمكن للدول الواقعة تحت وطأة “الاستثمار الأحمر”، خاصة الدول العربية والإسلامية، ان تتحرر من هذه المفاهيم الاستعمارية الغربية الغريبة مهما كان ولاءها وكبرت تبعيتها.

اما بالنسبة للمعسكر الشرقي، الذي تمثله الدول الاشتراكية الكبرى مثل الاتحاد السوفيتي السابق – الاتحاد الروسي حاليا -، والصين، والدول الآسيوية الصناعية واليابان، والتي يمتلك بعضها السلاح النووي، فإنه يسعى دائماً الى توسيع رقعة “الاستعمار الأخضر” في بلدان الشرق الاوسط وأفريقيا وآسيا، لإيجاد فرص عمل واستثمارات في الدول ذات الاقتصاديات الناشئة، المسماة بالدول النامية ودول العالم الثالث، بهدف اعادة اعمار البنى التحتية لها، وتنفيذ المشاريع الاقتصادية الاستثمارية التي من شانها الارتقاء بالجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لتلك البلدان على اساس المنفعة المتبادلة، والذي يسميه البعض بالاستعمار الاقتصادي.

حيث يمكن تصنيف، أو وصف هذه السياسية، وذلك الاستعمار بـ”الاستثمار الأخضر” – المصطلح الرديف لـ”الاستعمار الأخضر” – القائم على الثنائية الدولية والمصالح المشتركة، والذي يهدف الى اعادة الحياة للمجتمعات الفقيرة والنامية، والمجتمعات التي تمتلك الثروة لكنها لا تستطيع استغلالها بامكانياتها المتاحة، لتمكينها على النهوض والارتقاء بين الشعوب والأمم على أساس احترام السيادة، والمصالح الاقتصادية المتبادلة، والاحترام المتبادل بين الدول وشعوبها.

وهذا النهج لا يتفق في طبيعة الحال مع اهداف وتوجهات “الاستعمار الأحمر” الغربي، وأضحى مرفوضاً من قبل دول “الاستثمار الأحمر” لأنه لا يتناسب مع نهجها العدواني في استعباد الشعوب ونهب ثرواتها.

فحين يتعدى “الاستثمار الأخضر” الشرقي الخطوط الحمراء لحدود “الاستثمار الأحمر” الغربي، او العكس بالعكس، تبدأ الحرب الكونية الباردة بين المعسكرين- المعسكر الرأسمالي الغربي المائل قليلاً الى الاشتراكية، والمعسكر الاشتراكي الشرقي المائل قليلاً الى الرأسمالية -، حيث تحاول القوى المتغطرسة دائماً ملئ الفراغ من خلال احتلال البلدان المجاورة لـدول “الاستثمار الأخضر” بالقوة، أو محاولة ادخالها على هامش تحالفات هشة لتكون طعم أو فريسة لدولة قوية تمتلك ترسانة نووية كبيرة تحاول ابعاد نفوذ الدول الكبرى من حدودها لتجنب عمليات التجسس والعدوان المتوقعة مستقبلاً، والتي من شأنها تقليص مساحات “الاستثمار الأخضر” الذي تهدف اليه هذه الدولة او تلك مثل الصين وروسيا، وكما يحدث حاليا في الحرب بين روسيا الاتحادية وأوكرانيا، التي تعد نتاج للصراع بين دول “الاستثمار الأحمر” ودول “الاستثمار الأخضر” الذي يهدد في طبيعة الحال والنهج والثقافة السياسية والاقتصادية والدينية المصالح الغربية منذ قرون مضت.

لذلك فان الدول التي تقع ضمن حدود “الاستثمار الأحمر”، والتي من ضمنها الدول العربية واغلب الدول الإسلامية، أصبحت اليوم تقف على مفترق طرق لتحديد مسارها في ظل تداعيات الازمات الاقتصادية والحروب المؤلمة، فإما ان تبقى تحت نير الاحتلال والاستغلال والتبعية ومصادرة السيادة والإرادة معاً من خلال “الاستثمار الأحمر” الغربي، أو أن تتخذ اتجاهاً آخر يضمن لها كرامتها وسيادتها المسلوبة، ويعيد بناء جسدها السياسي والاقتصادي والاجتماعي الممزق في اطار نهج الدول الكبرى ذات “الاستثمار الأخضر”.

 

13-2-2022

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد